| 

لعل أسوأ من ابتلي به أهل فلسطين في الشتات والوطن المحتل هو الفكر البرجوازي الفلسطيني الذي شاخ وهرم وصار طحلباً يتغذى على مقولة تحرير فلسطين وعلى حث أهلها في مخيمات النزوح، حـــيث العوز والجوع، على مواصلة الكفاح ضد المحــــتل، بـــينما «أربـــاب» هذا الفكر قاطنون في أبراج عاجية، قانــطون إلا مـــن الجاه والتخمة. ومع أن هذا الفــكر البرجوازي أصبـــح في غرفة العناية الفائقة، إلا انه مـــا زال يسعى بين سكان المخيـــمات كأفعــى رقطاء تزدان باللآلئ في شمس الرياء، فيـــخيل لهـــؤلاء المســـاكين ان هؤلاء انقياء أصفياء، بينـــما هـــم في الحقـــيقة مجندون في فيلق يـــسار طفــولي يســـتغل ســـذاجة اللاجئين، وعلى ركام شظف عيشهم يبتني ملـــكوته.
هذا الفكر البرجوازي الفلسطيني الرث المتهالك حول بعض مثقفي فلسطين إلى مسترزقين، إذ يأبى هذا الفكر اليساري الطفولي المدلل في حضن البرجوازيـــة العربية إلا ان يطوعهم للرزق في مؤسسات للبحث والدراسات فيتحولون بالتدريج إلى تابعين يدورون في فلك دوار ليبقوا في قيد الحياة، وفي هذه الحال يخضعون، جراء فقرهم وعوزهم، للاستغلال والامتهان خوفاً من البطالة، ويقبلون الأجور المخفوضة بحيث يصبحون مثل عبيد روما، فلكل روما عبيدها، وبرجوازيو فلسطين أباطرة جندوا، عن قصد وسابق تصوّر وتصميم، طوابير من المثقفين النفعيين لغاياتهم، وجذبوهم كالسحرة. ومن هذا السحر انبلجت تلك النوسطالجية الحالمة بتحرير فلسطين بمعسول الكلام الواعد باشتراكية وديموقراطية في فنائها الغيبي الرحب بموازاة العهد بتأمين أماكن للنازحين وعلى قدر الايمان بها والكفاح في سبيلها في جنّات من الهناء والدعة، فاختلط حابل الواقع بنابل الميتافيزيق، فضاعت فلسطين بين عهد ووعد عند تخوم مفازة خطاب لفظي رفع بيرقه خيالة البرجوازية الفلسطينية.
انتعش فكر البرجوازية هذا في ظل التناقض الطبقي بين قاطني أحياء الترف وساكنـــي أزقة البـــؤس، وصـــمت عن الطغيان، ووقف إلى جانب الحكام الظالمين فكان مــعهم وجهين لعملة واحدة لا يخفى زيفها متى يسطع عليــها نــور البساطة التي يتحلى بها المعذبون في مخيمات النزوح.
يقال: منهومان لا يشبعان: طالب علم، وهؤلاء ليسوا من هذه الصفة، وطالب مال وترف وجاه وشقق تطل على الهادئ والأطلسي وقصور بحدائق على ساحل المتوسط الأوروبي، بينما سكان المخيمات تحت صفائح الزنك الملتهبة في دنيا النزوح يكتوون.
فكيف يمكن هــذا الفــكر القـــول بتحرير فلسطين وعقول دعاته أسيرة اقطاعية رجعية أفلحت في تحويل نضال أهلها إلى تجارة رابحة، بينما القائمون على مؤسساته ومراكزه ديماغوجيون مترفون مفلسون فكرياً بامتياز؟