| 

شكلت مدينة صفد دوماً مركزاً تجارياً وخدماتياً شمل حوالى مئتي قرية في الجليل الأعلى، وساعد وقوعها على طريق دمشق في نشوء علاقات مميزة بعاصمة الأمويين، وسهَّل وجود جسر «بنات يعقوب» على بعد 13 كلم شرق المدينة في تحويلها إلى محطة من المحطات التجارية بين الشام ومصر. ففي العهد المملوكي كانت صفد محطة للبريد بين جنوب فلسطين ودمشق. وفي ظل الحكم العثماني أصبحت صفد سنجقاً تابعاً لولاية دمشق، وفي العام 1864 صارت جزءاً من ولاية سوريا(1). وكتب القلقشندي في «صبح الأعشى» ان «كل ما يوجد في دمشق يوجد فيها إما من بلادها، وإما مجلوب إليها من دمشق». فالتجارة الداخلية في ولاية سوريا جعلت من صفد موقعاً تجارياً مهماً لسكان الجليل الأعلى والجولان وسهل الحولة والجنوب اللبناني. وكان للتجار العرب في صفد شأن في الوساطة بين الفلاحين وتجار عكا، فكانوا يشترون المنتوجات الزراعية، لا سيما الحبوب من الجولان وحوران ويبيعونها من تجار عكا(2).
حَرَّرَ الظاهر بيبرس صفد من الصليبيين في سنة 1266 وأحضر شاميين ووطّنهم فيها لإعمارها. ولهذا ليس غريباً أن لهجة السكان العرب في صفد شامية تماماً، كونهم مرتبطين بدمشق ثقافياً واجتماعياً، فمعظم شباب صفد حصَّلوا دراستهم العليا في الشام خلال الحكم العثماني(3)، والعديد منهم تولى مناصب دينية في دمشق ودفنوا فيها أمثال: كمال الدين بن أحمد الصفدي الذي تولى الجامع الأموي، وكان من رؤساء دمشق وأعيانها، وكانت لا ترد شفاعته. ابن حامد الصفدي أخذ العلم عن علماء دمشق ووعَظَ في الجامع الأموي. كما ان مئتي عائلة دمشقية كانت تمتلك بيوتاً دائمة في صفد.
مع نهاية الحكم العثماني وإبان الثورة العربية، عاش أهالي صفد نشاطاً سياسياً وطنياً، وشكّل النادي العربي في دمشق نقطة استقطاب للشبان الفلسطينيين والسوريين آنذاك، وترأس نايف صبح فرعاً للنادي في صفد ضم في عضويته علي رضا النحوي، وصبحي سعيد الخضراء الذي عُين قائداً للجندرمة في دمشق ومستشاراً للملك فيصل إبان الحكم الفيصلي(4). وقد احتج الصفديون على فصل فلسطين عـن سوريـا بتظاهـرات عـدة أشهرهـا تظاهـرة 1920/3/18 التي رفعت يافطة مكتوبا عليها سورية أنتِ بلادي.
من بين نحو 90 ألف لاجئ فلسطيني وصلوا الى سوريا من صفد وحيفا وطبرية وأقضيتها(5)، شكَّل الصفديون نحو 45%. ويقيم في سوريا أكثر من 80% من عائلات صفد. ومن العائلات الصفدية التي تعيش في سوريا حالياً: الأسدي، الخضراء، قدورة، مراد، السعدي، سعد الدين، عطايا، رستم، صبح، برغوثي، عباس، البيك، الدنان، عسكري، القلا، الزعبوطي، اللحام، شرشرة، شما، فلاحة، فرهود، الهندي، عرب، القاضي، الخاروف، الدلو، النحوي، السلطي، عبد السلام، أبو العينين، كريدي، خليفة، الخولي، الكيلاني، الزكاري، غنام، مروة، سعيدان، شلوف، حلوة، الرفاعي، الفوراني، قويدر، الحاج فهد، فانوس، كيوان، عرموش، سعد، كريم، منور، دواه، القوصي، برقوق، حميدة، غنيم، قشلق، المرعشلي، نمر، أحمد ديب، الروبة، راعي المنيحة، خرطبيل، زهرة، السايس، أيوب، شقير، طه، حوا، الولي، طافش، حامد، خلف، دله، البرادعي، عجاج، زواوي، صالح، عبد المجيد، القصير، المجدلاوي، دياب، الشاعر، عيسى، عبد الرحيم، منصور (صرصور)، الدلسي، حداد، الخوري، الحصري، عفشة، صالحة، مباركة(6).
لمع بين أبناء صفد في سورية عدد كبير من الشخصيات السياسية منها:
عصام القاضي وُلد في صفد في سنة 1938، ونال الإجازة في الأدب الانكليزي من جامعة دمشق. وشارك في تأسيس رابطة طلبة فلسطين في سورية، وأصبح عضواً في القيادة القومية في حزب البعث، كما تناوب على قيادة منظمة الصاعقة. أحمد المرعشلي ولد في صفد في سنة 1929، ودرس في جامعة دمشق. انتسب الى حزب البعث وأصبح عضواً في القيادة القومية للحزب، وانتخب عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دائرة التربية والتعليم العالي. كما أسهم في إنشاء الموسوعة الفلسطينية وتولى رئاسة مجلس إدارتها منذ إنشائها حتى وفاته، وشارك في تأسيس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليسكو).
وكان للصفديين شأن بارز في تأسيس حركة فتح، ومن الأعضاء المؤسسين: عبدالله الدنان الذي ولد في صفد في سنة 1931 ونال الإجازة في الأدب الانكليزي من جامعة دمشق وكان أحد أعضاء الخلية الأولى التي أسست فتح. محمود عباس ولد في صفد في سنة 1935 ونال شهادته الجامعية من جامعة دمشق وكان من المؤسسين الأول وأصبح رئيساً للسلطة الوطنية الفلسطينية، علاوة على هايل عبد الحميد (أبو الهول) الذي ولد في صفد في سنة 1937 ثم لجأ وعائلته إلى دمشق ودرس فيها. وهو من مؤسسي حركة فتح في ألمانيا.
وقد برز اللاجئون الفلسطينيون في سورية من الناحية التعليمية، وساعد على ذلك تقدم مناهج التعليم الأساسية في وكالة الغوث (أونروا) والمتقدمة على مثيلتها من المدارس الحكومية، إضافة لمجانية التعليم في الدولة السورية للفلسطينيين والسوريين على السواء. ومن الأسماء الصفدية التي ظهرت في مجال التعليم والصحافة والشعر والقصة: أحمد صوان كاتب سياسي ولد في صفد عام 1947 عمل محرراً ورئيس القسم الثقافي في جريدة «الثورة»، وتسلم مناصب في عدة جرائد سورية وفلسطينية: الفداء وتشرين ووفا. وشارك في تأسيس اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين. أمين محمود عطايا كاتب سياسي ولد في صفد عام 1937 خدم في الجيش العربي السوري، وكانت كتبه متخصصة بالدراسات العسكرية. عبد الكريم عبد الرحيم شاعر ولد في صفد عام 1942، عمل محرراً ومسؤول القسم الثقافي في دار البعث. مازن منصور قاص وشاعر ولد في صفد عام 1937، رئيس ديوان جامعة دمشق ومدير القسم الداخلي لدار المعلمين في وكالة الغوث الدولية، وقاض عسكري في جيش التحرير. محمود فلاحة كاتب سياسي وأستاذ جامعي في جامعة دمشق من مواليد صفد 1932.

(1) ـ حتي، فيليب، تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، بيروت: المطبعة الحديثة، 1983، ص 314.
(2) ـ العباسي، مصطفى، صفد في عهد الانتداب البريطاني 1917-1948، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2005، ص 29 .
(3) ـ المرجع السابق، ص: 20.
(4) ـ المرجع السابق، ص: 167-168.
(5) ـ الشرق الأوسط اللندنية/ اللاجئون في سورية/ العدد 7857 تاريخ 2000/6/2.
(6) ـ http://www.palestineremembered.com
/Safad/Safad/Story8978.html