| 

ليس من السهل طرح أسئلة عن خطوة أو مبادرة فلسطينية وصفها كثيرون بأنها تاريخية، وحظيت بتغطية إعلامية واسعة زادها درامية الموقف المتطرف للائتلاف الحاكم في إسرائيل الذي اعتبرها خطوة معادية و«إرهاباً سياسياً»، وهدد بالويل والثبور إذا أقدم الجانب الفلسطيني على طلب رفع مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، إلى عضو مراقب، أو دولة غير عضو. وكان لافتا لكثيرين إصرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، على المضيّ في هذه الخطوة على الرغم من انطوائها على صدام «سياسي» مع إسرائيل والإدارة الأميركية، وهو المعروف بأنه شخصية مسالمة غير صدامية. ولكن هل يجوز تقويم هذه الخطوة تقييما وطنيا وإستراتيجيا بناءً على موقف دولة الاحتلال، وبالتحديد الائتلاف الحاكم (الليكود ـ يسرائيل بيتينو) الذي تبنى ويمارس سياسة إدارة الصراع وليس حله، لأنه لا يعتقد أن الفلسطينيين مستعدون للإذعان وقبول صيغة الحكم الذاتي أو الدولة الموقتة الممسوخة، أم يجب تقويمها بناءً على ما يمكن أن ينتج عن هذه الخطوة من فوائد آنية وإستراتيجية؟
لا شك في أن إصرار «أبو مازن» على المضي في خطوته، والجهد الديبلوماسي الذي بذله فريقه على مدار العامين الماضيين، أجبرا التحالف الأميركي الإسرائيلي على التراجع عن اتخاذ خطوات دراماتيكية ضد السلطة الفلسطينية، إذ إن هذا التحالف لا يستطيع الاستغناء عن السلطة الفلسطينية، ولذلك، اضطر هذا التحالف إلى التراجع خطوة إلى الوراء استعدادا للخطوة القادمة، وبخاصة أن «أبو مازن» وفريقه لا ينفكان يؤكدان أن السلطة ستعود إلى المفاوضات إذا قبلت إسرائيل تجميد الاستيطان، كما صرّح صائب عريقات قبل يوم من التصويت، أي في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر، للتلفزيون الإسرائيلي ـ القناة الثانية، وطمأن الإسرائيليين بأن «السلطة لا تنوي العمل على عزل إسرائيل».
يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها قطع مع نهج «أبو مازن»، أي نهج المفاوضات الطويلة غير المجدية؛ هذا النهج الذي استمر طويلا في الغرف المغلقة، في حين كانت إسرائيل ترسم المعالم النهائية لمشروعها على الأرض وفي الهواء الطلق من دون عائق يذكر ـ لا ميداني ولا ديبلوماسي. وجاء نتنياهو وائتلافه إلى الحكم عام 2009، ليضع حدا لهذه اللعبة وليبقى فريق السلطة مجردا من كل شيء. فقد اكتشف هذا الفريق أن التخلي عن المقاومة أو الهروب من مواجهة الاحتلال ليس لم يُجدِ فحسب، بل ضاعف الكارثة الفلسطينية. والحقيقة أن هذا الفريق كان قد ترك الساحتين، ساحة العالم وساحة فلسطين معاً، وكانت إسرائيل الفاعل الوحيد في هاتين الساحتين. وكان ذلك التزاما بطريق أوسلو الذي يُقيّد تحرك الطرف الفلسطيني ضد إسرائيل (عالميا وميدانيا). كانت الانتفاضة مراجعة لنهج أوسلو، حيث ساندها الرئيس الراحل ياسر عرفات، ولكن مراجعة «أبو مازن» تمثلت بالعودة إلى نسخة أوسلو الأصلية، وذلك بعد تسلمه منصب رئاسة الحكومة الفلسطينية عام 2004، وهو منصب فرض من الخارج لاحتواء عرفات، ولم يكن إبداعاً فلسطينيا أو حاجة ملحة آنذاك.
في المقابل، كانت حركة التضامن العالمية، بما فيها حركة المقاطعة، قد بدأت تستعيد عافيتها بعد الانتفاضة الثانية، ونابت جزئيا عن غياب التحرك الديبلوماسي الفلسطيني الرسمي. إن هذه الحركة كانت إحدى ضحايا اتفاق أوسلو الذي أوهم شرائح واسعة من المجتمع المدني العالمي المؤيد لقضية فلسطين بأن القضية في طريقها إلى الحل، وجاءت الانتفاضة الثانية لتؤكد أن ما كان يُرسم لفلسطين هو دولة «بانتوستان» وتكريس للمشروع الكولونيالي الصهيوني.

لو أن البداية كانت هكذا

أكدت مسيرة المفاوضات التي استمرت سنوات طويلة، أن فلسطين خسرت أيضاً على صعيد العالم. لو خاضت السلطة (المقبولة دوليا) معركة ديبلوماسية حقيقية ضد إسرائيل على الساحة العالمية منذ البداية، ونسقت خطواتها مع حركة التضامن العالمية، لربما كانت النتائج مختلفة، ولشكلت هذه الجبهة سنداً جدياً لنضال الشعب الفلسطيني على الأرض. فالسلطة التزمت منع المقاومة الشاملة، الشعبية أيضاً، وفاوضت باسم هذا الشعب والحركة الوطنية الفلسطينية المقسمة، وفي هذه الأثناء وكسيرورة منطقية لتشكل السلطة الفلسطينية ودورها الوظيفي تعمقت واتسعت وترسخت البُنية الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ الأمنية التي يستند إليها القرار الفلسطيني. وهي بُنية لا يمكن أن تنتج خيارات كفاحية إستراتيجية (لأنها مرتهنة للخارج) إلا إذا فرض عليها القتال (ضغط من الشارع أو عدوان إسرائيل شامل). وفي هذه الحالة أيضاً، أي فيما لو انتفض الشارع، فإن قوى جديدة ستقود هذه المرحلة من الكفاح وليس فريق أوسلو.
إن حصول منظمة التحرير على دولة مراقب غير عضو خطوة مهمة، لأن ذلك انطوى على مواجهة ولو محدودة مع التحالف الإسرائيلي ـ الأميركي، ولكن بشرط أن تكون ضمن إستراتيجية ميدانية وسياسية لا تفرط بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم. وكما هو معروف فإن أكثر ما يُخيف إسرائيل من هذه الخطوة هو انضمام المنظمة إلى المحكمة الجنائية الدولية، والفرصة التي تفتحها أمام المنظمة لمقاضاة حكام إسرائيل على جرائمها وهو أمر مهم وضروري. غير أن إسرائيل لا تريد تغيير الواقع القائم لأنه مريح لها، ولذلك هي تتمسك به باستماتة، وجميع التهديدات التي تطلق ضد السلطة منذ صعود نتنياهو تهدف إلى إبقاء السلطة في قيد الحياة وأن تتجاوز وظيفتها الحالية.

ما هي السيناريوهات المتوقعة بعد هذه الخطوة؟

يمكن التوقف أمام السيناريوهين التاليين:
الأول: عودة المفاوضات، كما يُصرح فريق السلطة الفلسطينية، وقد يكون هذه المرة مدعوماً من سلطة «حماس» في قطاع غزة، وقد يشترط هذا الفريق أن تكون القرارات الدولية هي المرجعية وليس اتفاق أوسلو. ولكن كما هو معروف فإن «حماس» قد تستخدم موقعها الذي تحسن بفضل إخفاق العدوان الإسرائيلي على غزة، لدعم هذا المنحى، ولأنها أيضاً (على الأقل قيادتها في الخارج) تسعى إلى تأمين موقع لها في المعادلة الإقليمية ـ الدولية، وإن كان داخل الحركة تيار يتمسك بالمقاومة ويعارض مبادرة «أبو مازن» الأخيرة في التوجه إلى الأمم المتحدة.
الثاني: أن يُفرز رفع مكانة المنظمة في الجمعية العامة ديناميات جديدة، ميدانية ودولية، ويفتح أفقاً جديداً أمام الشعب الفلسطيني، لإطلاق نضاله التحرري مجددا، عبر إعادة صوغ معالم المشروع الوطني الفلسطيني وبنيته في نضال طويل وصعب، وبما يتجاوز أهداف فريق السلطة الفلسطينية.

مخاطر هذه الخطوة

من المفارقة أن خطوة السلطة الفلسطينية التي (كما تعلن السلطة) تهدف إلى حل الدولتين، تأتي في وقت تؤكد فيه الوقائع أن هذا الخيار قارب الموت، وفي حين تعلو الأصوات وتتزايد لإعادة الصراع إلى جذوره، وطرح حل الدولة الواحدة الذي من شأنه أن يحقق مطالب التجمعات الفلسطينية كلها، ويقدم حلا إنسانيا للمجتمع الإسرائيلي كبديل من المواجهة الدائمة التاريخية، تُقدم السلطة على تدويل خيار الفصل، وتتفادى المّس بإسرائيل ككيان كولونيالي يحكمها نظام أبارتهايد. ويُخشى أن تتحول هذه الخطوة إلى نسخة أو استمرار لنموذج أوسلو الذي أسبغ الشرعية على نموذج الفصل العنصري داخل الضفة والقطاع. وهو نموذج رفضه المؤتمر الوطني الأفريقي حتى إسقاطه عام 1994. إن حصول المنظمة على مكانة دولة بصفة عضو مراقب، كرّس رسميا الاعتراف (وربما لأول مرة) داخل أروقة الأمم المتحدة، بحدود العام 1967، وهذا يعادل تقريبا نصف مساحة الأرض التي منحها قرار التقسيم لإقامة الدولة العربية الفلسطينية في 29 تشرين الثاني 1947. وتكمن المخاطرة المحتملة لهذه المبادرة في العودة إلى المفاوضات التي يتحدث عنها فريق السلطة من الحد الأدنى.
ليس خافيا على أحد، كما دلت أوراق التفاوض، أن التمسك بحدود 1967 ليس أكيداً، فهناك استعداد لتبادل أراض. كذلك الموقف بشأن حق العودة، إذ لا يخفي «أبو مازن» استعداده للتنازل عنه، كما صرح علناً للتلفزيون الإسرائيلي. وقد كان لافتاً الإشارة إلى هذا الحق بصورة عابرة في خطاب «أبو مازن» أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. أما فلسطينيو الداخل، فإن السلطة ستكتفي بعدم الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، ولكن هذه المفاوضات ستحذو حذو أوسلو ـ أي تكريس اعتبار هذا الجزء من الشعب الفلسطيني شأناً إسرائيلياً داخلياً. وكما هو معروف، فإن هذا الجزء من شعب فلسطين يجري استبعاده بصورة منهجية من جانب جميع الأطراف كلاعب في معادلة الصراع، وكطرف في الحلول المطروحة. وقد حان الوقت كي تتعامل هذه الأطراف مع هذا الجزء من شعبنا، وأن تتعامل القيادة الفلسطينية مع الحركة الوطنية داخل الخط الأخضر كجزء فاعل ومؤثر في الصراع، وبصفة الشعب في الداخل خاضعاً لمنظومة الاضطهاد نفسها، النظام الكولونيالي الإسرائيلي.
خلاصة القول إن خطوة الحصول على عضو دولة مراقب لن تثبت فائدتها للنضال على المستوى الإستراتيجي الفلسطيني إلا إذا أديرت المرحلة الراهنة برؤية إستراتيجية موحدة تعيد مسار الصراع إلى جذوره، وتفتح آفاقاً جديدة للصدام مع نظام الأبارتهايد الإسرائيلي الذي لا بد من عزله عالميا وإسقاطه. هذه معركة طويلة وصعبة وفي إمكان الشعب الفلسطيني وجماهير الوطن العربي وجميع أحرار العالم خوضها وإنجاز الهدف.

* الأمين العام للتجمع الوطني الديموقراطي في فلسطين١٩٤٨.