| 

أعادت السنة الدراسية الجامعية الجديدة في إسرائيل، التي افتتحت مؤخرًا، مدينة صفد إلى صدارة عناوين المعركة التي يخوضها فلسطينيو 48 ضد العنصرية الصهيونية، حيث عمّم الحاخام الرئيسي للمدينة شموئيل إلياهو يوم الفاتح من تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 على السكان اليهود رسالة تهديد يحذرهم فيها من مغبة تأجير البيوت للطلبة العرب الذين يدرسون في «كلية صفد الأكاديمية».
بدأت هذه القضية قبل نحو عامين لدى إصدار إلياهو فتوى تحظر تأجير البيوت للطلبة العرب، وفي إثر ذلك وقع ثلاثمئة من الحاخامين اليهود في المدن الإسرائيلية عريضة تطالب بعدم بيع أو تأجير بيوت إلى العرب، وقامت مجموعة حاخامات يهوديات (زوجات الحاخامين) بإصدار نداء يدعو الفتيات اليهوديات إلى الامتناع عن إقامة أي علاقة بالشبان العرب. وبينت الحيثيات التي اقترنت بذلك أن رجال الدين اليهود في معظمهم مصابون بأوبئة العنصرية وكراهية الآخر والجشع والاستعلاء والعدوانية، فضلاً عن قيامهم ببذل جلّ جهودهم لعرقلة أي محاولات تهدف إلى كبح الاستيطان اليهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وردًا على مطالبة عدة منظمات حقوقية وشخصيات أكاديمية وأدبية وفكرية بتقديم موقعي هذه العريضة إلى المحاكمة، كونها تنطوي على تحريض عنصري جليّ يعاقب القانون الجنائي الإسرائيلي عليه، قال أحد الموقعين (حاخام مدينة أسدود) إن العريضة تستند إلى التوراة التي أكدت أن «أرض إسرائيل هي لشعب إسرائيل»، وإذا كانت مقولة من هذا القبيل عنصرية، فإن هذه العنصرية مصدرها التوراة.
ووفقًا لما قاله الحاخام إلياهو لوسائل الإعلام الإسرائيلية والأجنبية، في معرض تبريره الفتوى السالفة، فإن معركة منع العرب من السكن في صفد تختزل المعركة من أجل تكريس الطابع اليهودي لدولة إسرائيل برمتها، من خلال «كي وعي» العرب بأنهم ليسوا أصحاب البلد، وأن اليهود هم أصحابها أولا ودائمًا. وبموجب ما ورد مثلاً في تقرير مطوّل ظهر في صحيفة «هآرتس»، في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، فإن موضوع حظر تأجير بيوت للطلبة العرب في صفد يشكل جزءًا من فكر أيديولوجي متكامل يتبناه الحاخام إلياهو ويعمل على نشره، ويقف في صلبه «التخوّف من أن ينتاب العرب في إسرائيل شعور كما لو أنهم أصحاب البلد، الأمر الذي يشكل في نظره خطرًا على الشعب اليهودي، وعلى المشروع الصهيوني».
ومما قاله هذا الحاخام للصحافي الذي أعدّ التقرير: «إن الأمر الأكثر عدالة بالنسبة إلى اليهود من الناحية القومية هو أن تكون لهم دولة خاصة بهم. ويجب علينا على هذا الصعيد أن نحافظ على الدولة اليهودية. وفيما يتعلق بصفد علينا أن نحرص دائمًا على أن يُعاقب المعتدي على ما اقترفت يداه. فحتى سنة 1948 عاش اليهود والعرب في صفد بسلام إلى أن قرّر العرب أن يذبحوا جميع اليهود في المدينة وأن يسبوا نساءهم، على غرار ما أقدموا عليه سنة 1929 في كل من صفد والخليل. وعندما أخفق العرب في تحقيق مبتغاهم هذا فهموا جيدًا ما ينطوي عليه هذا الإخفاق من دلالة، فحملوا أمتعتهم وغادروا المدينة، وتركوا كل شيء لليهود الساكنين فيها. ويمكن القول إن مغادرتهم لم تكن ناجمة عن حملة طرد منظمة، وإنما عن وعي تغلغل في أذهان عشرات ألوف الأشخاص الذين كانوا يعيشون في المدينة، وفحواه أنه يتعين عليهم مغادرة المكان وتركه لليهود. إن العرب لديهم 22 دولة، وثمة مكان كاف لهم في هذه الدول كي يعيشوا فيه، وكي يحظوا بموارده الطبيعية. والعربي الوحيد الذي يمكنه أن يعيش في الدولة اليهودية هو الذي يكون على استعداد لأن يكون ضيفًا فيها، أما العربي الذي يشعر أنه صاحب البلد فمكانه ليس هنا».
تجدر الإشارة هنا إلى أنه عقب الضجة التي أثارتها عريضة «حاخامي المدن» دعا أحد الحاخامين (حاييم دروكمـان) إلى ضرورة التمييز بين «العرب المخلصين» و«العرب الشانئين لإسرائيل» لدى بيع البيوت او تأجيرها، معتبرا ذلك حلاً وسط بين دعوات حاخامي اليمين التي حظرت تأجير البيوت للعرب أو بيعها، وبين حاخامين حريديم (متزمتين دينيا) انتقدوا ذلك. وسعى دروكمان، الذي يوصف بأنه من زعماء «التيار المعتدل في الصهيونية القومية ـ الدينية»، لنشر عريضة جديدة يوقع عليها عدد كبير من الحاخامين وتدعو إلى التفريق بين «العرب المخلصين» و«العرب الشانئين لإسرائيل». ووفقا للعريضة ينبغي التعامل بمساواة مع «العربي المخلص» وإقصاء «العربي الشانئ لإسرائيل».

العنصرية من الأسفل..!

حظي الحاخام إلياهو في أواخر نيسان (أبريل) 2011 بدرع «مؤتمر الرملة»، الذي أُسس في ذلك الحين على يد حركة يمينية دينية إسرائيلية تسمي نفسها «التحرير»، وعقد تحت عنوان «الأرض لليهود لا لجميع المواطنين»، وذلك تقديرًا «لأعماله ومثابرته في الحفاظ على الطابع اليهودي في أرض إسرائيل». وسلم الدرع إليه وزير العلوم والتكنولوجيا الإسرائيلي دانيئيل هرشكوفيتس، الذي كان ضيف شرف في المؤتمر المذكور. ومع أن هذا الوزير حاول أن يتنصل من أفكار إلياهو وأفعاله قائلاً إنه يخالفه الرأي، إلا أن من الواضح أنه متماه مع غاية المؤتمر.
وأثبت تقليد إلياهو بهذا الدرع أنه تحوّل إلى مثار تقدير على المستوى الإسرائيلي العام، الذي بات في الآونة الأخيرة يشهد مزيدًا من مظاهر عملية بنيوية فحواها تكريس العنصرية إزاء العرب الفلسطينيين والغوييم (الأغيار) عمومًا، والتي تحدث من الأسفل وأساسًا من طرف حركات يمينية جديدة، ومعاهد أبحاث ذات موارد مالية كبيرة، وصحف وصحافيين، وكذلك من طرف قوى دينية مرجعية مثل الحاخامين، ومن طرف المستوطنين.
من المُلاحظ أن منسوب الاهتمام بهذه العملية آخذ في الازدياد، وجزء منه يرد في سياق تحليل البنية العامة للمجتمع الإسرائيلي كما تنعكس في تفكير الشارع، وقد خلص البعض إلى الاستنتاج بأن الفكر العنصري المسيطر على هذا الشارع أقوى وأخطر مما تعبر عنه المؤسسة السياسية أو المؤسسة العسكرية أو المؤسسة التشريعية، سواء من خلال إجراءاتها الإدارية أو ممارساتها الميدانية، وخصوصًا في ضوء افتقار المجتمع الإسرائيلي إلى مركز ثقل ذي وزن وأهمية للفكر المدني، وضعف مراكز القوى التي تعمل في موضوع حقوق الإنسان، علمًا بأن ثمة علاقة سببية بين الأمرين. وثار جدل حاد في هذا الشأن في الدورة السادسة من «مؤتمر تل أبيب للتربية المتقدمة» التي عقدت في صيف 2011. ويعقد هذا المؤتمر بمبادرة من «كلية تأهيل المعلمين» التابعة لحركة الكيبوتسات ومقرها في تل أبيب، ويعتبر أحد المؤتمرات المهمة والأساسية في إسرائيل في مجال التربية والتعليم. فقد أعدت مجموعة من الخبراء في الشؤون التربوية في الجامعات عشية هذا المؤتمر «ورقة موقف» دعت فيها وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية إلى ضرورة محاربة مظاهر العنصرية والتطرف القومي بين الطلاب اليهود في المدارس الإسرائيلية إزاء العرب، من خلال إرساء قيم الديموقراطية. وأضافت أن «على وزارة التربية والتعليم إجراء تغيير شامل في الأفكار والاستعداد تربويا لوقف مظاهر العنصرية والتطرف القومي وإرساء ثقافة ديموقراطية ومسؤولية اجتماعية».
وقال أحد أفراد المجموعة لوسائل الإعلام: «إننا نسمع بشكل دائم أن وزارة التربية والتعليم وضعت مزيدًا من البرامج لتعميق التراث اليهودي، وتنظيم رحلات مدرسية للتعرف على أماكن في الأرض الموعودة، واعتماد مشروعات تتعلق بأهمية الصهيونية، لكننا لا نسمع بالقدر نفسه عن توسيع التربية على المواطنة، بدءا من سن روضة الأطفال وحتى المدرسة الثانوية، كقاعدة تربوية - مدنية، وأيضا كجهاز يمنح مناعة ضد الرياح الشريرة التي تهب من التطرف القومي والعنصرية اللذين ينخران المجتمع الإسرائيلي».
وجاءت «ورقة الموقف» على خلفية قيام كبار المسؤولين في وزارة التربية والتعليم، وفي مقدمهم الوزير، والمدير العام للوزارة، بوضع سلسلة من البرامج والمشروعات الرامية إلى ما يصفونه بـ«تعزيز القيم القومية واليهودية». وبين هذه البرامج إدخال موضوع جديد إلى المناهج التعليمية في المدارس الابتدائية تحت عنوان «ثقافة إسرائيل وتراثها»، وتوسيع حجم الزيارات إلى القدس، والجولات في الخليل، ومشروعات التعاون مع الجيش الإسرائيلي، وزيادة المحفزات للانخراط في صفوف الوحدات القتالية في الجيش.
وجاء في الورقة نفسها ان من المتوقع، من جهاز التربية في ضوء المظاهر العنصرية التي تشهدها إسرائيل في الوقت الحالي، هو أن يعمل على دفع التعليم على المواطنة قدمًا، غير أن الواقع القائم في المدارس وفي جهاز التربية والتعليم يتناقض بالكامل مع هذا التوقع.
في ما يتعلق بالعنصرية التي تُمارس في صفد، تثبت رسالة التهديد الصادرة عن حاخام المدينة الرئيسي أن الموضوع لم يعد مقتصرًا على التفكير والترويج فقط، بل إنه يتعدى ذلك إلى امتلاك الأسفل الإسرائيلي وسائل قوة عنيفة لترجمة فكره إلى أفعال تتحدى في الظاهر المنظومات الرسمية القائمة لتدعيم سيطرة مؤسساته وترسيخ هيمنتها، بيد أنها في العمق تعبّر عن مقولة أدورنو بشأن قيام السيطرة بتفويض القوة الجسدية التي تبني سلطتها عليها إلى من تسيطر عليهم.