| 

لو سمع القسيس عبد الله صايغ نصيحة الطبيب هيوبرت طورنس لما كان أنيس صايغ جاء إلى هذا العالم على الإطلاق. فالطبيب طورنس كثيراً ما حذر عفيفة البتروني، زوجة القسيس ووالدة أنيس، من مخاطر الحمل. ثم عاد لينصحهما بالإجهاض. لكن عفيفة البتروني والقسيس عبدالله رفضا هذه النصيحة لأسباب إيمانية. وهكذا جاء إلى الحياة في 3/11/1931 طفل دعي باسم «بنيامين» لثلاثة أيام فقط، ثم اصبح اسمه «أنيس» كي يؤنس شيخوخة والديه.
لا يتذكر أنيس صايغ يوم ولادته في طبرية لأب سوري مهاجر إلى فلسطين وأم مولودة في فلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية. لكنه يتذكر، بقوة، وربما كأكثر أيام حياته سواداً، كيف غادر طبرية في الرابع من شباط 1948. ولشدة تعلقه بهذه المدينة اختار الطبري موضوعاً لبحث قدمه في الجامعة الأميركية في بيروت لدى المؤرخ نبيه أمين فارس، لكنه اكتشف، في اثناء إعداد البحث، ان الطبري ليس من طبرية بل من طبرستان في بلاد فارس.
كنت أناكفه مازحاً فأقول: دعك من طبرية التي توزع صورها في كل مكان، فحجارتها سود، وسكانها يهود، وهي غائرة في الأرض ولشدة الحر فيها يتصايح الناس مثل القرود. فكان يرد ضاحكاً: ومع ذلك فإن معظم تلامذة المسيح طبرانيون وصيادو سمك المشط الذي هو أطيب سمك في العالم. أما الوحيد الذي خان المسيح، أي يهوذا الاسخريوطي، فلم يكن من طبرية، بل من نواحي القدس.
عاش أنيس صايغ على شاطئ أكبر بحيرة عربية، إذا استثنينا البحر الميت. وفي ذلك المكان الذي صنع المسيح فيه معجزة المشي على الماء، عجز أنيس ابن القسيس عن تعلم السباحة. لكنه صنع معجزة أخرى يعجز كثيرون عن الوصول إليها؛ صنع بنفسه ومن نفسه شخصاً فريداً ومميزاً اسمه أنيس صايغ.

من حوران إلى لبنان

فلسطيني... ووالده سوري، ووالدته لبنانية مولودة في فلسطين. تزوج أردنية وعاش في لبنان. هذا هو أنيس صايغ الابن الأصغر للقسيس عبدالله صايغ. والقسيس عبدالله رجل من بلدة «خَرَبا» في السويداء. وقد كان للمصادفة الموضوعية شأن في حياته فجعلته يلتقي فتاة من البترون (والدتها من قرية «البصة» في شمالي فلسطين) برعاية مبشرة أميركية من ولاية تينيسي. وقد التقيا في «خربا» وتزوجا وأنجبا أولاداً لجأوا جميعاً إلى لبنان في سنة 1948. وفي ما بعد توزع الأولاد والأحفاد في مختلف أصقاع الأرض. ومن بين هؤلاء لمع كل من فايز صايغ في الفكر والسياسة والبحث والاعلام، ويوسف صايغ في الاقتصاد والسياسة، وتوفيق صايغ في الشعر، وأنيس صايغ في التاريخ وتأسيس المجلات ومراكز البحث العلمي.

سيرة الألم

في سنة 2004 حينما كنا نرافق جنازة يوسف صايغ إلى مثواه الأخير لاحظت ان الدكتور أنيس صايغ وقف عند بوابة المدفن ولم يتقدم إلى الداخل إلا بضع خطوات فقط. واكتشفت انه ما عاد يدخل إلى ذلك المكان منذ ان غيّب المدفن نعش والدته قبل أكثر من ستين سنة.
إن سيرة أنيس صايغ هي سيرة الالم الذي حاق بوالده وأضناه، فوالده فقد أباه صغيراً، ثم هجر سورية إلى فلسطين قسراً في سنة 1925، ثم واجه موت زوجته بتجلد وثبات في سنة 1950، ثم صبر على موت ابنه فؤاد في سنة 1959، وابنه توفيق في سنة 1971 إلى ان أراح ركبه في سنة 1974. أما أنيس فقد تكسرت عليه سهام الموت واحداً بعد الآخر: ماتت والدته، ثم مات شقيقه فؤاد، ورحل شقيقه توفيق، ثم والده المتألم. وغاب أخوته تباعاً: منير في سنة 1975، وفايز في سنة 1980 ويوسف في سنة 2004. ومع أن أنيس صايغ تعرض للموت مباشرة حينما أرادت إسرائيل اغتياله بطرد ناسف في 19/7/1972، إلا ان لغز الموت وحيرة الوجود لم ينفكا عنه، وطالما أثارا في وجدانه اسئلة شتى. وقد تعلم من موسى المجادي (أبو دخل الله)، وهو رجل مؤمن من «خربا»، ان الموت الرحيم ربما هو حل عادل. لكنه بكى بغضب حينما عرف ان أبو دخل الله أطلق النار على حصانه المريض. ولعل تجربته في الطفولة حيال موت الحصان، وتجربته في الكهولة حيال الاغتيال، جعلتاه شجاعاً امام الموت جباناً امام الألم؛ فهو لا يخشى الموت لكنه يخاف إبرة الطبيب أيما خوف.

سيد فن السخرية

عندما يذكر اسم أنيس صايغ في أي مجلس من مجالس عارفيه، ينصرف الذهن فوراً إلى ذلك المؤرخ الصارم والمثابر ورجل العلم الحازم والدقيق الذي لا يمكن ان يتهاون البتة في أي معيار من معايير النزاهة العلمية والحياد والموضوعية والدقة في الحياة اليومية. وهذه الصورة النمطية صحيحة بالتأكيد، حتى ان بعض جيرانه في بناية مكارم في بيروت كانوا يظبطون ساعاتهم على مواعيد خروجه من المنزل، أو على مواقيت عودته إليه. وكذلك كان الذين عملوا معه في مركز «الأبحاث» أو في «الموسوعة الفلسطينية» يعرفون تماماً موعد حضوره بالدقيقة. ومن النادر جداً ان تأخر أنيس صايغ في افتتاح «اللقاء الثقافي الفلسطيني» بعد الخامسة مساء.
غير ان أنيس صايغ كثيراً ما امتلك، إلى جانب خصاله العملية، روحاً ساخرة وشخصية ساحرة وسلوكاً رفيعاً ودماثة مشهودة. فالزهور يهديها، بلا حساب، في المناسبات. لكنه يصر على إهداء الكتب، وليس الشوكولا، إلى من يعودهم في المستشفيات أو البيوت. كان من تقاليد العائلة أن تصلي ست مرات في اليوم، ثلاثاً منها قبل كل وجبة طعام، وقبل النهوض من الفراش صباحا وقبل النوم، وصلاة جماعية مرة في اليوم. أما أنيس فكان عند الصلاة يغمض عينيه ويعد للمئة. وأخبره شقيقه فايز انه سمعه في احدى المرات يكرر كلمة «بطاطا» مئة مرة في اثناء الصلاة، ولم يفش سره. وحين كان يحرر في جريدة «النهار» زاوية «حدث في مثل هذا النهار» اكتشف تاريخ ميلاد احدى المحررات المغرورات. وفي اليوم المعيّن كتب ما يلي: قبل كذا سنة ولد لاسكندر رياشي (والد تلك المحررة) ابنة سماها كوليت... وجن جنون المحررة. وفي سنة 1948 كتب مقالة عن أهل بيروت الذين يذهبون إلى صيدا في ايام الآحاد والأعياد ليقطفوا «الأكي دنيا» ويعودوا بسياراتهم وقد حملوها بهذه الفاكهة من دون دفع ثمنها، حتى سماهم أهل صيدا «وطاويط الأكي دنيا».

******
ولد أنيس صايغ في اليوم التالي لذكرى اعلان بلفور، كأنه كان مرصوداً منذ البداية، ليتحدى هذا الاعلان القبيح. وتوفي في ليلة ميلاد المسيح كأنه مرصود، مثل المسيح، للحياة والألم. ولا ريب في انه ما زال حياً بيننا بسيرته الناصعة ومناقبه العالية ودماثته الحانية وخلقه الرفيع وبساطته اللافتة وعلمه النادر. هكذا طوى أنيس صايغ في عمان آخر يوم من عمره، وحتى آخر يوم من أيامه ظلت أصابعه تعبث بالأوراق والأقلام، وبقي عقله مرصوداً لمشاريع كتابية جديدة غير عابئ بعبء السنين ووجيف القلب ووهن الجسد، فكأنه كان يهزأ بالزمن الثقيل، ويقاومه بسخريته الحادة واللاذعة والمرة في آن. هكذا عاش أنيس صايغ صارماً كعالم، ساخراً كأديب، مبدعاً كفنان، وإنساناً بسيطاً طيباً. ويحق لي ان أزهو بأنني عايشته نحو ثلاثين سنة وهبني، في أثنائها، صداقة لا تمحى، ومحبة غامرة لا تنسى، ورصيداً ثقافياً كبيراً، ومؤونة من الأخلاق لا تقدر بثمن.