| 

في خضم ضجيج الاختلافات والصراعات المحتدمة بين الفلسطينيين في غالبية القضايا المصيرية، وهي خلافات يعكسها الواقع كما الخطاب السياسي لكل القوى السياسية، تبرز نقطة التقاء أو اتفاق في خطاب جميع القوى السياسية والنخب الاجتماعية، وحتى المواطنين العاديين، وهي مفردة الأزمة: أزمة النظام السياسي، أزمة المشروع الوطني، أزمة منظمة التحرير الفلسطينية، أزمة اليسار الفلسطيني، أزمة النخبة الفلسطينية، أزمة المفاوضات والتسوية، أزمة المقاومة، الأزمة المالية للسلطة، أزمة الحصار في غزة... الخ، حتى انتصارات الوهم التي يقول بها البعض لا تخفي حقيقة أزمتهم ولا تنطلي على الجماهير التي تعرف وتعيش الواقع في قطاع غزة وفي الضفة الغربية.
هناك نهجان، بل يمكن القول ان هناك استراتيجيتين، في التعامل مع الأزمة / الأزمات، الأولى استراتيجية الإلهاء، وهي استراتيجية النخب السياسية والاجتماعية المستفيدة والمتعيشة من الأزمة، ومعها بطبيعة الحال إسرائيل واللجنة الرباعية، وهذه النخب تتجنب الذهاب مباشرة إلى جوهر الأزمة ولا تريد أن يعرف الشعب جوهر الأزمة وأسبابها الحقيقية، مع أن الشعب بات يعرف، لكنه عالق بأزمات ومشكلات لا تنتهي: أزمة راتب، أزمة غلاء، أزمة كهرباء، أزمة وقود، أزمة معابر، أزمة أمن، أزمة حصار، أزمة اعتقالات، أزمة اتهامات تراشق إعلامي. ثم إن هذه الأزمات ما برحت تطرق رأس المواطن صباح مساء وتجعله في حالة قلق دائمة وانشغال يومي بتأمين قوت يومه وأمنه الشخصي، الأمر الذي يبعده عن الانشـــغال بالهم الوطني وقضيته الرئيسة، أي مواجهة الاحتلال. في مقابل ذلك، هناك الاستراتيجية المُغيَبة وهي استراتيجية إعادة بنــاء المشــروع الوطني الفلسطيني كمشروع حركة تحرر وطنـــي، إنها الاستراتيجية التي يتحدث عنها المتحاورون في كل جلـــسة من جلسات الحوار الوطني التي تعد بالمئات، من دون أن يــتوصلوا إلى اتفاق كامل عليها، وإن اتفقوا تغيب الإرادة في تنفيذها.
لذا، فإن أي حديث عن البدائل والمخارج لأزمة النظام السياسي يجب أن يكون في إطار رؤية استراتيجية لمجمل النظام السياسي، وهذا يتطلب أولا تشخيص الأزمة، هل هي خلل وظيفي أم بنيوي أم كلاهما معا؟ إن تسويق الخلل على أنه خلل وظيفي معناه أن لا مشكلة في بنية المنظمة والسلطة والقوى الأخرى، بما فيها «حماس». وهذا التعامل مع الأزمة سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة، لأن الأزمة أكبر من مجرد خلل في الوظائف. الأزمة في رأينا إستراتيجية تمس بنية العمل الوطني. أزمة الأدوات لا تعود إلى قوة الخصم واختلال موازين القوى معه فقط، بل تعود لخلل البنيات والمؤسسات والنخب القائمة، ففاقد الشيء لا يعطيه.
خيارات المنظمة مأزومة لأن بنيتها ومؤسساتها ونخبها مأزومة وفاشلة، ولأن قيادتها ترهن القضية الوطنية بالمفاوضات والتسوية من دون أن تفتح آفاق الفعل الشعبي على مداه، والذي قد يصل إلى الكفاح المسلح. وخيارات «حماس» مأزومة لأن مشروعها السياسي اللاوطني مأزوم ومرهون بإرادة غير فلسطينية، حيث ترهن القضية الوطنية لمشاريع خارجية وبالمتغيرات العربية المفتوحة على جميع الاحتمالات. ومثل هذا النظام ومثل هذه النخب مأزومة لا يمكنها أن تقود مشروعا وطنيا وتواجه عدوا شرسا كالعدو الإسرائيلي.
سؤال البدائل الذي يُشغل الفلسطينيين اليوم يعكس خللا استراتيجيا أكبر من مجرد فشل مفاوضات، وهو سابق لوجود الانقسام. إنه خلل استراتيجي وقع فيه النظام السياسي الفلسطيني بكامله عندما وضع السلام والمفاوضات في حالة تعارض مع المقاومة، خصوصا ما بعد رحيل ياسر عرفات، وانقسم الأمر على هذا الأساس، فمن يفاوض أسقط خيار المقاومة، ومن يقول بالمقاومة لا يقول بالسلام ويرفض المفاوضات ولا يشارك فيها، ما جعل النظام السياسي من دون استراتيجية وطنية توافقية وبلا رؤية واضحة، وهو الأمر الذي يُعد خروجا على منطق الحياة السياسية وعلى الفهم العقلاني لها، ويُعد خروجا على جميع تجارب حركات التحرر في العالم. وهو خلل في النخبة التي لا تتجدد وفي شبكة تحالفاتها وعلاقاتها الخارجية. ثم جاء الانقسام الذي كرس قطاع غزة كياناً قائماً بذاته ليزيد الأمور تعقيدا، ومن بعده جاء ما يسمى «الربيع العربي» ليستقطب الاهتمام وليدخل القضية الفلسطينية ضمن القضايا المؤجلة.
سؤال الخيارات والبدائل غير مطروح على الرئيس «أبو مازن» أو منظمة التحرير وحدهما، هو ليس مطروحا على حركة حماس وحدها، فالقضية وطنية تمس وجود الشعب الفلسطيني كله. لا نعتقد أن البدائل التي يطرحها المفاوض الفلسطيني بدائل حقيقية تشكل إستراتيجية يمكنها مواجهة سياسة الحرب المعممة الإسرائيلية، والتي ستكون أكثر شراسة في ظل حكومة ائتلافية بين نتنياهو وليبرمان بعد الانتخابات المقبلة. البدائل التي تطرحها القيادة تصلح للتحرك السياسي ولرفع المعنويات وتبديد حالة اليأس أو لملء الفراغ موقتاً، لكنها لا تشكل إستراتيجية مواجهة. حتى الذهاب إلى جمعية العامة للحصول على قرار فلسطين دولة غير عضو لا يشكل خيارا أو بديلا. أيضا «دولة التمكين» في غزة التي تراهن عليها «حماس» كنقطة منطلق لمدد إسلامي مقبل لا تشكل بديلا وهي في الأساس ليست خيارا ولا بديلا وطنيا بل ارتداد وخروج على المشروع الوطني.
إذا استمرت حالة الانقسام فإن البدائل التي تطرحها منظمة التحرير لن تكون أكثر من تكتيكات داخل النهج الجاري أو السياسة القائمة، أي المفاوضات والمراهنة الكلية على التسوية السياسية بالشروط الأميركية والأوروبية. البدائل التي يقول بها المفاوضون الفلسطينيون مجرد تكتيكات قد تؤدي إلى تجميد الاستيطان موقتاً، وتجبر إسرائيل على العودة إلى طاولة المفاوضات، وربما تحسن شروط المفاوض الفلسطيني، لكنها لن تنجز السلام العادل الذي يريده الفلسطينيون، إن لم يتم إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، واستنهاض الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج في إطار استراتيجية وقيادة وطنية؛ إستراتيجية تجمع التمسك بخيار السلام إلى تفعيل المقاومة الشعبية والعصيان المدني وتصعيدهما بشكل متدرج مع بقاء احتمال اللجوء إلى المقاومة المسلحة.
المقاومة أمر مهم ومطلوب، فهي تؤكد أننا ما زلنا تحت الاحتلال أكان ذلك في الضفة أو في غزة، وتؤكد حقنا الطبيعي في المقاومة وهو حق تكفله الشرعيات الدينية والدولية كلها، ولكن يجب أن تكون مقاومة حقيقية، لا مجرد شعارات، وأن تكون المقاومة في إطار إستراتيجية وطنية وليست مقاومة حزبية ومرحلية ومرتبطة بجدول أعمال الأطراف الخارجية، وأن تكون المقاومة والسلام وجها عملة واحدة، بمعنى السير معا بحيث يدعم كل نهج النهج الآخر ويتم توظيف أحدهما لخدمة الآخر بما تقتضيه المصلحة الوطنية وحسب مجريات الأحداث ومتطلبات التحرك السياسي. لمقاربة الخيارات والبدائل استراتيجياً يجب تشخيص الإشكال أو الأزمة أولا، ثم البحث في الخيارات الممكنة للخروج من الأزمة نهائيا أو إدارتها بعقلانية. وسنقارب الموضوع من خلال العناوين التالية:

أولا : أزمة ماذا؟

هل هي أزمة مفاوضات؟ أم أزمة مقاومة؟ أم أزمة الانقسام؟ أم أزمة تأليف حكومة؟ أم أزمة راتب في الضفة؟ أم أزمة حصار في غزة؟ والتعامل مع الأزمة من خلال الظواهر يعني أن بنية النظام السياسي ومكوناته المؤسساتية والحزبية سليمة وأن الخلل وظيفي إداري يكمن في إدارة الأزمة. والحل في هذه الحال يقتصر على تحسين الأداء والوظائف وفتح باب الخيارات أمام النخب الحاكمة من دون مس بنياتها وشرعيتها. وفي رأينا أن الأزمة أعمق من ذلك، إنها أزمة النظام السياسي والمشروع الوطني برمته، والأزمات المشار إليها مجرد تداعيات أو إفرازات حتمية للخلل الاستراتيجي.

ثانيا : أزمة من؟

إن كانت الأزمة وظيفية فلا يترتب عليها البحث في الاستراتيجيات بل في الوسائل والأدوار. ولكن إن كانت الأزمة بنيوية وإستراتيجية ففي هذه الحال يجب الغوص في البنيات العميقة والشرعيات والاستراتيجيات، ما يعني البحث في خيارات وبدائل من النظام السياسي القائم برمته. الخلل الاستراتيجي والبنيوي يستحضر خيارات وبدائل من منظمة التحرير الفلسطينية ومن قيادة ولسلطة الوطنية ولانقسام.
أنا أرى أن الأزمة بنيوية ووظيفية إنها أزمة قيادة ومرجعيات وشرعيات وأزمة استراتيجيات عمل ونخب، وبالتالي، فإن مكونات النظام السياسي القائم ـ فصائل منظمة التحرير، والفصائل الإسلامية خارجها، والمجلس التشريعي، والسلطة ـ غير مؤهلة منفردة لإخراج النظام السياسي من أزمته وأقصى ما يمكنها فعله هو إدارة الانقسام أو إدارة الأزمة، وهي إدارة ستؤدي لتأكل متواصل للحق الفلسطيني ومنح إسرائيل مزيدا من الوقت لاستكمال مخططها الاستيطاني والتهويدي.
هناك خيط أو حلقة مركزية تربط هذه الأزمات كلها، بل نعتبرها سببا فيها، وهي النخبة التي قادت وتقود العمل الوطني. ففي ظل غياب دولنة المجال السياسي ومع شكلانية السلطة فإن النخبة السياسية الفلسطينية تعتبر الفاعل السياسي الرئيس الذي يستحوذ على عملية صنع القرار وعلى توزيع وتقاسم الأدوار والمغانم وتأطير المشهد السياسي. لا فرق بين النخب في الضفة الغربية والنخب في قطاع غزة، إلا على مستوى الشعارات والأيديولوجيات، وهو فرق شكلاني خارجي لا يغير حقيقة الوحدة الجوانية لهذه النخب من حيث نمط تفكيرها وتعطشها للسلطة والجاه والمغانم، وفي نظرتها الدونية للشعب.
لذلك تعيش القضية الوطنية حالة انفصال وانفصام مزدوجة: انفصال وانفصام ما بين النخب وغالبية الشعب، وانفصال وانفصام ما بين النخب والتشكيلات السياسية المتصارعة على السلطة، والواقع بما يتطلبه من مستلزمات نضالية حقيقية. هذه الحالة أدت إلى فشل لمشاريع السياسية والتنموية والاجتماعية والتحررية وتحولت الحال الراهنة للوضع المتسم بالانقسام الداخلي وانغلاق الأفق السياسي وحالة التيه والإرباك التي تعم كافة الأحزاب والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني. إنها حالة تيه وإرباك تشمل القضايا الرئيسة كالتسوية والسلام والمقاومة وأضيف إليها ملف المصالحة الوطنية.
إذا تُركت القضية الفلسطينية للنخب الموجودة اليوم فلن يخرج النظام السياسي الفلسطيني من مأزقه، وستفشل جميع محاولات استنهاض المشروع الوطني. إمساك النخب السياسية بتلابيب الحياة السياسية يشكل عائقا أمام استنهاض مشروع مقاومة حقيقي حتى في صيغته السلمية، ويشكل عائقا أمام استنهاض مشروع سلام حقيقي وعادل حتى في إطار قرارات الشرعية الدولية، وسيبقى كل طرف ـ «فتح» و«حماس» ـ يجتر الشعارات ويرمي بالمسؤولية عن فشله على عاتق الطرف الثاني، فيما القيادات النافذة في كل طرف تعرف حقيقة أن فشلها لا يعود إلى مناكفات الطرف الثاني أو أخطائه، بل يكمن فشلها في ذاتها، نهجا ومصالح ذاتية وفئوية باتت لها الأولوية على المصلحة الوطنية، بالإضافة إلى أن إسرائيل استطاعت تدجين غالبية النخب السياسية والمدنية وإن بدرجات متفاوتة، إلى جانب معادلة دولية جدية خلقت الظروف المواتية للانقسام وتعمل على ديمومته.
إن فشل المشروع الوطني التحرري والفشل المُعمم لجميع مكونات النظام السياسي وحالة البطالة والفقر التي يمر بها الشعب، لا تنعكس على نخب الأحزاب والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني، فخراب الوطن ودمار المشروع الوطني وضياعه يواكبه تَشَكُل نخب حزبية ومدنية تتسم بالثراء والنفوذ والامتيازات غير المسبوقة، الأمر الذي يحتم ربط الأمور بعضها ببعض من خلال معادلة بسيطة تقول إن اغتناء هذه النخب ثمنه تضييعها للوطن أو تخليها عن مسؤوليتها في تحرير الوطن والدفاع عن كرامة المواطن. لا فرق بين نخبة حركة فتح في الضفة، حيث غِناها وامتيازاتها مقابل سكوتها عن الاستيطان والتهويد، أو نخبة حركة حماس في غزة، حيث غِناها غير المسبوق واستمرارها في السلطة ثمنه تخليها عن المقاومة المسلحة في فلسطين 1948 أولا، ثم في الضفة، ثم عبر الحدود بين غزة وإسرائيل، وقيامها بدور الحارس للحدود الجنوبية مع إسرائيل. ولا فرق بين فساد النخب السياسية وفساد نخب المجتمع المدني، بل إن فساد المجتمع المدني لا يقل خطراً عن فساد النخب السياسية، لأن فساد الأولين خارج نطاق المحاسبة والرقابة من المجتمع أو من الحكومتين أو من الجهات المانحة.
هذه النخب التي باتت أسيرة مصالحها الاقتصادية وأسيرة متطلبات السلطة وأسيرة ثقافة لا تعترف بالخطأ أو بالنقد الذاتي راحت تتبادل أدوار الفشل من دون أن تعترف بأنها فاشلة. وعلى الرغم من الفشل والطريق المسدود الذي وصلت إليه منظمة التحرير والسلطة، إلا أن نخبها ما زالت تتصرف وكأنها ممسكة بمقاليد الأمور وما زالت ترفض الاعتراف بالفشل، وذلك ينطبق على حركة حماس التي تخفي فشلها الوطني بالارتماء في أحضان الإخوان المسلمين، ولذا ستستمر هذه النخب باجترار خطاب عن المقاومة أو عن السلام لا علاقة له بالواقع، وتسويق انتصارات وهمية لتبرير وجودها واستمرارها في السلطة، ولكل طرف أوهامه التي يسوقها للشعب، وهي أوهام إن لم تكن تعبر عن الجهل السياسي، وهو أمر خطير، فإنما تعبر عن تضليل مقصود للشعب، وهو أخطر من الجهل.
على الرغم من حالة العداء بين «فتح» و«حماس» والنخب السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة، إلا أننا نعتقد بأنها تتجه نحو التعايش في إطار الانقسام القائم والبحث عن مخارج غير وطنية للقضية الوطنية.
قصارى القول إن الخروج من حالة التيه السياسي المُعبَر عنها بأزمة النظام السياسي يحتاج إعادة بناء منظمة التحرير وتفعيلها كمشروع تحرر وطني، وإعادة البناء والتفعيل تعني استيعاب جميع القوى السياسية والاجتماعية من جانب، وإعادة صوغ البرنامج السياسي للمنظمة من جانب آخر، بحيث يحدد هذا البرنامج الأهداف ـ مرحلية واستراتيجية ـ والوسائل وشبكة التحالفات. إن معادلة جديدة أو نظاما إقليميا يتشكل في المنطقة عنوانه تحالف مباشر بين الغرب والإسلام السياسي المعتدل، وهو نظام سيعيد تشكيل دول وأنظمة حكم، وعلينا كفلسطينيين الحذر وحسن التصرف في هذه المرحلة حتى لا يكون مشروعنا الوطني ضحية هذه المعادلة والنظام الجديد.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر في غزة