| 

ينطوي منح فلسطين صفة الدولة غير العضو في الأمم المتحدة على دلالات رمزية وسياسية وقانونية مهمة. وفي وقت يجب فيه النظر إلى ذلك على أنه تطور مهم وإيجابي، فإنه قد ينطوي أيضا على عدد من الاشكالات القانونية والسياسية، وبالتالي فإن المبالغة في الانجاز أو التقليل من شأنه لن يجديا نفعاً في النظر إليه وفي محاولة استثماره على النحو الأمثل.
إن عدد الدول، التي صوتت لمصلحة قرار منح دولة فلسطين صفة الدولة غير العضو في الأمم المتحدة بلغ 138 دولة، فيما عارضته 9 دول، وامتنعت 41 دولة عن التصويت، كما تغيبت 6 دول عن جلسة التصويت. ويجدر النظر إلى هذا العدد الكبير من المؤيدين للقرار كقيمة مضافة للقرار، بما يعكس إرادة دولية كبيرة تعطيه قوة أخلاقية مهمة.
تمثل مبادرة منظمة التحرير الفلسطينية بالتوجه إلى الأمم المتحدة تطوراً مهماً لحقيقة أن النظام السياسي الفلسطيني فقد زمام المبادرة، ذاتياً وموضوعياً، منذ زمن طويل؛ هذا إن كان مبادراً من الأصل. وهذه المرة الثانية، التي يبادر فيها إلى خطوة على أرضية الفعل وليس رد الفعل، وكانت المرة الأولى لدى إعلان وثيقة الاستقلال في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1988.
وتتمثل أزمة النظام السياسي الفلسطيني، في جزء مهم منها، في أنه موضوعياً، وليس ذاتياً، مفعولاً به وليس فاعلاً، حيث غلب سلوكه العام رد الفعل، وليس الفعل، استجابة أو رفضاً لما يُلقى له من مبادرات أو مشاريع. وقد جاءت خطوة التوجه إلى الأمم المتحدة كتعبير عن يأس الفلسطينيين من «عملية سلام» مزمنة لم تنهِ الاحتلال ولم تقرب الفلسطينيين من تحقيق حلمهم في دولتهم الموعودة وفي حقهم في تقرير مصيرهم، بل إنها باعدت فعلياً أكثر وأكثر بينهم وبين ما كانوا يتوقعون، حيث وفرت تلك «العملية» لدولة الاحتلال مساحة من الزمن وظفتها بأقصى طاقتها نحو تغيير معالم الأرض الفلسطينية وسكانها وخلق حقائق جديدة على الأرض، بدا معها للفلسطينيين أنه سيكون من الصعب التراجع عنها، كتهويد القدس والاستيطان ومصادرة الأراضي وإقامة جدار من الفصل العنصري وتعميق الفصل بين الضفة الغربية والقطاع وفرض حصار مشدد عليه وإضعاف السلطة على نحو خطير.
وتأتي الخطوة أيضاً كتعبير عن رفض المرجعيات، التي تجري على أساسها عملية السلام، إن كان هناك أساساً أي مرجعيات لها باستثناء مرجعية التفاوض نفسه، وهو ما يعني رغبة الفلسطينيين في دفع العالم نحو تحمل مسؤولياته وإعادة اشتباكه مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يؤسس لعملية سلام محددة المرجعيات والزمن، تضمن انهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل في الخامس من حزيران (يونيو) العام 1967.
على رغم أهمية القرار، وحتى يحقق الغاية المرجوة منه، فإنه يحتاج إلى تحصين سياسي وقانوني من جانب النظام السياسي الفلسطيني، وهو ما يتطلب توفر الإرادة السياسية للقيام بذلك، كي لا يصبح القرار هدفاً بذاته، أو جزءاً من معركة في العلاقات العامة، وأن يكون إيذاناً بانتهاء أشكال التفاوض السابقة وإعلان القطيعة معها ما لم تُؤسس على مرجعيات محدّدة تنهي الاحتلال وما نتج عنه وفق جدول زمني محدد لا يتجاوز عاماً واحداً، وهو مطلب يجب التمسك به، وعدم الرضوخ للضغوط، التي سوف تمارس حتماً على الفلسطينيين.

المركز القانوني للأراضي المحتلة

يذهب البعض في الدفاع عن الصفة الجديدة في الأمم المتحدة إلى أنها تحسم جدلاً قانونياً حول المركز القانوني للأراضي الفلسطينية بأنها أرض محتلة وليست متنازعاً عليها. إلا أنه غني عن القول إن المركز القانوني، كان ولا يزال، أنها أرض محتلة اعترفت إسرائيل كقوة احتلال بذلك أم لم تعترف، ولم تغير التطورات السياسية من ذلك، سواء أكان تأسيس السلطة أو الانفصال الأحادي عن قطاع غزة في العام 2005، أو سيطرة حركة «حماس» عليها. وهناك شبه اجماع دولي حول مركز الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس، باعتبارها أرضاً محتلة، ومن ضمنها موقف اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والأمم المتحدة بمختلف أجسامها، كما يبدو ذلك واضحاً في قراراتها وأعمالها المختلفة.
هنا لا بد من التأكيد على قضيتين مهمتين: الأولى، أن هذا القرار الجدي كاشف لتلك الحقيقة وليس منشئاً لها، ولا يوجد سبب وجيه للمبالغة فيما يتعلق بالخشية على المركز القانوني للأراضي المحتلة التي يُدعى أن القرار جاء لحسمها. والثانية، ارتباطاً باتفاقات أوسلو، فإن أياً من نصوص الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل لم تعرّف الأراضي الفلسطينية مطلقاً بأنها أرض محتلة، وإذا لم تكن أرضاً محتلة فهي أرض متنازع عليها، وهو موقف إسرائيل الرسمي، الذي تدّعي من خلاله بأن الأراضي الواقعة «تحت حكمها» في العام 1967، هي جزء من كل، وحيث إنها، أي إسرائيل، ورثت التاج البريطاني في فلسطين، وعليه من يرث الكل يكون له حق ملكية جزء أو أجزاء من الأراضي الفلسطينية، ما يعني أن المركز القانوني للأراضي الفلسطينية بحاجة إلى تظهير دائم في الفعل السياسي والقانوني الفلسطيني.
توفر الصفة الجديدة لفلسطين، كدولة غير عضو، فضاءً سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً جديداً، يجب أن يتمّ استغلاله وتوظيفه على نحو يمكن الفلسطينيين من إعادة الاعتبار لقضيتهم، لا سيما العمل على أن تكون بنداً متقدّماً دائماً على جدول أعمال المجتمع الدولي، الذي يشهد تطورات مثيرة تقلب الأولويات رأساً على عقب.
ومن بين ما توفره الصفة الجديدة أيضاً، أنها تساهم في إضفاء الشخصية القانونية على هذه الدولة كفاعل دولي، بما يؤهلها للانضمام والتوقيع على الاتفاقات والمعاهدات في المجالات المختلفة والمشاركة النشطة في اجتماعات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة وأجسامها المختلفة، لا سيما الجمعية العامة كملتقى فريد ومهم للفعل السياسي والعلاقات الدولية، من دون وساطة دولة عربية أو إسلامية أو جامعة الدول العربية.
وبالنظر إلى الشخصية القانونية، التي سوف تحظى بها دولة فلسطين، فإنه سيكون بإمكانها التوقيع على ميثاق روما، الذي يمكنها من الانضمام لمحكمة الجنايات الدولية وهو ما يؤهلها للطلب من الادعاء العام للمحكمة التحقيق في جرائم الحرب التي ترتكبها دولة الاحتلال الإسرائيلي، وهو فرض عين لنزع الشرعية عن الاحتلال ووضع العالم أمام مسؤولياته عندما يتعلق الأمر بالعدالة والقانون الدولي.
ومن المهم القول، إن الانضمام لجماعة الأمم يترتب عليه واجبات، كما يترتب عليه حقوق، وكذلك الحال عند الانضمام إلى محكمة الجنايات والطلب بالتحقيق في جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل، فإن الأمور قد تسير في الاتجاه المعاكس ويتم النظر في انتهاكات مزعومة للقانون الدولي من قبل الفلسطينيين أنفسهم.

غياب الإرادة السياسية

إن السؤال المهم هو سؤال الارادة، فهل يمتلك النظام السياسي الفلسطيني الإرادة للقيام بذلك، وهل يحتاج إلى هذه الصفة، على ضرورتها، للقيام بفعل سياسي مبادر لملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين؟
الواقع يقول إنه توفرت للسلطة فرصتان سابقتان للقيام بذلك، ويبدو أن غياب الإرادة السياسية، حال دون استخدامهما وتوظيفهما كما كان متوقعاً، أولهما: الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في لاهاي في قضية جدار الفصل العنصري في العام 2004، وهو القرار المهم، الذي يؤكد على المركز القانوني للأراضي الفلسطينية كأرض محتلة ويعتبر الجدار فعلاً غير قانوني، وبقي القرار حبيس الأدراج ولم يفرج عنه من قبل السلطة حتى اليوم لاستخدامه في الدفاع عن جملة الحقوق الفلسطينية. وثانيهما: تقرير غولدستون المتعلق بالتحقيق في ما ارتكب من جرائم أثناء العدوان على قطاع غزة في العام 2008-2009، والذي اعتبر أن كثيراً مما قامت به قوات الاحتلال الاسرائيلي يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهو التقرير الذي لم تنفذ توصياته حتى اليوم، ليس فقط بسبب رفض المجتمع الدولي لذلك، بل لتقاعس السلطة عن القيام بدورها في دعم التقرير وجعله مطروحاً على الأجندة الدولية.
إن الارادة السياسية الفلسطينية وقدرتها على رفض الضغوط سوف تظهر من خلال الانضمام إلى محكمة الجنايات الدولية، الذي يشكل الأساس للملاحقة الجنائية للجرائم المرتكبة في حق الفلسطينيين أرضاً وشعباً، حيث أنه بموجب المادة 13 من نظام المحكمة فإنه «لا يسمح لأي دولة ليست طرفاً فيها بأن ترفع دعوى قضائية، باستثناء مجلس الأمن والمدعي العام». أما وقد أصبحت لدولة فلسطين شخصية قانونية تمكّنها من فعل ذلك، فإنها أمام امتحان حقيقي بالانضمام إلى المحكمة والتقدم بطلب التحقيق في الجرائم الإسرائيلية.
أمّا فيما يتعلق بمحكمة العدل الدولية، فإن نظام التقاضي أمامها يستوجب موافقة طرفي النزاع على ولاية المحكمة للنظر فيه، وهو ما يعني أن فلسطين وإسرائيل يجب أن تقبلا ذلك وتوافقان على ولاية المحكمة واختصاصها.
كما يوفر المركز الجديد لفلسطين كدولة غير عضو تفعيل عملها في فضاء حقوق الإنسان، بعد التوقيع على اتفاقات حقوق الإنسان، بما يمكنها من التقدم بشكاوى ضد اسرائيل واستغلال آليات الرقابة الخاصة بها بما يخدم ذلك التوجه.

الدولة.. الجغرافيا وحق العودة

إن طلب العضوية، الذي قدمته دولة فلسطين وحصلت بموجبه على الصفة الجديدة، حدد حدود الدولة العتيدة بأنها تلك الأراضي التي احتلت في العام 1967 بخلاف إعلان وثيقة الاستقلال، التي استندت إلى القرار 181، ولم تحدد حدودها على نحو يشترطه الطلب بتحديد الجغرافيا والسكان والحدود.
إن ذلك ينطوي على تحديد للأرض الفلسطينية من طرف واحد جرى تقديمه طوعاً في ظل وجود مرجعية قائمة، قانونية وسياسية، هي القرار 181، وكان الأولى التقدم بطلب العضوية وفقاً لموجبات القرار المذكور، طالما أن الأرض الفلسطينية في كلتا الحالتين لا تخضع للسيادة الفلسطينية.
يبقى السؤال الأهم: هل ينتقص القرار من حق الفلسطينيين في العودة؟
تضمن خطاب الرئيس محمود عباس، الذي ألقاه خلال جلسة التصويت على طلب الدولة غير العضو، إشارة إلى حق العودة وقرار الجمعية العامة 194 كأساس لحل مشكلة اللاجئين.
إن الصفة الجديدة بذاتها لا تنطوي على مساس بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، لكن حق العودة، الذي تعرّض للتآكل بفعل العملية التفاوضية وما كان يقدم من خطاب «حسن النية» للجانب الإسرائيلي، بحاجة بدوره إلى تحصين، بالإصرار على المطالبة به كحق أصيل غير قابل للتصرف.

* مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة.