| 

صفد، إنها تلك المدينة الذهبية الجبلية الشامخة والمطلة على الجليل والبحيرة والبحر، ذات الهواء المنعش والطبيعة الساحرة، المدينة التي يتوق اليها أهلوها المهجرون قسراً، والتي لم تغب عن ذاكرتهم ووجدانهم يومًا. وبعيدًا عن الضجة الاعلامية التي «حظيت» بها صفد، بعد كلام الرئيس الصفدي محمود عباس والتي حجبت، فقد تناولت الصحافة العربية المحلية الحملة العنصرية المحمومة ضد الطلبة الجامعيين العرب الدارسين في كلية صفد الجامعية. وقد تنوعت أساليب المعاناة التي يعرفها الطلبة العرب على أيدي العنصريين الذين يوجههم الحاخام الرئيسي للمدينة شموئيل الياهو، والذي انضم إليه لاحقًا 17 شخصية دينية نافذة في المدينة. وقد تنوعت الإساءات ابتداء من الاعتداءات الجسدية والمضايقات مرورًا بالتحريض على عدم تأجيرهم بيوتا ليسكنوا فيها.
تنتهج الحكومة الإسرائيلية في المدن الفلسطينية المُهجرة العام 1948 سياسة فرض الأمر الواقع، فنراها تقوم ببيع العقارات والبيوت العربية في عكا ويافا، في محاولة منها لتقوية الوجود اليهودي ولتصفية موضوع اللاجئين ثم القضية الفلسطينية. والمعروف أن الحكومة الإسرائيلية أقرت افتتاح قسم لتدريس الحقوق في كلية صفد الجامعية، ثم أقرت افتتاح كلية للطب فيها، ولم يرق هذا الأمر العنصريين اليهود الذين طالبوا بإقفال الكلية الجامعية كي لا تجتذب العرب إلى المدينة التي يعتبرونها مدينة مقدسة.

منع العرب من رئاسة رابطة الطلبة

على الرغم من الوصف الرومانسي لصفد، وعلى الرغم من رومانسية فترة الحياة الجامعية وخصوصيتها في حياة طلبة في مقتبل العمر، إلا أن حياة الطلبة الجامعيين العرب الدارسين في كلية صفد تميزت بالصعوبة والتوتر وبمحاولة فرض الهيمنة عليهم، وتحجيمهم وخفض أعدادهم في الكلية. ولم تكن هذه المحاولات حكرًا على زعران المتطرفين بل إن إدارة الكلية لا تتوانى عن تعكير حياة الطلبة العرب، فتتعامل معهم كغرباء ويدل على ذلك مثالان:
الأول هو قيام إدارة الكلية بمنع الطلبة من استئجار مساكن لهم خلال الصيف بذريعة استقبال الكلية لوفد أجنبي واسكانه في داخل هذه المساكن.
وكان عدد كبير من الطلبة توجه إلى الإدارة لاستئجار مساكن للفصل الصيفي وتلقى ردودًا سلبية، وفي أعقاب ذلك، أرسلت النائبة العربية حنين الزعبي رسالة لإدارة الكلية قالت فيها إن هذا القرار يمس حق الطلبة في التمتع بأجواء تعليمية لائقة. كما اعتبرت القرار خرقًا لمنظومة القوانين الداخلية للكلية والتي تمنح الطلبة الحق في استعمال المساكن وتحصر حق الكلية في رفض تأجير المساكن للطلبة بمخالفات بحسب الإجراءات المعمول بها. وقد اعتبرت هذه العملية تشريدًا للطلبة كي يواجهوا إيجارات مرتفعة القيمة. وشددت الزعبي على أن وراء القرار دوافع عنصرية بما أن معظم الطلبة المستأجرين في المساكن هم عرب.
والمثال الثاني، هو العمل على تغيير دستور نقابة الطلبة العامة لمنع أي طالب عربي من تقلد رئاستها، علمًا أن الطلبة العرب يشكلون الأغلبية من بين طلبة الكلية. ووفقا للتعديل المقترح، فإنه يجب على المرشح لنقابة الطلبة في كلية صفد، أن يكون قد أنهى الخدمة الوطنية أو المدنية المعترف بها من الجهات الرسمية في إسرائيل (24 شهرا على الأقل). ولكن، وبعد أن أحدث هذا الاقتراح ضجة في صفوف الطلبة العرب في كلية صفد، ادعت إدارة الكلية أن رابطة الطلبة هي جمعية مستقلة، وأن كلية صفد لا تتدخل فيها وليس لها تأثير في عملها.

الفنان نورمان عيسى: العربي سائح في بلده!

أنجز الممثل الفنان نورمان عيسى فيلماً مناهضاً للعنصرية عن مدينة صفد ومعالمها والطريق المؤدية إليها، ثم يقول: التجوال لطيف في المدينة ذاتها، شوارع مرصوفة بالحجارة، منازل قديمة مع ساحات داخلية يغلب فيها المخفي على الظاهر. قد يشعر الانسان انه سائح في بلده! شباب يتجمعون في صفد خلال الخريف مع حماسة لافتتاح السنة الدراسية. الكلية الأكاديمية في عاصمة الجليل تفتح أبوابها بوجه الطلبة وتعرض عليهم باقة من المواضيع للشهادة الأولى بما فيها «القبالاه» (نوع من الطريقة الصوفية اليهودية). الشباب يبحثون عن شقق وغرف للايجار. والمؤجرون لا يريدون تأجير العرب. لأنك إن كنت عربيا، فإن بلدة «المقبولين» لا تقبلك برحابة صدر، ولا يريدون ذلك، ولا يرغب سكان المدينة في أن يلطّخ العرب قدسية المدينة اليهودية.
في أحد الأيام قام الحاخام شموئيل الياهو، الحاخام الرئيسي للمدينة، وجمع مواطنين وناشطين يمينيين من شتى أنحاء المدينة وأصدر فتوى تهدف إلى منع ذوبان الجالية اليهودية في المدينة داخل ديانات وطوائف أخرى: لا نؤجر الشقق للعرب، لا نبيعهم البيوت. نطرد الأغيار (الغوييم) خارجًا!! ليس هذا وحسب، فقد قام شبان يهود من سكان المدينة بتنفيذ هذه الفتوى، فكانوا ينقضون على الطلبة العرب في الشارع وينهالون عليهم بالضرب، يعتدون على ممتلكاتهم، يضرمون النار في سياراتهم. إنهم «ينظفون المدينة»! المؤسسة الدينية لا تستنكر الأمر والشرطة لا تجتهد في حماية الطلبة العرب «مواطنو الدولة». أما رئيس الحكومة؟ فحافظ «حق الصمت»، وكأنما الحديث يدور عن ضبط للنفس. وهنا لا يدور الحديث عن أقلية يمكن تجاهلها. نحن لسنا أقلية أبدًا.

الحماية من حاخام المدينة

في بداية السنة الدراسية الحالية، أصدرت لجنة الطلبة العرب في كلية صفد بيانا جاء فيه: «ليست هذه الخطوة الأولى من نوعها، فقد تم سابقاً نشر رسالة كهذه عن الاعتداءات على ممتلكات الطلبة، مثل حرق السيارات، وطردهم من أماكن سكناهم، ومحاولة تغيير دستور النقابة. ولا شك في أن هذه الخطوات ليست إلا تطبيقاً لمشروع العنصرية التي ينادي بها اليمين المتطرف».

* صحافي وناشط اجتماعي في عكا.