| 

ماذا بعد؟ إنه السؤال الأكثر رواجا بعد هدوء موجة التصفيق الحارة التي صاحبت الإعلان عن قبول فلسطين دولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة. انتهت حفلات الفرح في شوارع المدن الفلسطينية وعاد الفلسطينيون إلى سؤالهم الذي صاحب مسيرة تاريخهم النضالي الطويل، ولكن الأمر هذه المرة مختلف؛ إنجاز تاريخي يضع القطار الفلسطيني على سكة الدولة، ولكن صاحبته تهديدات من العدو الذي يمسك بقوة رقابهم ويسيطر على تفصيلات حياتهم، ويعتبر أن ذلك الحدث الدولي المهم «كأنه لم يكن». إذن ماذا يعني ذلك؟ هل كانت تظاهرة لمصلحة الفلسطينيين وانتهت على واقع أكثر تعقيدا في ما يظن العالم؟ أم أن القطار قد بدأ يتحرك فعلا؟
لا يمكن التقليل من حجم هذه الخطوة وتلك المعركة السياسية التي كانت أقرب إلى حرب الشوارع الدبلوماسية، ومن غير المفهوم أيضا المبالغة بها إلى الحد الذي يعتبرها الخطوة الأبرز في التاريخ الفلسطيني، أو أن تدفع الفلسطينيين والعرب إلى الخمول والعودة للحالة الانتظارية التي صبغت السياسة العربية والفلسطينية «باستثناء هذه الخطوة»، والعودة كل إلى مربعه على اعتبار أن العدالة الدولية لا بد وأن تأخذ طريقها نحو الدولة الفلسطينية، وقد قال التاريخ كلمته بأن الفعل الذاتي المسلح بإرادة الشعوب التي تتحكم بمصيرها وتوجه دفة التاريخ بمعرفة مسبقة بخطوات مدروسة هو الذي يكفل الإنجازات، فحركة التاريخ ليست عشوائية ودائما خلف الشعوب إرادة وقيادة.
بعد رفضها جميع الضغوط التي تكثفت حتى الساعات الأخيرة، «غامرت» القيادة الفلسطينية بتحدي إسرائيل وخلفها الولايات المتحدة التي ظلت حتى اليوم الأخير لديها من الثقة ما يمكنها من ثني الرئيس الفلسطيني الذي لم يتراجع هذه المرة، واضعا ظهره إلى الحائط، وتقدمت القيادة الفلسطينية بالمشروع كما هو من دون تغيير، بحسب ما كان يراهن كثيرون، حتى من الدول التي صوتت إلى جانب رفع مكانة فلسطين «فرنسا كمثال». ولكن السؤال: هل كانت الخطوة الفلسطينية قفزة في الهواء تعبر عن حالة يأس وإحباط مما وصلت إليه عملية التسوية، أم أن لدى القيادة الفلسطينية شعورا بأن إسرائيل القادمة هي أكثر يمينية بعد الانتخابات الداخلية لحزب الليكود والتي أفرزت قيادة أكثر تطرفا؟ أم أن هذه الخطوة هي عملية مدروسة، وجزء من تكتيك فلسطيني وصل إلى قناعة بأن على الفلسطينيين إحداث تحول في مسار النضال والكفاح ضد إسرائيل وعدم الارتهان لمفاوضات عبثية، كما تطلق عليها المعارضة الفلسطينية، وبالتالي هناك برنامج متكامل معد سلفا، وأن هذه الخطوة هي البند الأول فيه؟ هذه التساؤلات تطرح بقوة الآن في محاولة لفهم حقيقة السياسة الفلسطينية وخياراتها.

العقابيل

خطوة الذهاب للأمم المتحدة هي في حقيقتها خطوة «أحادية الجانب» من قبل الفلسطينيين وهم الذين اتفقوا مع إسرائيل قبل نحو عقدين على عدم قيام أي طرف بخطوات أحادية الجانب، بالرغم من أن سلوك إسرائيل خلال العقدين الماضيين هو أحادي الجانب. فهل تحرر الفلسطينيون بهذه الخطوة من اتفاق أوسلو وأعلنوا تمردهم عليه؟ وإذا كان الأمر كذلك، ماذا سيلي هذه الخطوة، وكيف ستكون العلاقة مع إسرائيل التي تجلس على الطرف الآخر، وبخاصة أن الكثير من جوانب هذه العلاقة يقوم على اتفاقيات أوسلو، سواء فيما يتعلق بالمعابر أو الضرائب أو التنسيق الأمني وكثير من القضايا اليومية.
صحيح أن الفلسطينيين حققوا إنجازا تاريخيا وقد ينشغلون بالانضمام للمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، بما فيها محكمة الجنايات الدولية، وسيبدأون بالانتشار على المستوى الدولي ورفع مكانة تمثيلهم في الدول التي اعترفت بهم كدولة لتصبح مكاتب التمثيل سفارات، ولكن، في المقابل، تبدو الخطوة الفلسطينية تبرر لإسرائيل اعتبارها خطوة من جانب واحد، ترد عليها بزيادة خنق الفلسطينيين إلى الحد الذي يمكن أن يهدد، وإلى حد ما يبدد، الإنجازات المتحققة في الخارج، وفي السياق نفسها قد تتعرض تلك المنظمات التابعة للأمم المتحدة إلى حصار مالي إذا ما أقدمت الولايات المتحدة على وقف تمويل أية منظمة يصبح الفلسطينيون أعضاء بها، وهناك تجربة سابقة تشير إلى ذلك في «اليونسكو».
البعض يستبعد أن تقدم الولايات المتحدة، وبخاصة خلال الولاية الثانية للرئيس باراك أوباما، على خطوة بهذا المستوى، ولاسيما أن إسرائيل تسرب بعض الاتهامات للإدارة الأميركية بأنها لم تفعل ما فيه الكفاية لمساعدتها في صد توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة، ولكن يبقى الأمر مفتوحا، وخاصة أن الإدارة الأميركية صوتت بـ«لا» كبيرة يعتقد أنه ستتبعها إجراءات عقابية من قبل الكونغرس، فصوتها لم يكن وجهة نظر بقدر أنه يعكس سياسة، بل وسياسة فاعلة وقادرة.
من جهة أخرى، ساهمت معركة الأيام الثمانية العسكرية إلى حد كبير في استكمال خطوة الفلسطينيين حتى النهاية، حيث لم يكن في إمكان الرئيس عباس تقديم أي تنازلات أو استجابة لأية ضغوطات في حين أن خصمه السياسي في الساحة الفلسطينية، حركة حماس، يدك إسرائيل بهذه القوة بالصواريخ في القدس وتل أبيب. لذلك اضطر إلى أن يكون أكثر تصلبا هذه المرة حتى يحافظ على توازنه وشعبيته وعلى أسهم حركة فتح في مقابل الحركة الإسلامية.
المهم أن الفلسطينيين ذهبوا حتى النهاية في معركتهم الدبلوماسية، وهذه قد تفتح عليهم معارك أشد ضراوة مع إسرائيل التي لم تخف وعيدها تجاهم، لاسيما بإجراءات استيطانية على نفس الأرض التي يسعى الفلسطينيون لإقامة دولتهم الفعلية عليها. إذن هذه الخطوة فتحت عليهم بابا جديدا من الصراع الذي لم يتوقف سابقا، ولكن هذه المرة قد تتصرف إسرائيل على نمط «وكأنهم أرادوا ذلك، فليكن»! وبالتالي يصبح سؤال المقبل ضرورة ملحة والبحث في خيارات الفلسطينيين في محاولة للإجابة عن التساؤلات الكبيرة.

الخيارات الآتية

الإجابة السريعة تقول أن الفلسطينيين أمام خيارين: الأول عدم القدرة على تحمل خطوات الخنق الانتقامية التي ستأخذ شكلا عقائديا لدى الحكومة الإسرائيلية المقبلة التي بدأت تبرز ملامحها، وأكبر دلالة هو نجاح ممثل المستوطنين الأكثر تطرفا موشيه فايغلين في دخول قائمة حزب الليكود للانتخابات القادمة بعد محاولات يائسة لسنوات، ففي هذه المرة وصل إلى المكانة الرابعة عشرة في القائمة، وهي مكانة متقدمة ومضمونة، وكذلك عدد من مريديه، مع تصفية من يسمونهم «عقلاء الحزب» مثل دان مريدور وميخائيل ايتان، وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى اتباع سياسة أشد تعنتا من حكومة المتطرفين المقبلة تسهم في تقريب لحظة انهيار السلطة، أو حلها، فيما يكون الفلسطينيون مطمئنين إلى أنهم وضعوا لدى الأمم المتحدة وديعتهم الهامة، حيث أصبحت فلسطين دولة تحظى بالشرعية الدولية، ولتكن إسرائيل دولة تحتل أراضي دولة أخرى، وتعود الأمور لفتح الصراع من جديد، فيما تكمل الأجيال المشوار بالاتكاء على القرار التاريخي الذي اتخذ في مساء التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي.
وهذا قد يكون خيارا مطروحا لدى القيادة الفلسطينية التي ستغادر المسرح راضية عما تحقق بعد هذه السنوات من المفاوضات إذا أرادت إسرائيل أن تدفع الأمور بهذا الاتجاه، وهناك ما يمكن أن يستند عليه هذا الاعتقاد من حيث شكل الحكومة الإسرائيلية القادمة، ولكن المشكلة أن «حماس» شكلت سلطتها في غزة، فهل توافق على هذا الخيار؟ أم أن الأمر سينحصر بالضفة، وماذا عن «حماس الضفة»؟
أما الخيار الثاني، وهو خيار الثبات، مستندين إلى قوة الشرعية الدولية التي أعطتهم حق مقارعة إسرائيل في جميع المؤسسات، وعلى رأسها محكمة الجنايات، وأن وضع إسرائيل بعد هذا الاعتراف أصبح ضعيفا فهي دولة محتلة أمام الملأ، وبالتالي فإن كل إجراءاتها خارج الشرعية الدولية، ويمكن أن يخوض الفلسطينيون كل معاركهم حتى النهاية ويبدأوا بالتصرف كدولة تقف خلفها مئة وثمان وثلاثون دولة في العالم، فيما عارضتهم تسع دول فقط، وإن كان على رأسها الدولة الأقوى في العالم، الولايات المتحدة.

عقبتان

ثمة فرصة كي يكون هذا المكسب السياسي الأساس الذي ستبنى عليه السياسة الفلسطينية الجديدة، وهو بحاجة إلى تفعيل يفترض أن يكون بدأ في اليوم الثاني للتصويت، ولدى الفلسطينيين خيار الاستمرار أمام استحقاق قادم هام، فالنظام السياسي في الأراضي الفلسطينية هو «سلطة»، وهذا بالمعنى القانوني لا يتلاءم مع رفع مكانة فلسطين إلى الدولة المراقبة، وبالتالي يعني ذلك نهاية السلطة الوطنية لأنه بهذه الخطوة أحادية الجانب يفترض أن يكون أوسلو قد ألغى تلقائيا وحمل معه شكل النظام السياسي الذي أفرزه وهو السلطة. يستدعي ذلك بدء العمل على إقامة نظام الدولة السياسي لإقامة «حكومة دولة فلسطين». ولأن منظمة التحرير الفلسطينية هي صاحبة الولاية القانونية والمرجعية الوطنية العليا، فقد تذهب إلى حد تشكيل مجلس انتقالي بهدف إدارة الأراضي بشكل مؤقت، وهذا المجلس الموقت يحضر لانتخابات عامة، على الرغم من أن هذه الخطوة سوف تصطدم بعقبتين كبيرتين:
الأولى إسرائيل التي أعلنت رفضها لهذا التحول ولا تعترف به، معتبرة أن شيئا لم يكن، ولن تفسح المجال أمام الفلسطينيين لإجراء انتخابات، والثانية حركة حماس التي تنفرد بإدارة قطاع غزة ككيان خاص، وأعلنت أكثر من مرة رفضها لإجراء الانتخابات، ومن الواضح أنها لن تكون لأن الخلافات الفلسطينية تبدو عصية على الحل مع استمرار الانقسام، وبالتالي قد يعيق ذلك استكمال بناء النظام السياسي ليتلاءم من حيث الشكل والدور مع ما تحقق في الأمم المتحدة.
هذا على مستوى «الطبقات العليا» للنظام السياسي، ولكن على الأرض حين يقرر الفلسطينيون الصمود واستكمال خطوتهم، فإن مشوارا طويلا من الصدام مع إسرائيل في كل الاتجاهات يتوجب عليهم قطعه، فالمعركة التي ستفتحها إسرائيل تفترض أن تكون لديهم إستراتيجية عمل وخطة منظمة تعرف ماذا تريد بعد أن بدأت بمقارعة إسرائيل في الحلبة الدولية، ويفترض استمرارها بالكفاح الشعبي على أقل تقدير على كل حاجز ومعبر وبوابة مستوطنة وطريق التفافية، مستندين هذه المرة على شرعية دولية تقول أن الوجود الاستيطاني في أراضيهم هو جريمة حرب، ويمكنهم أن يحصلوا على عضوية محكمة الجرائم الدولية، وهذا يفترض بلورة خطة شاملة لاستكمال معاركهم مع إسرائيل على الأرض، والدفع باتجاه استمرار المعركة الدبلوماسية نحو رفع مكانة الدولة المراقب إلى الدولة ذات العضوية الكاملة.
لكن لا يمكن ضمان النجاح في هذا كله، وخوض تلك المعارك كبيرة كانت أم صغيرة، من دون إتمام المصالحة الوطنية التي تضمن استغلال كل الطاقات لصالح المشروع الوطني، وحتى اللحظة تبدو الأمور بحاجة لنوع من الحذر حين يجري الحديث عن المصالحة، فالتجربة لم تكن وردية مع أن ضرورة إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة بعد هذه المعارك العسكرية والسياسية باتت أكثر من ملحة.

* صحافي فلسطيني مقيم في غزة.