| 

صدر للدكتور محمد طعان رواية جديدة وسمها بعنوان «ما باحت به سارة» (بيروت: دار البيروني 2012). وتدور سردية هذه الرواية على لاجئ فلسطيني ولد في عكا سنة 1948، ولجأ مع عائلته إلى مخيم الرشيدية في جنوب لبنان. وفي الرشيدية كان لا ينفك محدقاً في الأنوار الآتية من بعيد؛ أنوار عكا التي كانت تومض في الليالي الصافية. وكثيراً ما كانت هذه الأنوار تثير فيه حنيناً إلى بلاده القريبة والبعيدة في آن. وطفقت الحياة في المخيم تدور على الإعاشة والأونروا والتعليم وأخبار الإذاعة البريطانية وخطب جمال عبد الناصر ووالده الذي رأى في عبد الناصر منقذ هذه الأمة. لكن والده لم يلبث أن مات بالسل، ولحقته شقيقته عائشة، فعاش طفولته وفتوته مع والدته التي لم تتوان عن اصطحاب ابنها إلى دمشق لمشاهدة جمال عبد الناصر حين جاء إلى سوريا مكللاً بالمجد ورئيساً لدولة الوحدة الجديدة. وهكذا شبّ هذا الفتى الفلسطيني، وسافر إلى بلغاريا لدراسة الطب. وفي أثناء ذلك تندلع حرب حزيران 1967، ويهزم جمال عبد الناصر ويستقيل ثم يعود عن استقالته. ويسافر الطبيب الفلسطيني إلى المغرب، وهناك يكتشف الفقر واختلاف اللسان والبربر واشتباك الوطنيات، وانحسار الأحلام الرومانسية. وفي المغرب يلتقي سارة اليهودية الفرنسية التي ولدت في الجزائر وما برحت تمتلك حنيناً هائلاً لأرض طفولتها، وسامي اليهودي المؤيد لإسرائيل، والنقيب ميلود الذي قاتل في الجولان وأصيب بجروح في رجله وآخرين شكلوا مجموعة تتعاطى الحشيش والخمور. وفي تلك الديار البعيدة يكتشف أن في المغرب قرية تدعى «الرشيدية» فيتطوع للعمل طبيباً لسكانها الفقراء والقدريين في الوقت نفسه، بينما كانت سارة اليهودية ناشطة اجتماعية. والاثنان يجمعهما الحنين إلى الأمكنة الأولى: الفلسطيني يحن إلى عكا كمكان متخيل، وإلى الرشيدية كمكان واقعي، وهي إلى «بيشار» قريتها الجزائرية. وفي نهاية المطاف، وبعد مغامرة منهكة في الصحراء الجزائرية تتمكن سارة اليهودية الفرنسية من العودة إلى «بيشار» من دون تأشيرة، وتصلي في مثوى «سيدي يحيى» إلى جانب المسلمين الذين كانوا يصلون أيضاً، بينما يفشل، وهو العربي، من دخول الجزائر العربية لعدم حيازته تأشيرة الدخول، فيعود من الجزائر خائباً إلى المغرب، ويطلب، أول ما يطلب، لفافة حشيش.
 

******


رواية «ما باحت به سارة» هي رواية الغربة ورواية المنفى، ورواية الخيبة، ورواية سقوط الأحلام الجميلة. وهي رواية الحنين إلى عكا، وحنين صديقته اليهودية إلى الجزائر، وحنين صديقه مدرّس التاريخ إلى مدينة حمص. وهي رواية الموت (موت والده وشقيقته ووالدته وجمال عبد الناصر وموت الصبي المغربي المصاب بالبلهارسيا). وهي أيضاً رواية العجز عن إنقاذ الصبي المغربي مع أن الدواء معروف لكنه مفقود، والعجز عن تحرير فلسطين مع أن الدواء معروف تماماً، أي الوحدة العربية. وهي أيضاً رواية الخداع المبتذل. فالنقيب ميلود، بطل حرب تشرين الأول 1973، والذي جرح في معارك الجولان، يعترف في لحظة ثرثرة وغضب وحشيش بأنه هو مَن أطلق النار على رجله كي يُسحب من مواقع القتال.

 

 

******


تنتهي الرواية بنزول أنور السادات من طائرته الرئاسية في مطار القدس ليعانق مناحيم بيغن وغولدا مئير وشمعون بيريز، وهذا هو المصير الفاجع الذي وصل العرب إليه حتى بعد أن حاربوا في سنة 1973. أما حكمة الرواية التي كانت تظهر شيئاً فشيئاً في ثنايا الحوار مع سارة اليهودية أو سامي المغربي المؤيد لإسرائيل، واسمه الصحيح صموئيل بن شعيا، فخلاصتها النهائية هي أن بين الفرات والنيل مكاناً للجميع (...). وإذا كان لدى العرب واليهود الحنين نفسه إلى فلسطين، فيجب أن يتمكن الفريقان من العيش معاً في الأرض نفسها بسلام». وهذه الحكمة مسألة خلافية جداً