| 

أبناؤها الفلسطينيون وأرضها وجوامعها وكنيستها وجدران بيوتها كأنها ما زالت تبكي الغائبين. قلعتها وأوراق أشجارها وجميع ما كان وما بقي في صفد، يحرق القلب وجعاً وقسوة. وعلى الرغم من غياب أهلها عنها قسراً في العام 1948، فإن صورتها ما برحت جميلة في العيون، ولا تزال الأحاديث والذكريات عنها تنبض بالأمل. وما زال حلم العودة إليها يرافق اللاجئين الصفديين أينما كانوا.
تقع في صفد شمال فلسطين في منطقة الجليل، وتعتبر موقعاً استراتيجياً مهماً منذ أن بناها الكنعانيون على جبل كنعان. في شمالها تنتشر مدن اللبنانية مثل مرجعيون وصور، أما إلى جنوبها فتقع بحيرة طبرية وغور بيسان، وشرقها يرتفع جبل الجرمق، أما في غربها فتطل سهول عكا الخضراء التي ينشال عليها نسيم البحر المتوسط. وأصعب ما ذاقته صفد خلال تاريخها كان الزلزال الذي دمرها في عام 1837، ثم احتلالها في الحادي عشر من أيار 1948.
بلغت مساحة قضاء صفد قبل النكبة نحو (696131) دونماً، وبلغ عدد سكانها العرب في العام 1945 قرابة 12 ألف فلسطيني، بينما بلغ عدد اليهود 2400 شخص. ويسكن صفد اليوم ما يقارب 33 ألف يهودي، فيما ينتظر أكثر من 90 ألف لاجئ في سوريا ولبنان والأردن حلم العودة.

مصطفى العباسي: تاريخ صفد

بينما كنت أبحث في تاريخ صفد قبل النكبة، لم أجد مصدراً يسعفني بالمعلومات الموثوقة غير كتاب مصطفى العباسي (المولود في قرية الجش عام 1962، وهو من أسرة صفدية الأصل)، الموسوم بعنوان «صفد في عهد الانتداب البريطاني 1917ـ1948» (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2005). وفي هذا الكتاب يتناول المؤلف بالبحث أهالي صفد وحياة المدينة في السياسة والثقافة، ويتعرض لملكيات الصفديين وعلاقاتهم باليهود، ثم يعالج دور الأعيان والعائلات في بناء الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة. ويعرض بالتفصيل للحملات العسكرية الصهيونية التي طالت العرب في مدينة صفد لإرغامهم على الهجرة ومغادرة المدينة. وخلال بحثه هذا قام العباسي بجولات ميدانية في 88 قرية في قضاء صفد التي لم يبق منها إلا خمس قرى هي: طوبا، الريحانية، عكبرة، الجش، حرفيش.

وثائق نادرة وتفصيلات مؤلمة

عرض مصطفى العباسي في كتابه وثيقة نادرة عبارة عن تسجيل المكالمة الأخيرة بين أحد القادة العرب ومعاون العقيد أديب الشيشكلي والتي تصف التطورات في المدينة على النحو التالي:
÷ انسحب جنودنا من الخط الأمامي في القلعة والآن ها هم مرابطون بالخط الثاني، مدفعيتكم لم تقصف لحد الآن بشدة، مدافعهم تقصف، حرائق هبت بالقلعة. ÷ الجنود تركوا القلعة ولم تصل النجدات بعد، كثير من المجاهدين هربوا. ÷ ولم يبق أحد من الجنود أغلبهم هربوا، الأحسن ان تأمروا بالانسحاب.
ـ هل أقول لأديب بك ان اليهود احتلوا صفد؟
÷ نعم احتلوا جميع (المدينة) ومركز البوليس أيضاً.
ـ هل الرئيس ساري موجود عندكم؟
÷ الرئيس ساري غير موجود!

يحكون نكبتها!

لخص الشاعر الفلسطيني الراحل سالم جبران في قصيدة «صفد» مأساة أهلها في قصيدة موجعة قال فيها:
«غريب أنا يا صفد/ وأنت غريبة/ تقول البيوت: هلا!/ ويأمرني سكانها: ابتعد/ علام تجوب الشوارع/ يا عربي، علام؟
/إذا ما طرحت السلام/ فلا من يرد السلاما/ لقد كان أهلك يوماً هنا/ وراحوا/ فلم يبق منهم أحد/ على شفتي جنازة «صبح»/ وفي مقلتي/ مرارة ذل الأسد/ فوداعاً. /وداعاً صفد!»
سمير اليوسف: سقوط صفد سبّب وفاة والدي!
التقيته في بيته في الرامة بصحبة العائلة. بدأ يسرد ذكرياته عن مدينة صفد، وأكثرها وجعاً كانت ذكرى والده الذي رحل في الثامنة والأربعين بعدما ترك وصيته: «لا تنسوا صفد».
يقول المربي سمير اليوسف، مواليد 1933 ويقيم اليوم في قرية الرامة: «والدتي نصراوية الأصل، ووالدي أمين ولد في الرامة، وعاش فيها، قبل أن يتركها، ليعمل موظفاً في الجمرك في حكومة الانتداب البريطاني، ولدت هناك في صفد، أنا وأشقائي، وأنا أكبرهم، كانت علاقتنا الاجتماعية مع المسلمين واليهود جيدة، وما زلت أذكر طفولتي ورفاقي في المدرسة. ولحسن حظي أنني تعلمت في الكُتّاب، بفضل المطرانية، وأمضيت سنتين حتى أصبحت في السابعة، وصار لزاماً عليّ أن أتعلم في المدرسة الرسمية. وعندما امتحنني مدير المدرسة الابتدائية محمود العابدي (لاجئ في الأردن)، رفعني إلى الصف الثالث مباشرة، الأمر الذي جعل الفارق بيني وبين زملائي سنتين، ما جعلني لا أقوى على منافستهم... أقمنا قبل النكبة في بيت رشيد حداد. وفي 2 أيار 1948 قرر والدي خروجنا من صفد، مشياً لنجتاز وادي الليمون وقرية فراضة، فمشينا وسط الخوف الشديد من القناصة اليهود الذي كانوا يعتلون التلال القريبة من قرية عين الزيتون، وكان بعض أقربائنا ينتظروننا بالقرب من قرية الرامة، ومعهم دابتان. خرجت وأشقائي قبل والدي ووالدتي (ومعهما شقيقتي الصغيرة) فوصلنا في ساعات الليل الباكرة إلى الرامة، بينما فضّل والدي المبيت لدى أحد أصدقائه المخاتير في قرية فراضة، ولم نحمل معنا إلا أمتعة بسيطة: فراشان ولحافان وبعض الملابس».
يضيف أبو الأمين: «كنت أراقب ملامح والدي، فأراه مهموماً ومزاجه عكر دوماًوكان أسوأ يوم رأيته فيه، في تموز 1948، عندما قرر والدي الذهاب إلى مكتب الجمرك في مدينة صفد. وهناك عرف ان الموظف اليهودي سيغل، صار مديراً للجمارك، بدلاً من المدير السابق ميشيل الصباغ، وعرف أيضاً ان لا مكان له في الجمارك، فجرّ أذيال خيبته، وعاد إلينا صامتاً. وبعد سنة من الاحتلال، أصيب بجلطة دماغية وفارقنا وهو في الثامنة والأربعين».
ويعلل أبو الأمين سبب النزوح المبكر من صفد فيقول: «يبدو ان والدي شعر ان مكروها سيحدث، وكان القتال محتدماً بين اليهود والعرب، ولم تكف الحارة اليهودية عن إطلاق الرصاص على حارات صفد الأخرى حتى سقطت المدينة في 11 أيار، بعد الفوضى التي حدثت جراء انسحاب السرية الأردنية وقائدها الرئيس ساري. وظل اليهود فترة مرتابين من هذا النزوح، وتوجسوا من ان العرب ربما كانوا ينصبون لهم كميناً في بيوتهم. وبعد ذلك اقتحم اليهود البيوت ونهبوها».

صفد اليوم

«صفد اليوم تحمل الطابع الديني المتطرف»، يقول سمير اليوسف، ويتابع: «لا أحب ان أزورها في ايام الجمعة والسبت، فقوانينها صارمة، وهناك عنصرية مخيفة طالت حتى الطلاب العرب الذين يدرسون احدى كليات صفد». وأخبرني أبو الأمين انه زار بيته الأخير في المدينة، فوجد شجرة الليمون التي عهدها كبيرة، لا تزال قائمة ومثمرة. وقد بلغت نحو المئة سنة. قطفت من حباتها قبل ان أرى اللافتة الكبيرة المعلقة على الطبقة السفلية المكتوب عليها: غرفة للايجار».

حسين عطوة: العرب خانونا!

يتحدث الحاج حسين عطوة (أبو موفق)، المولود في عام 1929 عن ذكرياته في صفد، فيقول: «كان اليهود يسكنون حياً واحداً في صفد، ويخشون العرب، ويختبئون إذا لمحوا طفلاً فلسطينياً عائداً من المدرسة، وقد استسلم سكان الحي اليهودي أكثر من مرة أمام هجمات الثوار. لكن الانكليز دعموا العصابات اليهودية بالسلاح والتدريب، حتى بدأت المدن والقرى الفلسطينية تسقط تباعاً، وسقطت صفد. كنت يوماً عريساً لم يمض على زواجي عشرون يوماً، فأمضينا ثلاثة أيام في عين الزيتون، قبل أن يلقي اليهود القنابل المضيئة لتنير الوادي كله، فغادرنا باتجاه القرى المجاورة ومن هناك حملونا بسيارات البقر إلى لبنان، وفي لبنان ركبنا عربات قطار البقر إلى سوريا».
أما زوجته أم موفق فتقول: «من بيتنا في صفد حمل زوجي علبة الحلاقة وحذاء وبدلة واحدة، بينما انتعلت صندل عرسي الذي تقطع قبل وصولنا إلى لبنان. وفي حلب دست على الأشواك حافية» وتابعت باكية: «نذراً عليّ إن رجعت فلسطين، سأمشي لها حافية».

نجم دبور: اليهود اغتصبوا بيتي!

قادماً من الولايات المتحدة الأميركية، جاء الشاب نجم الدين الدبور (28 عاما) ليعمل في احدى المؤسسات الفلسطينية في رام الله، كان يؤكد لوالده الفلسطيني ووالدته الاميركية، انه سيزور مسقط جده (نجم الدين الدبور) الذي حمل اسمه، وبيت الجد الذي كان يسمى «الخان»، وفيه كان يربي جده الخيول قبل أن يتملكه يهودي متطرف ويحوله إلى مرقص ليلي.
وبالفعل زار نجم الدين الدبور مدينة صفد، فدخلها وهو مشتاق لكل ما يذكره ببيت جده الذي هجر إلى سوريا، ومات هناك، فوجد المدينة على حد وصفه «عروسا رائعة الجمال، مناخها ساحر، لكنها تبكي الغائبين، وترثي أهلها الذين تركوها مرغمين، ليسكنها يهود متطرفون، لا يطيقون أي ذكر للعرب. وفي كل زاوية كانت فيها آثار عربية، قام المتطرفون بتحريف معالمها، لتبدو عصرية البناء، هؤلاء اغتصبوا بيتي وانتهكوا حرمة المكان».
يتحدث دبور عن معاناة أهله التي بدأت بالخروج من صفد مروراً بلبنان ثم إلى سوريا التي عاشوا فيها بضع سنوات، إلى ان تمكّن والده من السفر إلى الكويت حيث عمل مدرساً، وبعدها سافر الى اميركا، وتزوج وحصل على الجنسية الأميركية، ثم عاد مع عائلته إلى البلاد زائراً. «لكننا سنعود إلى ديارنا كأبناء وطن، مهما طال الوقت أو قصر» هكذا قال الشاب نجم الدبور.

* صحافية فلسطينية من شفاعمرو.