| 

صديقان تَخرَّجا في المرحلة الثانوية بتفوق متفاوت. بعد سنوات في «لعب» الموسيقى معا، (أحدهما يعزف على العود والآخر ذو صوت جميل، يعزفان معا كل شيء، للشيخ إمام ومارسيل وأم كلثوم وفيروز) شاركا في مسابقة للمواهب برعاية مؤسسة أجنبية. فاز فيها عازف العود بالجائزة الأولى. فوجد المغني نفسه في الجامعة الإسلامية لدراسة الطب، وذهب العازف إلى جامعة الأزهر لدراسة اللغات. تباعد صديقا الأمس على الرغم من تلاصق الجامعتين، وصارت التنهدات تغلب على حديثهما حين يلتقيان، حسرةً على أحلامهما التي تبددت في حياة جامعية وهمية، واختزلت علاقة كل منهما بالموسيقى والغناء، فما عاد يظهر من موهبة ذي الصوت الجميل إلا حُسنه في تلاوة القرآن حين يغبطه زملاؤه في الجامعة الإسلامية، ولا يبقى من موهبة العازف إلا دندنة شبه سرية خشية استفزاز الجيران وتهكمهم!
الشابان من مفردات كانت واعدة في المشهد الثقافي الغزي الذي تكرس خلال السنوات الخمس الماضية، عقب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة المحاصر. في غزة ثمة مشهد ثقافي واقعي وآخر تخيّلي، يتداخلان من دون أن يُغيّرا المشهد الحقيقي، الأول ترسمه «حماس» ومن يدور في فلكها من فاعليات حزبية تحت شعارات مختلفة وفي مناسبات وطنية أو دينية، تُدرجها دائما في إطار النشاط الثقافي. ويقتصر الثاني على محاولات فردية مثل نشر المقالات وأشكال الإنتاج الإبداعي في صحف خارج غزة، وفي مواقع الكترونية ومواقع للتواصل الاجتماعي لإثبات الذات أو إرضاء الممول في مؤسسات غير حكومية.
يحفل المشهد السياسي بما يؤكد سيطرة «حماس» كسلطة أمر واقع في القطاع، ليس لمرحلة وجيزة يأمل غالبية الفلسطينيين أن تنتهي بانتهاء الانقسام السياسي، بل إلى الأبد، كما يقول الأكاديمي والوزير الأسبق للثقافة في حكومة رام الله إبراهيم أبراش، مشيراً إلى أن «حماس» تسعى لإقامة «إمارة إسلامية» في غزة. وتدير حكومة حماس الشأن الثقافي وبالتحديد وزارة الثقافة، من حيث تنظيم الفاعليات، وتراقب مضامينها، ولا تسمح لأفراد أو مؤسسات بتنفيذ أي فاعلية ثقافية لا تحظى برضاها وإلا تعرض المسؤول للمساءلة والعقاب، والمبرر أن الجهة الداعية «لم تحصل على ترخيص»!
لكل حدث جمهورُه وكذلك أهدافه، منها ما هو مُموَّل بالكامل ويحظى بالرعاية من الجهة الحاكمة، ومنها ما يعتمد على جهد فردي وتمويل محدود ومشروط، يشكلان معا الشكل الواقعي للمشهد المنقسم في غزة. أما سائر الفعاليات الثقافية المتناثرة، فبعضها، يحظى بالتمويل والدعاية عبر وسائل الترويج عندما تكون مدعومة من «حماس»، وفاعليات يكاد لا يعلم بها إلا المهتمين بمن فيهم رجال الإعلام، الذين زهدوا في متابعة الشأن الثقافي باعتباره شأنا هامشيا في حياة غزة، باستثناء فاعليات الشارع، كجداريات يشارك في رسمها هواة، بعد أن ينالوا موافقة الجهات المعنية على مضمونها والمشاركين فيها.
أدت ندرة الأماكن التي تنظم فيها النشاطات الثقافية، بعد إغلاق عدد منها، دورا مهما في انسحاب كثير من المعنيين بمتابعتها، باستثناء النشاط النخبوي الذي يقام في مكاتب المؤسسات غير الحكومية، ويحضره أفراد قلائل، إضافة إلى المركز الثقافي الفرنسي الذي ينظم أحيانا نشاطاً مسلياً لا يرقى إلى الثقافة الجادة، عدا عن أن دعوات الحضور انتقائية!
ويلخص مثقفون ليبراليون هذا المشهد بأن «حماس» تحاول تعزيز حكمها ومنهجها كتحصيل حاصل لواقع الانقسام ولزعمها أن غزة أرض محررة، وتسويقها «ثقافة الإنجازات» بتعليق لوحات إعلانية عملاقة في جميع أنحاء غزة للإشادة بإنجازاتها في جميع المجالات. يقول الكاتب عاطف أبو سيف «إن الثقافة بوصفها فضاء رحبا تتفاعل فيه الأفكار وتتطور فيه النقاشات الحرة المبنية على حرية التعبير لم تكن موضعَ اهتمام من حكومة حماس بغزة، بل على العكس تم البحث عن سبل الاستحواذ في مجال الثقافة بما يعزز تطوير هوية خاصة بالنظام الحاكم في غزة، وبالتالي تم العمل على تفعيل ثقافة خاصة بالنظام». وهكذا فإن أي نشاط ثقافي أو سياسي لا بد من أن يكون على قاعدة التعايش مع هذا الواقع، ما يعني ضرب التوجه الثقافي الوطني بشموليته، والسير في ذيل الحاكم ضمن توافقات التعايش!
ويرى المثقفون أنفسهم أن الشق المتعلق بالمثقفين في المشهد، أفرادا ومؤسسات، هو الأشد خطراً، وإن كان في جوانب منه متأثرا بالشق الأول. فالمؤسسات الثقافية تفتقر إلى استقلالية حقيقية في قراراتها ونشاطها لارتباط تمويلها في الغالب بجهات أجنبية، ما يؤثر في مضامين برامجها ومشاريعها الثقافية وما يدور في فلكها كالإعلام والتوعية الاجتماعية، وذلك في غياب وزارة الثقافة «الشرعية»، التي تراجع دورها إلى حد مفجع في الضفة الغربية نفسها، وغياب مؤسسات أخرى كالنقابات التي فرضت «حماس» بدائل منها بمسميات مشابهة.
أما المثقفون الأفراد فإنهم يعيشون أزمة سياسية وإبداعية، لكونهم نتاجَ ضعف ثقافة الديمقراطية في المجتمع الفلسطيني بشكل عام في حضور ثقافة الفصائل والأحزاب، فلا مسارح حقيقية ولا قاعات للسينما ولا مؤسسات تمول الإبداع الفردي، الأمر الذي دفع كثيرين منهم إلى الهجرة، بعد أن ألفوا أنفسهم في مشهد شبه سري. ويلاحظ أن ثمة ضعفا إبداعيا لدى كثيرين من المثقفين الشبان، يتمثل في ضعف مستواهم وخبرتهم لعدم اتكائهم على الموروث والتراكم الثقافي، على الرغم من الاعتداد الشديد بالنفس وصل بعدد منهم إلى حد وصف محمود درويش بأنه «ديكتاتور شعري» ظل سدا في وجوههم حتى بعد موته! كما يتسم معظم إنتاجهم بالسطحية والشكلية، بالاتكاء على علاقات شخصية تسهل لهم نشر إنتاجهم، في غياب رعاة للمبدعين الناشئين، باستثناء حالات قليلة حظيت بالفرصة للتدريب والإنتاج، كما فعلت مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي مع عشرات من الشبان والشابات.
في هذا السياق، يلوم الشاعر وكاتب قـصص الأطـــفال خالــد جمعة رهطا من الشعراء، حــين يؤكد أن عليهم «أن يعرفوا عن الأوزان والعروض، بغض النـــظر عن النوع الذي يكتبونه، لكون ذلك مسألة ثقافية بحتة لا عــلاقة لها بالكتابة». ورأى أن «من حق كل إنسان أن يكسر القاعدة، بشرط أن يعرف القاعدة أولاً»! ربما نتيجة لذلك نجد كثيرين من المثقفين الشبان قد أنتجوا عملا أو عملين ثم اختفوا من المشهد تماما!
وللإنصاف، فإن مثقفي غزة يعانون الحرمان من المشاركة في الملتقيات والفاعليات الثقافية الإقليمية والدولية بسبب الحصار وصعوبات الانتقال إلى الخارج، فيظهر لهم أن المشهد الثقافي فارغ إلا من الطارئ، يعوم على بحر من التيه والانتظار، من دون مؤسسة أو أمل، فلا يجد مكانا يذهب إليه، ويبقى حبيس غرف مغلقة قبالة حاسوبه للدردشة وتبادل المعاناة مع نظرائه.
ما يَجمَعُ الناشطين في الحقل الثقافي هو العجز عن العطاء الجاد في المجالات المختلفة، كونها جميعا تتطلب مساحة واسعة من التفرغ، في واقع يتميز بالمعاناة الشديدة على المستوى المادي، فمعظمهم أرباب أسر تبحث عن قوتها كبقية الناس، وهو هدف أكثر واقعية لهم من تطوير مواهبهم وإبداعاتهم، إلا من وجد لنفسه راعيا يلتصق به كي يفتح الطريق أمامه، ويزيل الصعوبات.
أيذهب المثقف الغزي إلى الخطاب السائد فيتلوّن بلونه، أم إلى خطاب آخر خارج الرغبة والممكن، كخطاب التحرر مثلا الذي تراجع كثيرا بعد خفوت خطاب المقاومة لمصلحة خطاب الاستقرار ورفع الحصار وإعلاء شأن متطلبات الحياة اليومية، انطلاقا من اليأس من إمكانية تغيير المشهد السياسي، بعد تراجع المفاهيم الوحدوية الشاملة بأننا أبناء وطن واحد؟ هل ينساق إلى المشهد الذي يكرسه الانقسام بإلقاء اللوم على الآخر في كل شيء، مع إغفال الدور المركزي للاحتلال في هذا المشهد، في ظل تراجع التوجه التحرري لدى الفصائل عامة، خاصة «فتح» و«حماس»، لمصلحة التوجه المؤسسي والكيانية الزائفة، التي تكرس حقيقة أن الاحتلال باق، إلا في المناطق التي تديرها هذه السلطات؟ كيف يتشكل الخطاب الثقافي بمعزل عن هذه التوجهات التي تأكل إبداعية المبدعين، وتختزلها في «الشطارة» لنيل أكبر دخل ممكن للتمكن من العيش في غزة الباهظة التكاليف، في زمن «ثقافة الراتب» التي تقتل ثقافة التحرر؟ ماذا إذا انقطع الراتب، هل سيجدون عندئذ أن لا بديل من التحرر أولا؟
الثقافة البديلة التي تجري محاولات مستمرة لإرسائها في غزة لا تجتذب المتلقي الغزي، وعلى الرغم من أهمية إدراك المثقف وتفهمه رغبة السائد في الحفاظ على نفسه، لكونه يملك آلة المال والإعلام في معظم الحالات، فإن عليه، كما يقول خالد جمعة، أن يدرك أن هذا لا يدوم، فالجديد دائماً ينتصر إذا كان مؤمنا بما لديه.

* كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في غزة