| 

لن أنسى ذاك اليوم، فهو أكثر الأيام التي تألمت فيها في حياتي. لم يكن الألم جسدياً وليته كان كذلك، كان ألماً من نوع آخر؛ ألم أوجع روحي كما لم تتوجع من قبل.
وحدي كنت أجلس في البيت وما عدت أذكر لماذا لم يكن خليل معي في ذاك اليوم. أمام شاشة التلفاز تسمّرت، وعيناي مفتوحتان على اتساعهما، أراقب الحدث الذي تبثه شتى قنوات العالم، ولا أدري كم شخصاً ممن شاهدوا الحدث انتابه الشعور نفسه الذي انتابني، أو تألمت روحه كما تألمت روحي أو بكى بالحرقة التي بكيت فيها.
يوم 13/9/1993، كيف يمكن لي أن أنساه وأنا أشاهد توقيع اتفاقية اعتبرتها من أكثر الاتفاقيات المهينة لتضحيات عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى، فيما اعتبرها البعض أكبر انتصار حققته منظمة التحرير في تاريخها!
أعترف بأني صرخت وأنا أشاهد الزعيم الراحل «أبو عمار» يمد يده لتصافح يد القاتل اسحق رابين، هذه كانت صرختي الأولى، والصرخة الثانية كانت عندما مد يده لشمعون بيريز وتردد هذا الآخر في مد يده للزعيم، ثم مدّها بعد أن همس له رابين: والآن جاء دورك!
هل هناك ما هو أكثر إهانة؟ هكذا كنت أهمس لنفسي مع نشيج متواصل في الصوت.
ذهولي وغضبي من توقيع اتفاقية كهذه لم ينته سريعاً، ربما بدأ يخفّ تدريجاً وأنا أحاول إقناع نفسي بأن أهم ما سيتحقق لكثيرين ممن أفنوا سنوات عمرهم في النضال خارج الوطن، هو العودة إلى جزء من الوطن، وأنا واحدة من هؤلاء.
بعد صراع نفسي طويل دام أشهراً عدة، انتصرت في داخلي فكرة أهمية العودة، ولو إلى جزء من الوطن، مع أنني كنت أعتقد أننا نناضل من أجل عودة أبنائنا إلى الوطن بأسره، وليس نحن. اعتقدت أن عودتنا قد تقربني كلاجئة من بلدة أجدادي، ولعلها تقرب يوم عودة باقي اللاجئين، وهو اعتقاد لم تلبث أن دحضته وقائع ما بعد توقيع اتفاق أوسلو.

وكانت ليلة العودة

ليلة العودة لم أنم، ربما فرحاً، ربما توتراً، ربما خوفاً من المجهول، ولكن الاعتقاد بأني للمرة الأولى سأسلم أوراقي الثبوتية عند نقطة حدود يمتلكها ويديرها فلسطيني، كما أشيع بعد توقيع اتفاق أوسلو، طغى على أي إحساس آخر.
اتصلت بأمي في بيروت، وقلت لها بالحرف الواحد: يما بكره مسافرة على فلسطين، شو بتوصي أجيبلك من الخالصة؟ قالت بحرارة: أمانة عليك يما كمشة تراب من أرض الخالصة. وعندما سألت أخي محمد: وأنت خيا شو بتوصّي؟ قال وكأن دمعة خنقت حنجرته: أمانة عليك خيتا تبوسي أول حجر بتشوفي بالقدس.
حلفت لهم أغلظ الأيمان بأني سأنفذ وصاياهم فور وصولي الى أرض فلسطين. لم أكن أدرك حتى هذه اللحظة حجم الكذبة الإعلامية التي تم الترويج لها عن إنجازات اتفاقية أوسلو، ووعد الدولة «بات على مرمى حجر». وكم كانت صدمتي كبيرة وأنا أصل الى المعبر الذي أطلق عليه لاحقاً معبر «الكرامة» لأكتشف أن لا حدود لنا، ولا سيادة حتى على معبر، وأنه معبر «هدر الكرامة» الوطنية والإنسانية، وأن الوصول إلى بلدتي الخالصة لن يكون بالأمر السهل أبداً.

بانتظار الحصول على «كمشة» تراب

عامان وأنا أنتظر فرصة للوصول إلى الأرض الجنة، كما كانت أمي تسمّيها. كانت تروي حكايات الطفولة في منزل العائلة، والعمل الشاق والممتع في فلاحة أرض جدي، والحياة التي كانت تدبّ في مختلف بلدات صفد الكنعانية العربية وقراها، وهي واحدة من أقدم مدن فلسطين التاريخية، ولها شأن مهم في ربط الجليل الأعلى، أو إصبع الجليل، بباقي فلسطين بدءا من بيسان والناصرة وطبريا، ومدن الساحل الفلسطيني، ثم ربط فلسطين بلبنان وسوريا. كان يحلو لأمي أن تتحدث عن علاقات العمل والتجارة بين الفلسطينيين واللبنانيين، وعن توجه تجار ومزارعين فلسطينيين يومياً إلى بلدات وقرى لبنانية سيراً على الأقدام، ومنها النبطية. وعندما كانت تُسأل كم كانت المسافة بالسيارة بين الخالصة والنبطية، كانت تجيب: بتشعل السيجارة في الخالصة وتطفيها في النبطية!
إجابة ذات دلالة، ظلت عالقة في ذهني وأنا أتساءل طوال عامين من الانتظار، كيف تصبح رحلة بطول «تدخين سيجارة» بين فلسطين ولبنان إلى رحلة تستغرق هذا الانتظار كله، وهي بين جزءين من فلسطين نفسها يخضعان للاحتلال ذاته. هل أعاد «أوسلو» تعريف فلسطين وأهلها على مقاس مناطق السلطة؟ هل يسهم في فصلنا نهائياً عن باقي أرضنا في فلسطين التاريخية وعن قطاع غزة، بل وحتى عن بعض أجزاء الضفة الغربية نفسها، ولاسيما القدس؟ هل تقزمت فلسطين إلى هذا الحد لتسهم اتفاقية أوسلو في تقسيم المقسم أرضاً وشعباً، لتفصل الفلسطينيين في وطنهم، كما تفصلهم عن باقي تجمعات شعبهم اللاجئين في الشتات؟
ظلت الأسئلة تراودني بانتظار الوفاء بوعد الحصول على مجرد «كمشة» من تراب سينتظر اللاجئون طويلاً العودة إليه، إلى أن كانت رحلة جماعية، بتصريح إسرائيلي طبعاً، إلى منطقة نهر بانياس في شمال فلسطين، شارك فيها كثير ممن لا أعرفهم.
الباص الذي أقلنا بدا كأنه طائر يحلق نحو ما كان حلماً، هكذا أحسست وأنا أدخل للمرة الأولى في حياتي إلى فلسطين التي بها كنّا نحلم. وفي لحظة ذهول وانفعال، وأنا أشاهد بنهم كل ما هو على الشوارع، إذ بسائق الباص يعلن عبر السماعة «أمتار قليلة ونكون في بلدة الخالصة».
ارتجفت وأنا أسمع اسم بلدتي، وباسمها الفلسطيني الذي بات لا يعرفه معظم مواطنينا إلا باسم مستوطنة «كريات شمونة». مرّ الباص سريعاً بالشارع الرئيسي في الخالصة، من دون أن تتوقف دموعي أو شهقاتي المتتالية، وعلى جانبيه بنايات ومنازل شيّدت على أنقاض منازل أهلي وأبناء بلدتي، فيما كانت سهول إصبع الجليل كأنها تنتظر عودة أبنائها الفلاحين، ولهو أطفالهم.
وصلنا الى بانياس، وكم تمنيت أن تنتهي الرحلة سريعاً لا لشيء إلا العودة كي نمر مرة أخرى بشوارع الخالصة. طلبت من سائق الباص أن نتوقف لحظات على رصيف الشارع في الخالصة، سألني لماذا، قلت: هذه بلدتي وأهلي جميعهم في لبنان، أمي أوصتني أن أحضر لها حفنة تراب من هنا.
استغرب الركاب، توقفنا على رصيف الشارع في الخالصة، شرح لهم سائق الباص السبب، ثم قفزت سريعاً وتبعني زوجي ومعه ابنتي الصغيرة، وفجأة نزل الركاب جميعهم والدموع تغطي وجوههم، وراح الجميع يحاولون مساعدتي في جمع حفنة التراب. أوقفتهم وقلت لهم: أرجوكم لا أريد تراباً تم تدنيسه بأقدام من احتل بلدتي، أريد تراباً طاهراً ما زال يحتفظ برائحة أقدام أمي.
أخذ الجميع وهم يبكون بالحفر حول شجرة في أرض الخالصة إلى أعمق نقطة وصلت إليها أيادينا، إلى التراب الطاهر المشبع بنكهة جذور أشجار زرعها أجدادنا. جمعنا كمية تفوق «كمشة» التراب التي طلبتها أمي، حملت كيس التراب في طريق العودة إلى كانتونات السلطة في بقايا الضفة الغربية، وكأني أحمل بين يدي أغلى كنوز الدنيا.
أرسلت التراب لأمي إلى لبنان، وبعد أسبوع اتصلت للاطمئنان عليها، فردّ عليّ أخي، وفي نهاية المكالمة قال لي: خيتا فيكي تبعتي كمان مرة «كمشة» تراب من الخالصة. استغربت طلبه وقلت له: لكني أرسلت لكم كمية كبيرة من التراب، هل تم توزيعه كله على خالاتي وأقاربنا، أجاب: يا ريت، سألت: ماذا إذن؟ فأجابني: خالاتك وأقاربك أكلوه!

* فنانة مسرحية من الخالصة لاجئة في مدينة رام الله.