| 

لعل أهم ما يتبين بعد مرور أقل من ثلاثة أسابيع على الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، تحت مسمى «عملية عمود السحاب»، هو أنها كانت تهدف بصورة رئيسة إلى فرض تهدئة طويلة الأمد على فصائل المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمها حركة «حماس»، بما في ذلك الوقف السريع لتهريب السلاح الى القطاع. وحتى لو كانت هناك أهداف أخرى، إستراتيجية وتكتيكية، فإن هدف فرض التهدئة هو الذي حدّد بداية هذه الحرب ونهايتها، فضلا عن كونه حدّد كثيراً من الوقائع العملانية التي اشتملت عليها.
في الوقت نفسه كانت هذه الحرب تهدف إلى تعزيز قوة الردع الإسرائيلية، التي تشكل بدورها عاملاً مركزيًا يضطر الجانب الخصم إلى الجنوح نحو التهدئة. وفي واقع الأمر، جرى خلال الحرب على غزة كشف النقاب عن إجراء مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل و«حماس» للتوصل إلى اتفاق تهدئة طويلة الأمد، وأذيع أن قائد كتائب عز الدين القسام الشهيد أحمد الجعبري كان ضالعًا في هذه المفاوضات. ويؤكد الوسيط الإسرائيلي في هذه المفاوضات (الدكتور جرشون باسكين، الرئيس المشارك لمركز إيفكري الإسرائيلي ـ الفلسطيني للأبحاث والمعلومات الذي سبق أن توسط بين الجانبين) أن إقدام حكومة بنيامين نتنياهو على اغتيال الجعبري وشن الحرب على غزة نجم أساسًا عن اعتبارات تتعلق بالانتخابات الإسرائيلية العامة المبكرة، التي ستجري في 22 كانون الثاني/ يناير 2013. وهذا لا يعني أن إسرائيل ليست معنية بالتهدئة، غير أن التوصل إلى تهدئة عن طريق حرب تبدأ باغتيال شخص مثل الجعبري، وهو اغتيال يحقق أيضًا غاية الثأر منه بسبب دوره في ما عرف باسم «صفقة شاليط» (صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل و«حماس»، التي أطلقت اسرائيل خلالها سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني في مقابل إفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي كان أسيرًا لديها)، سيكون ـ انتخابيًا ـ أفضل كثيرًا من التوصل إليها من خلال مفاوضات مع «منظمة إرهابية».
ليس من المبالغة القول إن نهاية الحرب كانت إلى حد كبير ناجمة عن أخذ تلك الانـتخابات المبكرة في الاعتبار، ذلك أن توسيع نطاق الحرب إلى حد شن عملية عسكرية برية على القطاع كان من شأنه أن يورط إسرائيل في مواجهة لا لزوم لها مع العالم، على غرار المواجهة التي تسببت بها الحرب السابقة على غزة في 2008- 2009. كما كان من شأنه أن يفرض ظلالا قاتمة أخرى على العلاقات بين نتنياهو والرئيس الأميركي باراك أوباما، في وقت أشارت فيه أغلبية التحليلات إلى أن وقوف رئيس الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل في أول اختبار له منذ فوزه بولاية جديدة، أثار الارتياح لدى الحكومة الإسرائيلية التي تسعى إلى الاستفادة من هذه الأجواء الإيجابية لمزيد من التفاهم والتنسيق مع الولايات المتحدة. وهذا ما اعترف به وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان، في مقابلة أجراها معه الموقع الإلكتروني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» عشية التوصل إلى التفاهمات المتعلقة بالتهدئة، حين قال إنه في حال دخول القوات البرية إلى غزة فسيكون عليها المضي حتى النهاية. وأضاف: «ليس في استطاعة الحكومة اتخاذ قرار باجتياح غزة قبل شهرين على الانتخابات».

نتائج وتوقعات

إن ما يمكن توقعه بناء على ذلك هو أن حكومة نتنياهو ستقيس «نجاحها» في هذه الحرب بما ستفضي إليه من نتائج سياسية تتعلق بالتهدئة الطويلة الأمد، وكبح تهريب السلاح. وقد أشار أكثر من محلل في إسرائيل إلى أن عملية «عمود السحاب» كان لها هدفان إستراتيجيان هما: أولا، تجديد وقف إطلاق النار مع حركة «حماس» في قطاع غزة الذي تعرّض في الأشهر الأخيرة إلى الاهتزاز جراء جولات متوالية من تبادل الضربات؛ ثانيًا، المحافظة على معاهدة السلام مع مصر في ظل قيادة جماعة الإخوان المسلمين. ورأى رئيس تحرير صحيفة «هآرتس» أن التفاهمات التي جرى التوصل إليها في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 تدل على أن هذين الهدفين قد تحقّقا إذا ما احترم الطرفان هذا الاتفاق. وأضاف: في الواقع فإن إسرائيل تطلب من حركة «حماس» في قطاع غزة أن تؤدي دور حراسة الحدود، وعدم إطلاق النار، وفرض حازم للتهدئة على باقي الفصائل المسلحة. وهذه التسوية لا تستند إلى ودّ، أو اعتراف متبادل، أو تماه أيديولوجي، وإنما إلى المصلحة المشتركة المعزّزة بتوازن الرعب: أي قوة النيران الجوية وتهديد الجيش الإسرائيلي بشن عملية عسكرية برية واسعة (على قطاع غزة) من جهة، في مقابل قدرة صواريخ حركة «حماس» على إلحاق الضرر بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، من جهة أخرى. وهذا ما يفسر تواتر تصريحات المسؤولين الإسرائيليين السياسيين والعسكريين على حد سواء، عن أن نتائج الحرب على غزة ستتضح بمرور الوقت وليس الآن.

من الذي انتصر؟

أظهر استطلاع للرأي العام في إسرائيل أجراه «معهد تسبان للدراسات الإستراتيجية» في واشنطن أن نحو 45% من الذين شملهم الاستطلاع يعتقدون أن المواجهة في غزة لم تسفر عن منتصر، في حين اعتبر 40% أن إسرائيل هي التي انتصرت. ورأى 38% أن وضع إسرائيل الإستراتيجي لم يتغير بعد تلك المواجهة، مقابل 36% اعتبروا أن وضعها تحسن، و21% رأوا أن وضعها الإستراتيجي ازداد سوءاً. ومن ناحية أخرى، قال 51% من المشتركين في الاستطلاع إنهم لا يؤمنون بالمفاوضات السياسية مع الفلسطينيين، في مقابل 40% يعتقدون أن في الإمكان التوصل إلى السلام بعد خمسة أعوام.
يحمل هذا الاستطلاع الكثير من الدلالات المتعلقة بإسرائيل ارتباطًا بالحرب على غزة. ولا بُد من أن نلتفت على وجه الخصوص إلى الدلالة التالية: ما عاد الانشغال في الحروب الحديثة منصبًا على تحقيق الانتصار، وهذا الأمر بات يشمل إسرائيل، على الأقل منذ حرب تموز/ يوليو 2006 في لبنان، وما حل محل ذلك هو قياس مدى قدرة أي حرب يتم خوضها على شحن بطاريات قوة الردع. ولا شك في أن أداة القياس الأكثر أهمية هنا هي التهدئة، ومدتها الزمنية، وقد أشرنا في ما سبق إلى أن تحقيق التهدئة كان أحد الأهداف الإستراتيجة للحرب على غزة. وفي علاقة مباشرة مع الاستطلاع المذكور، يمكن القول إن غاية فرض التهدئة التي يسعى نتنياهو إليها، مدججة بتأييد أغلبية في القاع لا تؤمن بالمفاوضات السياسية بين الفلسطينيين، في مقابل أقلية تعتقد أن في الإمكان التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين لكن بعد خمسة أعوام، وهذا يعني، فيما يعني، أن إسرائيل ستستمر في المرحلة الحالية في إدارة الصراع، بما في ذلك ما يتعلق بالمقاومة التي أصبح من المسلم به أنه لا يمكن تحقيق الانتصار عليها.

نقاط الضعف

مع ذلك، فإن الكثير من القراءات الإسرائيلية يرى أن نقطة الضعف الأساسية في التفاهمات التي جرى التوصل إليها مع «حماس»، بالنسبة إلى إسرائيل، هي تلك المتعلقة بالردع، إذ ان من بين أهم الأهداف المعلنة للعملية العسكرية كان ترميم قدرة إسرائيل على الردع لفترة طويلة. وثمة شك كبير في أن هذا تحقق، ويمكن وصف ما حدث الآن بأنه نوع من التعادل. فقد أدركت «حماس» أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى زعمائها وقادتها وتوجيه ضربات قاسية للبنى التحتية العسكرية والمدنية التابعة لها، لكن في المقابل أثبتت «حماس» لإسرائيل أن لا شيء يقف في وجه قصفها لوسط إسرائيل وللبلدات في الجنوب، وأنها قادرة على إرغام مليون ونصف المليون على البقاء في الملاجئ، وعلى زرع الخوف في الشوارع وشل الحياة العامة. وعلاوة على هذا كله يمكن إضافة حقيقة أخرى هي أن إسرائيل وليس «حماس» هي التي ظهرت في الأيام الأخيرة من الحرب على أنها تريد وقفاً لإطلاق النار كي تجنب نفسها القيام بعملية برية.
إن حملة «عمود السحاب» ليست المواجهة الأولى بين إسرائيل و«حماس»، غير أنها هذه المرة تجري في محيط إستراتيجي مغاير عما كان في الماضي، ولهذا رأت تحليلات كثيرة في إسرائيل أن لها معنى خاصًا، أكان ذلك بالنسبة إلى طبيعة سلوك المشتركين المباشرين في المواجهة، أو بالنسبة إلى موقف اللاعبين الإقليميين. كما أكدت هذه التحليلات أن أكثر ما تدل عليه التطورات الأخيرة هو طبيعة الظروف الإقليمية المتغيرة، ومعادلات القوة الجديدة الناشئة في أعقاب «الربيع العربي». وهذا موضوع متحرك، ولا يمكن استخلاص استنتاجات قوية بشأنه منذ الآن. وسيظل الانتظار سيد الموقف إزاء احتمالات التهدئة طويلة الأمد مع «حماس». وفي حال عدم تحققها ستتجه الأنظار إلى التقديرات القائلة إن ما تبلور هو وقف إطلاق نار سريع بسبب رغبة الجانبين في إنهاء جولة القتال الحالية، وأن اندلاع المواجهة مرة أخرى هو مسألة وقت وليس أكثر.