| 

تقع مدينة طبرية (طبريا) وبحيرتها وما جاورها من أماكن وما يقع على ضفاف بحيرتها من بلدات في المنخفض الناجم عن حفرة الانهدام، والذي يمتد جنوبا حتى مدينة أريحا ويشكّل غور فلسطين الذي ينخفض من مئتي متر عن سطح البحر عند طبرية إلى أربعمائة متر عند البحر الميت. وهي (أي منطقة طبرية) جزء من الجليل الشرقي الذي عبرته الغزوات والقوافل التجارية، وعبره حاملو قناديل المعرفة وما أبدعه الانسان من عمائر وفنون في مختلف القرون والأزمان والحقب. أول من سكن هذه المنطقة في التاريخ كانت قبائل الجرجاشيين الكنعانيين الذين عمروا هذه البلاد وظلت آثارهم من بقايا الأعمدة والأسواق والصهاريج والأسوار تدل عليهم. كما شهدت كغيرها من بقاع فلسطين كل أحداث التاريخ الفلسطيني القديم والحديث باعتبارها مدخل بلاد الشام إلى فلسطين، حيث كانت معبرا للتجارة وممرا للغزاة وطريقا للعبور من دمشق إلى مصر ومستقرا للممالك والامبراطوريات، وكانت معبرا لصلاح الدين الأيوبي وجيوشه، إذ انتزعها من الصليبيين ليمنع عنهم مياه بحيرتها عندما انتصر عليهم في معركة حطين.
بنيت مدينة طبرية وما جاورها من بلدات، وخصوصا بلدة سمخ، في العهد الروماني.. فقد بنيت في زمن هيرودس عام 22م على موقع خرائب كنعانية، وسميت على هذا النحو باسم الامبراطور الروماني طيباريوس. وكان صيادو الأسماك في البحيرة من حواريي وأتباع السيد المسيح عليه السلام، كما أنّ مريم المجدلية كانت تعيش في مدينة المجدل الواقعة شمال مدينة طبرية، وقيل إن السيد المسيح مشى فوق الأمواج لينقذ قاربا في عمق البحيرة يحمل أتباعه وقد واجهتهم العواصف، ولهيبته وكرامته سكنت الرياح وتوقفت العاصفة. ولا يتسع المجال في هذه العجالة لسرد المزيد عن مكانتها في مختلف الأزمنة، لكن يمكن القول إنها كانت جوهرة الجليل الشرقي في فترة الانتداب البريطاني، وحافظت على أهميتها كطريق يربط الشام بفلسطين عن طريق هضبة الجولان، أو عن طريق القطار عبر الخط الحديدي الحجازي الذي ينطلق من دمشق إلى سمخ، وهي ضاحية من ضواحي طبرية.. كما حافظت على مكانتها الاقتصادية بحكم الثروة السمكية في بحيرتها، فضلا عن مكانتها السياحية وأهمية حماماتها المعدنية. وتعرضت كغيرها من مدن فلسطين إلى هجرة يهودية استوطنت بها بدعم وتسهيل من سلطات الانتداب البريطانية. وكغيرها من المدن شارك سكانها في مقاومة هذا الاستيطان وانخرطوا في الهبات والثورات الفلسطينية، كما شاركوا في الدفاع عن المدينة في حرب 1948.
مدينة طبرية والبلدات التي تشاطرها الشواطئ، ومنها بلدة سمخ الملاصقة لها، هي هبة البحيرة العظيمة والجميلة والساحرة.. بحيرة طبرية هي أم الحياة لسكان ضفافها. وقد ولدت في بلدة سمخ في بيت يقع على شاطئها. البحيرة كانت حقا أم الحياة لأهالي بلدتنا.. منها يشربون المياه العذبة ويسقون حقولهم ومزارعهم ومواشيهم، وفي أحضانها يسبحون ويبتردون، ويسوقون قواربهم إلى عمقها لصيد أسماك المشط الطبراني والمرمور والبلبوط وغيرها من الأنواع التي خُصت بها هذه البحيرة العذبة التي يعبرها نهر الأردن من الشمال ويخرج من الجنوب غرب بلدتي سمخ من منطقة يسميها الأهالي (باب التم) أي من فم البحيرة. وللبحيرة طقوسها وتضاريسها وجمالها بحكم طبيعة فريدة تحيط بها خلقها الله منذ الأزل. كان سطح البحيرة يبدو في صبيحة أيام الربيع كبطن الغزالة، ولكنه في قيظ الصيف يبدو حارا يتصاعد منه البخار نظرا للمناخ الحار في هذه الأغوار التي تنخفض كثيرا عن سطح البحر.
أهالي بلدتي سمخ كانوا يعملون بالزراعة، وبعضهم كان يعمل بالتجارة، كون البلدة محطة من محطات الخط الحجازي الذي يربط فلسطين بسوريا، إذ يمتد خط القطار من حيفا إلى العفولة فسمخ، ثم إلى درعا فدمشق. لم يعمل أهالي بلدنا بمهنة الصيد بل كان الصيد هواية، وكان الشبان يصيدون بوسائل خاصة اخترعوها وصارت جزءا من تقاليدهم وفولكلورهم، ومنها الصيد بسلة مخروطية الشكل مجدولة من الأسلاك لها باب ضيق إذا دخلت فيه السمكة لا تستطيع الخروج، أو الصيد بواسطة قارب صغير لا يتسع إلاّ لشخص واحد يصنعونه من الخشب ويسمونه (الكيك) ويدخلون به إلى العمق بشباكهم.
وللبلده تقاليدها وتراثها الشعبي المرتبط بالبحيرة، أو مواسم الزرع والحصاد، أو مناسبات الفرح والزواج، أو أحداث الثورة والهبات الشعبية المقاومة لسلطات الانتداب والهجرة اليهودية. وكانت كغيرها من بلدات وقرى فلسطين نموذجا للتماسك والتضامن والتكافل الاجتماعي.. وفي مخزون ذاكرتها قصص وحكايا عن مشاركة رجالها في ثورة 1936 والصراع مع الانكليز ومع المستوطنات المجاورة، مثل مستوطنات «شعار هغولان» و«أوفيكيم» و«دجانيا».. قصص وحكايا بحثت عنها ووثّقتها ووظّفتها في رواياتي التي كتبتها عن البحيرة والناس الذين عاشوا على ضفافها؛ عاشوا وأبدعوا وطوّروا وعمّقوا مكونات هويتهم وارتباطهم بالأرض. لقد كتبت أربع روايات حول البحيرة وناسها.. الأولى: بحيرة وراء الريح، والثانية: ماء السماء، والثالثة: جنة ونار، والرابعة: نهر يستحم في البحيرة. وهذه الروايات تتابع وقائع وأحداثا وشخصيات في تراجيديا الحرب والنكبة ومرارة الشتات والكفاح من أجل العودة.
في ابريل (نيسان) 1948 احتل الصهيونيون طبرية وما جاورها ودخل هذه المنطقة الجيش السوري عندما دخلت الجيوش العربية أرض فلسطين لتحريرها من الغزاة، واستطاع السوريون أن يقتحموا المستوطنات في طريقهم، ووصلوا إلى مشارف طبرية، لكنهم انسحبوا عندما حلّت الهدنة وعادوا من حيث أتوا. وكانت النكبة والمأساة، واقتلع الناس من أراضيهم وبيوتهم ومزارعهم ودفعوا إلى الشتات ومخيمات اللاجئين وحملوا معهم مفاتيح بيوتهم وذكرياتهم وأحلامهم، وذاقوا المر والذل ولكنهم عاشوا ولم يسأموا العيش وانتظروا ولم يملّوا الانتظار، وظلت الأحلام والآمال تسكن أرواحهم، وفي مراحل لاحقة صاروا وقودا للثورة ورموزا لتجليات الهوية الوطنية.
ولعل آخر ما تعيه ذاكرة كاتب هذه السطور عن لحظة النكبة والتشرد، ذلك اليوم الماطر من أيام نيسان الذي خرجت به عائلتنا من سمخ، وكنت في الرابعة، تحتضنني والدتي ونركب عربة يجرها حصان.. تلك اللحظة التي ما زالت محفورة في ذاكرتي حين كنت أنظر إلى وجه أمي بينما المطر ينهال علينا وأدقق في وجهها وأتساءل إن كان هذا الذي يسيل من عينيها إلى وجنتيها هو دموع أم مطر!

* كاتب وروائي فلسطيني مقيم في رام الله.