| 

لم تتعرض القضية الفلسطينية منذ العام 1948 لحالة من الانكشاف كما هي الحال عليه اليوم. ولا أجازف في الاستنتاج إذا قلت إن تفصيلات المشهد القائم هي الأخطر منذ النكبة، وأن القضية الفلسطينية وما مرت به من تطورات على مدى أربعة وستين عاماً لم يكن بحجم الخطر الداهم الذي تتعرض له اليوم. وتظهر وقائع التجربة مجموعة من الملامح الرئيسة لهذه المرحلة أبرزها:
أولا: إن ما أريد له أن يكون موقتاً أصبح دائماً، فلم تحل القضايا المؤجلة، وتم الإجهاز على ما تم انجازه في فترة وهم التسوية.
ثانيا: إن اتفاقية أوسلو والاتفاقيات اللاحقة لم تعرِّف الأراضي الفلسطينية في أي من أحكامها بأنها أراضٍ محتلة، وبالتالي فهي أراض متنازع عليها، وهو ما لم يقطع الطريق بل شرعها ومن أوسع الأبواب لتقوم دولة الاحتلال بما قامت به من استيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أوسلو والفصل بين الضفة والقطاع

كان من الخطأ الفادح قبول الفلسطينيين عدم تأسيس اتفاقية أوسلو على مرجعيات تنهي الاحتلال وتضمن حصول الفلسطينيين على حقوقهم وفقاً لقواعد القانون الدولي وقواعد العدالة. وقد أسهم ذلك في بقاء الاحتلال بأشكاله المادية والقانونية، الأمر الذي تجسد في مزيد من الاستيطان والحواجز العسكرية، والتأسيس لنظام من الفصل التام بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وعلى الرغم من إقرار اتفاقية أوسلو من الناحية النظرية، بأن الضفة والقطاع يشكلان وحدة اقليمية واحدة، وبعدم جواز المساس بسلامتها الإقليمية، إلا أن دولة الاحتلال قامت من الناحية الفعلية بممارسة نقيض ذلك، حيث أسست نظاماً واضحاً من الفصل بين المنطقتين بالإجراءات الإدارية والأمنية والسياسية، ما أدى الى الانفصال الأحادي الجانب عن قطاع غزة، وهي خطوة كانت تهدف إلى إنهاء حلم الفلسطينيين في إمكانية الحصول على دولتهم، من خلال سياسة دفع غزة جنوباً نحو مصر، الأمر الذي يترافق مع تكثيف الاستيطان في الضفة وتحويلها إلى كانتونات معزولة ومفصولة بعضها عن بعض.
يعتبر الانقسام أحد أهم المؤشرات على فشل الفلسطينيين في بناء مؤسستهم التي لم تستطع احتواء الاختلاف والتناقض بين مكونات الفعل السياسي المختلفة، وهو أمر ترافق مع انسداد أفق التسوية وتعريض السلطة للتأكل. وفي ضوء أوسلو، نظرية وممارسة، بلغ الخلاف السياسي مبلغا أصبح معه من المحال بقاء الحال على ما هي عليه، بفعل الانقسام السياسي الخطير، ووجود نظام سياسي برأسين، وتدخل اقليمي ودولي هائل. والمشهد القائم هو «حصاد الآثام»، فمن وهم السلطة في الضفة وفي غزة إلى وهم بناء مؤسســات الدولة تحت الاحتلال، في ظل انعدام السيطرة على الحد الأدنى من الموارد والمقدرات، والقيود الشديدة على الحركة والتنقل في ظل وجود ما يزيد على 100 حاجز عسكري، وتسارع وتيرة الاستيطان وكأن دولة الاحتلال في سباق محموم مع الزمن لتـــغيير معــالم الأرض، والاجهاز الكامل على الطابع العربي للقدس، وتهويد جميع ما هو فلسطيني أو عربي، إسلامياً أكان أم مسيحياً.
من اللافت أن الاحتلال بعد العام 1967 وحد الفلسطينيين من الناحية الفعلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعزز الارتباط بين المنطقتين وبقي الوضع كذلك حتى ما قبل الإعلان عن اتفاقية أوسلو، وتحديداً في عام 1991 عندما أنشأ الاحتلال حاجز بيت حانون (إيرز) وبدأ يفرض تصريحاً لمن يرغب في زيارة الضفة أو مناطق 48. وبعد انطلاق عملية أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية، بدأ العمل فعليا لإرساء قواعد الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي أكمله الفلسطينيون بأيديهم بعد أن انفصلت إسرائيل عن قطاع غزة من طرف واحد. ومن بين الحقائق التي تظـــهر مدى التغيرات على هذا الصعيد، أن المتوسط اليومي لعـــدد المغادرين من القطاع عبر معبر بيت حانون باتجاه الشمال في العام 2000 بلغ 26000 نسمة، بينما في العام 2011 بلغ المتوسط اليومي لعدد المغادرين من القطاع عبر المعبر نفسه 170 شــخصاً فقط، معظمهم من المرضى الذين لا يتوفر لهم أي علاج في القطاع.
الحالة القائمة الآن في قطاع غزة فريدة في نوعها مقارنة بأي حالة حكم تقليدية، فنحن أمام أربعة أطراف مسؤولة عما هو جيد أو سيئ في هذا الجزء من الأرض الفلسطينية. فقطاع غزة جزء من الأراضي المحتلة، وهو أرض محتلة بامتياز قبل أوسلو وبعده، وقبل سيطرة حركة حماس وبعدها، ما دامت دولة الاحتلال تمارس السيطرة الفعلية على معابر القطاع وسمائه ومياهه وأرضه. وهناك حكومتان لا تمارسان حدا أدنى من السيادة، واحدة في غزة تمارس سيطرة تكاد تكون كاملة على القطاع، وعلى تماس مباشر ويومي مع السكان، وأخرى في رام الله وهي ذات تأثير واضح في تفـــصيلات حياة السكان في الضفة والقطاع بما تتخذ من إجــراءات وما تخصص من موازنات وما تقر من طريقة عمل للاشتـــباك مع القطاع. والطرف الرابع هو المجتمع الدولي الذي كان ولم يزل طرفا أساسيا في كل ما يتعلق بشؤون القطاع وحياة سكانه. ويمكن القول إن المجتمع الدولي، ومنذ نشأة الســلطة الفلسطينية، أراد لها أن تعتمد على المساعدات الدوليــة في وجودها وفي قدرتها على الوفاء بواجباتها تجاه مواطنيـــها. وقد نجح التمويل الدولي في جعل السلطة هيكلاً غاية في الهشاشة جراء الاعتمادية الهائلة للسلطة عليه، وهو تمويل ســياسي بامتياز، أبقى ويبقي رقبة السلطة بين أيدي هذه الأطراف، بحيث تستخدم ذلك التمويل متى شاءت وكيفما شاءت لممارسة الضغوط السياسية على السلطة. وفي المقابل، لم يرافق التمويل الدولي، أي ضغط سياسي على دولة الاحتلال بما يحقق الغاية المرجوة من التمويل كما هو معلن، وضمان أن تذهب الأموال لغاياتها المحددة في القضاء على تركة الاحتلال الثقيلة. وفي نهاية الأمر شكلت هذه الأموال جزءاً من فاتورة تدفع للاحتلال لقاء احتلاله، ليصبح الاحتلال الاسرائيلي هو الأقل تكلفة في العالم.
ظهر دور المجتمع الدولي، بــشكل واضـــح، في الـــشروط التي فرضها بعد الانتخابات الفلسطينية الثانــــية في كانون الثاني 2006، والتي أفضت إلى التسامح مع الحـــصار الذي فرض على القطاع وسكانه، على الرغم من آثاره الكـــارثية في مناحي حياة الغزيين، في وقت استمر الدعم المالي والـــسياسي للسلطة الفلسطيــــنية في رام الله، بشكل تدريجي جرى تحويل قطاع غزة إلى حالة انسانية، حيث يعتمد حوالي 85% من عائلات القطـــاع على المساعدات المقدمة من المؤسسات الإنسانية، ولا سيما وكالة الغوث (أونروا)، على الرغم من كون حالة غزة هي حالة سياسية بامتياز.

النظام السياسي وعقلية القبيلة

بعد خمس سنوات من سيطرة حماس على القطاع، يمكن القول إن نظاماً سياسياً يكاد يكون قد اكتمل في قطاع غزة، حيث كان لعامل الزمن شأن في تعميق الانقسام، في ظل عدم وجود إرادة حقيقية لإنهائه، وفي خلق حقائق جديدة يبدو أن من الصعب الرجوع عنها. ويمكن القول أيضاً إن النظام السياسي المنقسم محكوم بعقلية القبيلة التي يتحكم بها الفعل وردة فعل وعدم اتاحة الفرصة أمام الخصوم السياسيين لمباشرة فعلهم السياسي ونشاطهم وتأثيرهم في المجتمع. وقد ترافق ذلك مع زيادة اعتمادية القطاع على جمهورية مصر العربية في متطلباته اليومية، الأمر الذي كان يعني دفع غزة جنوبا وتعميق الفصل بين الضفة والقطاع، وهو في أي حال كان الهدف الأسمى لخطة الفصل الإسرائيلية الأحادية التي كانت تسعى إلى دفع القطاع جنوباً، ما يعني إنهاء حلم الفلسطينيين في إقامة دولتهم في ظل تعميق الانفصال وتأسيس كيانين ونظامين سياسيين. ويمكن اجمال واقع الحريات العامة في القطاع بالقول إن حركة حماس لم تستطع مغادرة مربع الحركة باتجاه الدولة، وبقيت الحكومة تدار إلى حد كبير بعقلية الحركة.
خضع حكم حماس في القطاع لديناميات الشروط التي فرضت لإغراق حركة حماس في حكم غزة على طريق رفع الرايات البيض تأكيداً على فشل متوقع في إدارة غزة. وذاتيا، خضع هذا الحكم لخطاب تمثل في الإصرار على لعب دور الضحية، وعلى التوظيف النفعي الســـياسي لحقيقة ما لحق بالحركة من حرمان، أفراداً وجماعة، من حـــق أصيل لهم في الحكم في مرحلة ما قبل سيطرتها العسكرية علــى قطاع غزة، مضافاً إليه خطاب استحضار الأعداء، وهم كثر، عنــد الفشل في تقديم النموذج، «فالنجاح لنا والفشل لغيرنا». إن ذلك كله، ومن دون الخوض في تفصيلاته، أسس حالة من «دولة الحزب» أو «حزب الدولة» التــي تتماهى فيها الحركة مع الدولة والدولة مع الحركة، وهو ما يرسي قواعد تؤسس «لنظام شمولي» يعظّم شأن الجماعة أو بعض الجماعة على حساب المواطنين.
إن تراكم القوة واستحواذ السلطة مضــافاً إليها الشرعية الحقيقية أحياناً والشرعية المزعومة في أحيان أخرى، إنما يدفع من الناحية الموضوعية نحـــو ذلــك الاتجاه الخطير على المجتمع وعلى الحــركة نفســها، وهو نوع من تدمير الذات.
ربما كان من أهم القضايا تلك التي تتعلق بالرقابة والمحاسبة، فالسلطة في رام الله، في غياب انعقاد المجلس التشريعي، مسؤولة أمام من يمولها من أطراف المجتمع الدولي وليس أمام أي جسم آخر. وفي غزة، وفي ظل وجود «مجلس تشريعي» من الناحية الموضوعية من لون سياسي واحد، وبغض النظر عن الجدل في شأن قانونية جلساته، فإن الحكومة في غزة مسؤولة فعلياً أمام أجسام الحركة نفسها لا أمام المجتمع. وفي كلتا الحالتين هناك خلل خطير يؤدي إلى مزيد من التغول على المجتمع، والى التساهل مع كثير أو قليل من قضايا الفساد وسوء استخدام النفوذ وانتهاكات حقوق الانسان وحرياته الأساسية.
أما في ما يتعلق بمباشرة الحكومـــة في غزة مهامها، فلا شك في أن هناك من يقوم بالرقابة، وهـــناك هيئات وأجسام تتولى ذلك رسمياً، ولكن في واقع الأمر فإن مـــن يقوم بالتنفيذ ومن هو مكلف بالرقابة عليه ينتميان الى الجماعة السياسية نفسها، وهما من يلتقيان في نهاية اليوم كإخوة في الحركة مجتمعين في أحد أجسامها. فكيف تستقيم الرقابة وتؤدي فعلها الحقيقي في ظل عدم الاستقلالية الموضوعية بين التنفيذ والرقابة؟
إن هذا الواقع من تعميق الفـــصل بين الضفة والقطاع وتأسيس نظامين سياسيين، وفر فرصـــة غير مسبوقة لدولة الاحتلال أحسنت استخدامها في تغيـــير حقائق الجغرافيا وحسم كثير من عناوين الصراع الكبرى. ذلـــك كله جرى في وقت يتم فيه تعظيم أدوات الحكم في قطـــاع غزة وفي الضفة الغربية، واقصاء المواطنين عن دائرة الفـــعل السياسي والاجتماعي وتعظيم اهتمامهم بتأمين متطلـــبات معيشتهم، بحثا عن خلاص فردي بدلا من خلاص الشـــعب من حالة الانقسام والانفصال في سيـــاق إعــادة بناء مشـــروع التحرر الوطني في مواجهة المشروع الصهيوني العنصري الاستيطاني.

* مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة