| 

قليلة هي الأسر اللاجئة من صفد إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967، فأغلبيتها هُجرت إلى لبنان وسوريا بعد اقتحام العصابات الصهيونية المدينة. في مخيم الفارعة للاجئين الفلسطينيين قرب مدينة نابلس لا يزال حسين عطوة (أبو موفق) المولود في عام 1929، وزوجته فتحية عبد الهادي، شاهدين على حكاية خاصة كانت حارات صفد شاهدة عليها.
في ليلة عرسهما، اجتاحت العصابات الصهيونية صفد، فتحول شهر العسل إلى سنوات من الضياع والشتات، تنقلا فيها ما بين شقاء في لبنان وسوريا، قبل أن يستقرا في مخيم للاجئين قرب نابلس، شمال الضفة الغربية.
تتذكر أم موفق تلك الأيام قائلة: خطبت لزوجي في غمرة المشكلات والهجمات المتبادلة بيننا وبين اليهود والإنكليز، وفي ليلة زفافي كنا نشعل البابور (بسبب عدم وجود الكهرباء، وكانت تلك حال اليهود الساكنين في حارة اليهود في صفد أيضاً)، وفي تلك الليلة سمعنا دويّ انفجار قريبا جداً، وفي أثر الانفجار ارتفع لهب البابور مسافة بلغت ثلاثة أذرع إلى الأعلى. زغردت النساء رغم الخوف، ظناً أن شبابنا نسفوا الحي اليهودي. لكن, بعد دقائق، علمنا أن اليهود فجّروا برميلاً من المتفجرات في أحد أحياء المدينة. وأضافت أم موفق: كان أفراد من قوات الهاغاناة يأتون إلى صفد من المناطق التي احتلوها في فلسطين، وكان معظمهم شباناً وشابات. كانوا يحملون على ظهورهم عصياً يعلقون بها صرراً كبيرة، ويدّعون أنهم سائحون، ويجوبون الشوارع والحارات طوال اليوم. وحين تُطلق صافرة (كنا نسمعها بوضوح) ينامون أينما وصل بهم السير، وعندما تطلق الصافرة ثانية يستيقظون ويكملون المسير حتى يصلوا إلى الحي اليهودي ويدخلوا بيوته، إلى أن نقلوا جيشهم وتمركزوا في الحي اليهودي وجهّزوا أنفسهم. ونحن لا نعلم ما يجري تماماً. ولما طوّقناهم ذات مرة في حيهم اصطادونا وقنصونا من خلال الطاقات والشبابيك في أعالي بيوتهم، من دون أن نتمكّن من رؤيتهم.
يتذكر أبو موفق تلك الحوادث فيقول: كان اليهود يسكنون حياً وحيداً في صفد، ولم يكونوا ملاكاً للأراضي هناك، ولم يملكوا إلا البيوت التي سكنوها، وكانوا يخشون حتى الطفل الفلسطيني الصغير. أذكر أنني لما كنت أمر بحيهم في أثناء عودتي من المدرسة إلى المنزل، كان الأطفال اليهود جميعهم، بمن فيهم الأكبر مني سناً، يهربون ويسرعون إلى الاختباء. في العام 1929، انطلقت الثورة في صفد بمهاجمة شبان القرية للحي اليهودي الذي سارع سكانه اليهود إلى رفع الرايات البيض، واستسلموا لنا أكثر من ثلاث مرات في هجمات متفرقة.

العرب خانونا

كانت أم موفق أكثر جرأة حين قالت: العرب خانونا. قالوا لنا اخرجوا من بيوتكم موقتاً حتى نقضي على اليهود، خوفاً من تهدم البيوت فوق رؤوس أطفالنا، فخرجنا بثيابنا التي كنا نرتديها، ولم نحمل معنا أي شيء ظناً منا أننا عائدون بعد ساعات قليلة. غادرنا البلدة نحو السهل المجاور لها، وبقينا ثلاثة أيام ثم انسحب رجالنا، واضطررنا إلى الهجرة إلى لبنان وما إن وصلنا إلى بنت جبيل، وبعد بضعة أيام، لحق بنا جيش الإنقاذ بعد أن سلّم بلدنا لليهود. لقد خاننا العرب.
وعن ظروف الهجرة القسرية، قالت أم موفق: حين طلبت منا القوات العربية مغادرة البلدة موقتاً كي يتسنّى لها إبادة اليهود، نزلنا إلى وادي الليمون بثيابنا التي علينا، ولم نحمل أي شيء باستثناء رغيف الخبز، وبقينا ثلاثة أيام، بعدها صار اليهود يلقون علينا قنابل مضيئة تنير الوادي كله، فغادرنا باتجاه القرى المجاورة. وفي إحدى القرى حملونا بسيارات البقر إلى لبنان، وفي لبنان ركبنا عربات قطار البقر إلى سورية. وتستذكر أم موفق ما حملته من فلسطين لدى خروجها فتقول: كنت أحتذي برجلي عرسي، وتقطّع قبل وصولنا إلى لبنان. أما زوجي، فحمل معه «عدة» الحلاقة وبدلة واحدة وحذاء. وبقيت حافية أدوس الشوك إلى أن وصلنا إلى حلب، وهناك أعطونا أكثر من حذاء.
وختمت حديثها بالقول: عدنا بعد سنوات صعبة إلى مخيم الفارعة في نابلس، لكنني لا أشعر بأنني عدت إلى فلسطين.

صفد اليوم

تسود اليوم حال من القلق أوساط نحو 1800 طالب فلسطيني يدرسون في مدينة صفد بسبب حملة عنصرية يقودها اليمين المتطرف. فالمدينة التي هجر جميع سكانها في العام 1948، تحنّ اليوم إلى رائحة من رُحّلوا عنها قسراً. وهؤلاء بدأوا يتوافدون إليها كطلبة أو عمال، لكن ذلك لم يرق لكبير حاخامات المدينة شموئيل الياهو الذي أصدر فتوى تحرم تأجير المساكن للعرب، ثم تبعتها تظاهرات لعناصر يمينية رفعت شعارات مثل «الموت للعرب»، «اطردوا العرب»، ومن قاموا بالاعتداء على مجموعة من الشبان الفلسطينيين. وفي هذا المجال قال الطالب في كلية صفد مسعود غنايم: «الحملة التي يقودها عناصر اليمين بدأت منذ شهور للمطالبة بمنعنا من دخول المدينة، وقد انتهت بهجوم قامت به مجموعة يمينية على أحد المباني التي يقطنها الطلبة العرب أدت إلى إصابة بعضهم بجروح».
وأضاف: هاتفنا الشرطة الإسرائيلية لحمايتنا، ولا سيما أن بعض المتطرفين أطلق النار نحو المبنى.. وأتت الشرطة بعد ساعة من الاتصال، وقالت لنا إن القضية في قيد التحقيق. وبحسب
غنايم «تعتبر كلية صفد صرحاً مهماً يقصده الفلسطينيون من جميع أنحاء فلسطين 1948 لأن أقساطها ليست عالية، وشروط القبول فيها ممكنة، لكن اليمين الإسرائيلي في المدينة أعلن، على لسان الحاخام إلياهو، إننا غير مرحب بنا للسكن أو العيش أو التعلم في صفد، وأن وجودنا يقلق راحة السكان ويؤثر في نفسية الأطفال!
وأكد غنايم أن الطلبة العرب يتعرضون لمضايقات كثيرة، فالطالبات تلاحقهن باستمرار مجموعات من المتطرفين، ويشتمن، وثمة محاولات للتعدي عليهن. أما الطلبة، فيعانون الارتفاع المطرد في إيجارات الشقق التي تصل إلى أرقام خيالية، وأحيانا كثيرة يرفض المؤجرون تجديد عقود الإيجار. والوضع اليوم مغاير تماماً لذلك الوضع حين كان اليهود يختبئون من أبو موفق حين يمر بالحي اليهودي.

صفد في سجل النكبة

كان عدد سكان مدينة صفد قبل النكبة نحو خمسة عشر ألف مواطن عربي و2400 يهودي، وكان معظم اليهود القاطنين في المدينة من المتدينين المتعصبين جداً، ولم يكونوا معنيين قط بالصهيونية، وقد أوهمت القيادات اليهودية في داخل المدينة أعضاء اللجنة القومية المحلية بأن مصير صفد ربما سيختلف عن مصير المراكز الحضرية الأُخرى. وتعزز هذا الإحساس بالأمان بفضل وجود عدد كبير من المتطوعين العرب في صفد، قُدِّر بأكثر من 400 متطوع، مع أن نصفهم فقط كان مسلحاً ببنادق.
وكان يتولى الدفاع عن المدينة ضابط سوري هو الشهيد الملازم الأول «إحسان كم الماز». وفي البداية، كانت هجمات «البالماخ» و«الهاغاناه» متفرقة وغير فاعلة، لأن الجهد العسكري للوحدات الصهيونية تركز على المناطق الريفية المحيطة بالمدينة. وعندما أحكمت «الهاغاناه» السيطرة على القرى المجاورة لصفد، أصبح في استطاعتها التركيز كلياً على المدينة. ولسوء حظ سكان صفد، فإنهم في اللحظة التي احتاجوا فيها إلى الضابط القدير الملازم الأول احسان كم الماز، فقدوه فاستشهد على أرض المدينة في أثناء الدفاع عنها، وعيّن بدلاً منه المقدم في الجيش السوري أديب الشيشكلي الذي أصبح رئيساً للجمهورية في سوريا. وفي أي حال، من المشكوك فيه أن تختلف النتيجة لو كان الشهيد احسان كم الماز موجوداً، نظراً إلى التفاوت الكبير في ميزان القوى، حيث قدرت قوة «الهاغاناه» و«البالماخ» بأكثر من ألفي مقاتل من المدربين جيداً والمسلحين بشكل جيد، في مواجهة 400 متطوع عربي.
طردت قوات «البالماخ» و«الهاغاناه» بالقوة والقتل سكان مدينة صفد، ولم يبقَ مواطن واحد في مدينة صفد، بل أصبح جميع أبنائها لاجئين باستثناء ثلاث أُسر لجأت الى مدينة حيفا. وكانت معظم العائلات الدمشقية التي كانت تقيم في صفد غادرتها، عددها يربو على مئتي عائلة من أكبر العائلات الدمشقية التي كانت تمتلك بيوتا دائمة في المدينة، حيث المسافة بين دمشق وصفد قريبة للغاية. وتفيد إحصاءات فلسطينية رسمية، أن أكثر من 45% من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا ينتمون الى مدينة صفد وقضائها، ويقيم في سوريا أكثر من 80 من عائلات مدينة صفد، بينما توجد في لبنان النسبة الباقية ولا سيما المسيحيين الفلسطينيين الذي وفدوا الى لبنان بعد النكبة، بينما توجد نسبة قليلة جداً في الأردن، وفلسطين المحتلة 1948، ونادراً ما يوجد صفديون في الأراضي المحتلة في العام 1967.

* صحافي فلسطيني مقيم في رام الله