| 

لا يختلف جوهريا حال الإعلام والخطاب الإعلامي الفلسطيني، ولا يتعارض مع السمات العامة التي يتميز بها الوضع الفلسطيني العام، فالعلاقة بين السياسة والإعلام هي علاقة كيميائية حتى في أكثر النظم السياسية ديموقراطية، فما بالنا والحديث يدور على أنظمة سياسية، بل على مشاريع أنظمة سياسية فلسطينية، القاسم المشترك بينها هو الاحتكار السياسي والإعلامي، فضلا عن قواسم أخرى مشتركة.
في الدول التي يحكمها الاستبداد تخضع وسائل الإعلام لسيطرة القوى الحاكمة ورقابتها، فهي في الغالب من يملكها، أو يضبط اتجاهاتها في حال توافرت الفرصة لإعلام مستقل وغير حكومي. والحال لا تختلف كثيرا في الدول ذات الأنظمة الديموقراطية العريقة؛ ففي هذه الدول تتكامل المؤسسات الإعلامية عموما مع المؤسسات والشركات الرأسمالية الاحتكارية، خاصة أن الإعلام دخل منذ زمن بعيد حقل الصناعة وما عاد تأملا للحدث أو مفسرا له، وإنما شريكا فاعلا في صناعة الأحداث والسياسات والاستراتيجيات. ولعلنا في هذا السياق، نقدم نموذج قناة «الجزيرة» التي تشكل أداة فاعلة جدا في تنفيذ سياسات الإمارة الصغيرة، التي يتجاوز دورها في المحيط العربي الإمكانات المادية والبشرية والجيوسياسية التي تمتلكها قطر.
في هذا الإطار، سنلاحظ مدى اهتمام القوى الفلسطينية المسيطرة، خصوصا بعد الانقسام الحاد والخطير الذي تعرض له النظام السياسي الفلسطيني، وتعرض له الشعب الفلسطيني والجغرافيا الفلسطينية، وأيضا البرامج والاستراتيجيات، والأهداف وسنلاحظ أيضا مدى تأثير هذا الانقسام في مفردات الخطاب السياسي الفلسطيني كما تعكسها وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية. لقد شكل موضوع السيطرة على وسائل الإعلام، وإخضاعه، وتحديد مساحة الفضاء من الحرية التي يتحرك فيها، الهدف الأبرز لفصائل الانقسام بعد تأمين السيطرة العسكرية والأمنية على المؤسسات، الأمر الذي أدى إلى إعادة رسم الخريطة الإعلامية بما يعكس سيطرة الإعلام الحزبي الفصائلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد نشأت بعد الانقسام ست فضائيات بعد أن كانت تقتصر على قناة فلسطين الرسمية وقناة الأقصى. وباستثناء قناة واحدة في قطاع غزة هي قناة «القدس هنا»، التي تدعي الاستقلالية، فإن بقية القنوات محكومة لفصائل فلسطينية أكثرها لحركة حماس التي تملك أربعا من هذه القنوات.
الحال لا يختلف جوهريا عند الحديث عن المحطات الإذاعية المنتشرة في الضفة والقطاع، حيث ان معظمها تملكه الفصائل، أو يدعمه هذا الفصيل أو ذاك، أو أنها تميل بهذا القدر أو ذاك لمصلحة هذا الفصيل أو ذاك. حتى الصحف الورقية، تمتلكها في معظمها فصائل معينة أو تلتزم اتجاهاتها السياسية والفكرية، ويجري تصنيفها على أساس فصائلي. أما بالنسبة إلى الشبكة العنكبوتية، فإنها مفتوحة على نطاق واسع للمواقع والمدونين والفصائل والمؤسسات والوكالات الإخبارية العامة والخاصة، وحتى الأفراد، إلى الحد الذي يشهد اكتظاظا وفوضى عارمة، لم يتسن لأي سلطة السيطرة عليها إلا من خلال التخويف، وتعزيز الرقابة الذاتية، وملاحقة المعارضين.
وسنلاحظ في هذا السياق، أن القوى المسيطرة، أنشأت بعد الانقسام، عددا كبيرا من الشركات الإعلامية والوكالات الخاصة، من خلال الضغط والتخويف والملاحقة، وأيضا من خلال الهبوط بأسعار المواد الإعلامية إلى الحدود التي تستنزف قدرة المؤسسات الخاصة على الاستمرار وتحقيق الربح. هذا المشهد الإعلامي المزري يشكل انعكاسا لطبيعة الخطاب السياسي الفلسطيني، وهو خطاب ممزِّق، ومتراجع بقدر تراجع الوضع العام في الصراع مع المحتل الإسرائيلي، ويشكل أيضا انعكاسا لحالة الانقسام والتمزق الوطني الفلسطيني، التي تشمل جميع مناحي الحياة، فضلا عن الاستراتيجيات والخيارات الوطنية والأهداف العامة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وحتى ثقافيا.

الهبوط المتدرج

كان من أبرز مخرجات اتفاقية أوسلو، تغيير طبيعة المرحلة من كفاح الشعب الفلسطيني التي سادت منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، من حيث طبيعة الاستراتيجيات والخيارات والثقافة والخطاب السياسي المبني على مفردات واضحة في تحديد أهداف الشعب الفلسطيني. فقد اقتضت إتفاقية أوسلو تغيير البيئة الاجتماعية السياسية، وتغيير الثقافة والآليات والأدوات، وحتى أشكال خوض الصراع. قبل أوسلو، لم تشهد الساحة الفلسطينية نقاشا أو خلافا على توصيف طبيعة المرحلة بما أنها مرحلة تحرر وطني، يلتقي فيها الفلسطينيون على قاسم مشترك هو برنامج العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967، وأن تكون القدس عاصمتها.
بعد أوسلو، وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وما أحدثه هذا التغيير من تحولات عميقة، ارتبكت البرامج الوطنية على مستوى الفصيل، وعلى مستوى المجموع الوطني، حيث تداخلت المهمات التحررية الوطنية بالمهمات الاجتماعية الديمقراطية، وما عاد في الامكان إطلاق صفة الثورة على الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني، بسبب ضياع البوصلة بين الثورة برنامجا وأهدافا وثقافة وبين دولة باتت إمكانية تحقيقها بعيدة المنال، فلا هي بقيت ثورة، ولا هي تحولت إلى دولة.
السلطة الوطنية حولت المقاتلين والمناضلين الذين خاضوا معارك الثورة، إلى موظفين، وكان عليهم أن يديروا ظهورهم لما تثقفوا عليه، وأن يبحثوا عن الامتيازات والمظاهر السلطوية، وعن تغيير أنماط حياتهم، كي تتكيف مع طبيعة الوظيفة الجديدة. جيل بكامله، هو جيل انطلاقة الحركات الثورية الفلسطينية والكفاح المسلح، كان عليه أن يقطع حاضره عن ماضيه، وأن يثبت جدارته في استحقاق الوزارة، أو المرتبه العالية، أو الوظيفة التي توفر له إمكانات مادية غير مسبوقة.
في ضوء هذه التداعيات المحزنة التي وقعت خلال عشرين عاما منذ توقيع إتفاقية أوسلو، كان على الخطاب السياسي الإعلامي أن يساير ذلك التراجع المتدرج، وأن يتم تفكيك مفردات ذلك الخطاب، إذ ما عاد في الإمكان الحديث عن ثورة، وعن معاداة الصهيونية والإمبريالية والرجعية العربية، كما أصبح الحديث عن المشروع الوطني الفلسطيني مسألة تخضع للخلاف، والتجاهل في معظم الأحيان. وكان من الطبيعي أن تساير وسائل الإعلام التي تسيطر الفصائل على معظم أدواتها، وتهيمن على خطابها ودورها، التحولات الجارية على المستويات السياسية، وأن تبث ثقافة «واقعية»، تتلاءم والمتغيرات التي طرأت على الحركة الوطنية الفلسطينية.
ما عاد الحديث عن المشروع الوطني قائما، أكان ذلك بسبب تراجع الأحلام والتوقعات، أو بسبب الانقسام الفلسطيني، حيث أن الحركات الإسلامية، وفي المقدمة منها حركة حماس، لديها مشروع دعوي إسلامي بسقوف سياسية وطنية عالية، أو غامضة في كثير من الأحيان. ولأن مصطلح المشروع الوطني بات كأنه من اختصاص منظمة التحرير وفصائلها، فقد كان الاعلام السياسي في كثير من الأحيان يتعاطى مع مصطلح الثوابت الوطنية، كمقياس للحكم على تحرك السياسة الفلسطينية. وعلى الرغم من أن لكل طرف رؤيته واجتهاده لمفهوم ومضامين الثوابت الوطنية، إلا أن مثل هذا المصطلح ما عاد في قيد الاستخدام عموما، إلى حين يتم توظيفه في تباين فشل القيادة السياسية التي تتبنى خيار السلام من خلال المفاوضات، ولوصف سلوك تلك القيادة بالتفريط والتنازل عن الثوابت الوطنية.
ومع تراجع العملية السياسية وفشل مشروع أوسلو ونجاح المخططات الإسرائيلية التي تستهدف تقويض الحقوق الوطنية التي يسعى الفلسطينيون لتحقيقها، ما عاد حق عودة اللاجئين موضوعا مركزيا في الخطاب السياسي الإعلامي، وبات من اختصاص بعض المؤسسات، أو اللجان الشعبية، ثم تحول موضوع القدس كعاصمة لدولة فلسطين وأحد أبرز قضايا الحل الدائم إلى خبر روتيني يومي لا يصلح للتناول المعمق، شأنه شأن موضوع الاستيطان والجدار. وفي الاتجاه ذاته، تراجع الخطاب القومي والإنساني، وأصبحت السلطات الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية تتعامل مع البعد القومي والإسلامي من داخل النظام العربي القائم باعتبارها جزءا منه، وما عاد طليعة حركة التحرر القومي العربية، كما كانت قبل أوسلو.

الانقسام محطة أخرى نحو الهبوط

شكل فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في كانون الثاني /يناير 2006، بداية مرحلة جديدة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وانطوى فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي على عقوبة من الجمهور الفلسطيني لحركة فتح التي تقود السلطة والمنظمة بنهج أوسلو، ومكافأة لحركة حماس التي طرحت نهجا آخر، وقامت بخطف راية الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني. وعانت الحركة الوطنية الفلسطينية حالة استقطاب سياسي حاد بين برنامجين وثقافتين، خاض كل منهما الصراع ضد الآخر مستخدما ما في حوزته من وسائل، بما في ذلك الوسائل القتالية، إلى أن نجحت «حماس» في تدمير مؤسسات السلطة في قطاع غزة الذي سيطرت عليه، وأنشأت فيه سلطة بأدواتها الفئوية، ومن دون شراكة مع أي فصيل آخر. في الجوهر، فإن الانقسام، والصراع الذي ساد الوضع الفلسطيني، شكل تحولا دراماتيكيا نحو تقديم البرامج الفصائلية الفئوية على البرامج الوطنية، وتحولاً ولو موقتا نحو تقديم التناقض الداخلي الثانوي على التناقض الرئيسي مع الاحتلال.
لم تكن هذه التحولات محدودة الأثر، فلقد مضى كل طرف لتعبئة إمكانيات ضد الطرف الآخر، وكان لوسائل الإعلام دور بارز وقوي في اتجاه خوض الصراع الداخلي واستنزاف طاقة الفلسطينيين. لقد أنتج الانقسام صراعا قويا للسيطرة على وسائل الإعلام، واحتكار المعلومات والأدوات، وقمع حرية التعبير، وضبطها تحت سقف خطاب الأطراف السياسية كل في موقعه الجغرافي.
الإعلام الحزبي «المقاتل» انخرط في معركة السيطرة والانقسام، وشُغل كثيرا في نشر الاتهامات والشتائم، واتسم بطابع استهلاكي حزبي، وتوزعت وسائل الإعلام والإعلاميون بين مناصر لهذا الطرف أو ذلك. وفي السياق ذاته، امتلأت الصحف والفضائيات والشركات الإعلامية والوكالات والمواقع الإلكترونية بمئات الصحافيين الجدد غير المدربين، إلا على استخدام أساليب هابطة غير مهنية، ولا تحظى بالحد الأدنى من الثقافة الوطنية، وكانت تعكس حالة من الفوضى والتخبط، وفقدان الرؤية، وتعمق العصبوية الفئوية التي أخذت تستفحل كظاهرة وتتحكم بالخطاب الإعلامي.
بعد مرحلة من تكريس وسائل الإعلام جهدها لمتابعة فصول الانقسام والصراع، وعملية الاستقطاب الحاد في الحركة السياسية، طغى خطاب المصالحة الذي كان بدوره طافحا بلغة التبرير والكذب وتزوير الحقائق والاتهامات والشتائم، وتحميل المسؤوليات جزافا. غير أن هذه المرحلة انتهت تقريبا مع فشل محاولات تحقيق المصالحة، وما عاد الإعلام ينشغل بهذه القضية إلا لماما.
إن من يدقق في المفردات السياسية التي يستخدمها السياسيون وتتداولها وسائل الإعلام الفلسطينية سيخرج بالنتائج التالية: أولا، غابت الكتابات والمعالجات الفكرية السياسية والحوارات ذات الطابع الاستراتيجي والجذري. ثانيا، ما عاد الإعلام يتعاطى مع الهموم الوطنية العامة التي تتصل بالحقوق الفلسطينية، إلا من زاوية تناول قضايا وموضوعات من نوع الاستيطان والقدس والأسرى والتوجه إلى الأمم المتحدة والحصار. ثالثا، تنشغل السلطات في رام الله وغزة بأزماتها، المالية وغير المالية، وفي تكريس سلطاتها، وحماية نفسها من الطرف الآخر، وتندفع في اتجاه نقل الصراع الداخلي إلى حقل الشرعية العربية والإقليمية، والتمثيل السياسي الفلسطيني، الذي ما عاد حصريا لمنظمة التحرير الفلسطينية. رابعا، تنشغل وسائل الإعلام بهدوء أكثر من السابق في تبرير المواقف والسياسات المتباينة والترويج لبرامج متناقضة أو مختلفة، وتؤدي دورا مهما في التستر على ممارسات القيادات وأداء السلطات القائمة وترويج المشاريع الفئوية الخاصة، ولإظهار تفوق هذا الطرف على ذلك، ومجاراة القيادات في الحديث عن انتصارات وهمية يحققها كل طرف على الآخر أو على العدو الصهيوني. خامسا، يفتقد الإعلام الحزبي عموما إلى الصدقية، وتتراجع ثقة الجمهور الذي ينقسم بين طرفي الاستقطاب السياسي، بما تقدمه وسائل الإعلام الحزبي. سادسا، ينأى الإعلام الفلسطيني بنفسه عموما، مثلما يفعل أهل الفصائل، عن التحولات الجارية في المنطقة العربية، وعن حركة التطور الفكري السياسي، ويميل أكثر نحو الشعار الذي تتبناه الفصائل، والقائل بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للأنظمة العربية.
الإعلام الفلسطيني واكب عن قرب التحولات السياسية الاجتماعية والثقافية التي عصفت بالحركة الوطنية الفلسطينية. لكن تلك التحولات راحت تتجه أكثر فأكثر نحو الهبوط بالبرامج والأهداف والحقوق الوطنية وأشكال التعامل معها، في ظل تسارع المخططات الاحتلالية.

* كاتب فلسطيني مقيم في مدينة غزة