| 

لا ينبع تأزم المشروع الوطني الفلسطيني من نقص في الاعترافات، وإنما من النقص في تطبيق مثل هذه الاعترافات. فالحقوق، وإن اعترف بها، تظل مبتورة، ما دامت لم توضع بين أرض وسماء. إنه السطر الأخير والمأساوي إلى حد كبير الذي يلخص التاريخ الطويل للعلاقة بين الأمم المتحدة وفلسطين. لقد بدأ الإقرار بالحقوق الفلسطينية الفردية والجماعية على السواء منذ تأسيس عصبة الأمم في العام 1919 مرورا بالأمم المتحدة ومواثيق كثيرة في القانون الدولي، كلها أكدت أو أعادت تأكيد حقوق الإنسان الفلسطيني، ومع ذلك، وعلى الرغم من مرور نحو قرن من الزمان، لم يزدد وضع مثل هذه الحقوق إلا تعقيدا.
لإحقاق الحقوق، لا بدّ من تأطيرها ضمن سقف سياسي أولا، وبلورة آليات واضحة لتطبيقها ثانيا. وبنقص أحد هذين الأمرين، أو الاخلال بهما، لا تصبح الحقوق بلا فائدة فحسب، وإنما قد يقود الأمر إلى تأزيم واقع أصحابها وتعميق درجة الغبن وإطالة أمد الصراع. في العام 1947، أجهضت الأمم المتحدة، طلبات متكررة لبعض الأعضاء في جمعيتها العامة لتحويل قضية فلسطين إلى مستشاري محكمة العدل الدولية القانونيين، للبت في مستقبل فلسطين القانوني تبعا للقرار البريطاني في إنهاء حالة الانتداب، وأن تصدر السلطة القانونية للأمم المتحدة قراراتها وتوصياتها في هذا الصدد، وهو ما وفر الأرضية لإقرار تقسيم فلسطين ضمن القرار الشهير رقم 181. لم يأخذ هذا الحل السياسي المقترح ضمن هذا القرار بعين الاعتبار رغبات غالبية سكان فلسطين، ولا المخاطر الكامنة بتنفيذ عمليات «نقل» قطاع واسع من السكان بصورة غير طوعية (حتى ولو لم ينص على ذلك). وهو ما حدث فعلا في العام 1948، من خلال اقتلاع غالبية السكان الفلسطينيين من ديارهم.
أما آليات التطبيق، فهي الكفيلة بترجمة هذه الحقوق إلى واقع ملموس، ليس في رفع الغبن وإحلال العدالة فحسب، وإنما في الحيلولة دون تكرار مثل هذا الغبن مستقبلا ومحاسبة مرتكبي الجرائم أيضا. ولعلّ أبرز الأمثلة في هذا السياق، هو عمل لجنة الأمم المتحدة للتوفيق في شأن فلسطين (UNCCP) في أواسط الخمسينيات، وهي الهيئة التي أقرتها الأمم المتحدة ضمن قرار 194 للعام 1948 لتسهيل عودة اللاجئين الفلسطينيين. ومع أن بعض النجاحات الأولية المحدودة التي انجزتها هذه اللجنة، إلا أنها أعلنت لاحقا عن توقف عملها بعد أن اصطدمت بالموقف الإسرائيلي أساسا ومواقف بعض الدول العربية المترددة بشأن عملها. ومن نافلة القول، أن مشهد اللجوء الفلسطيني قد تعقد أكثر بعد هذا التاريخ، حيث ذهبت دائرة اللجوء واتسعت لتطال قطاعات جديدة من الفلسطينيين، حتى بلغت نسبة اللاجئين والنازحين والمهجرين ما يقارب ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني، وهي اليوم قضية اللجوء الأطول عمرا والأوسع انتشارا وحجما حول العالم.

جدل العودة وتقرير المصير

منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، اعتمدت منظمة التحرير الفلسطينية توجها بإقامة الدولة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وهو توجه أنتج سجالا طويلا ومضنيا حتى اللحظة بين العودة وتقرير المصير، إذ تم، بموجب هذا التوجه، تأخير الأول وتقديم الثاني، حتى ولو ظلت القيادة الفلسطينية متمسكة علنا بالاثنين معا على الأقل. بيد أن التوجه نحو الدولة يواجه تحديين كبيرين، يعسران من إمكانية الفصل بينهما.
فهل ثمة احتمال بأن يتحقق تقرير المصير للشعب الفلسطيني إذا كان غالبية أبنائه لاجئين أصلا عن ديارهم؟ أليس من المفروض لشعب يريد أن يقرر مصيره على أرضه أن تتوافر الظروف الموضوعية المتمثلة بوجود هذا الشعب ماديا (وليس وجدانيا فحسب) على هذه الأرض؟ نضيف إلى ذلك، أن العودة حق فردي للأفراد المهجرين، وهو ما يفيد أن أية قيادة سياسية لا تملك الحق قانونا بالتنازل عن حقوق تتبع أساسا للأفراد، كما أن العودة تحمل صفة الجماعية لارتباطها المباشر بتقرير المصير لشعب لاجئ يطمح للعودة إلى دياره.
أما التحدي الآخر، فهو أن إسرائيل التي تقف وراء تأزيم قضية اللاجئين الفلسطينيين وتوسيع دائرة شتاتهم، هي ذاتها التي تحاول اغتيال «حل الدولتين»، عبر تبديل واقع الأساس المادي للدولة الفلسطينية المقترحة، الضفة الغربية. لقد تعرضت الجغرافيا السياسية للضفة إلى أكبر عملية تشويه مادي منذ احتلالها في العام 1967، حيث يقوم مشروع إسرائيل على القاعدة ذاتها «أرض أكثر وعرب أقل»، من خلال ضم أكبر مساحة ممكنة وما عليها من مستوطنات لإسرائيل وعزل الفلسطينيين في أضيق مساحة ممكنة، تكون أيضا محكومة بجملة من آليات السيطرة والفصل العنصري.
يتعلق الأمر أساسا بأن الحركة الصهيونية قد بنت دولة إسرائيل، ولكنها لم تنجز بناءها بشكل متعمد، تماما مثلما بنت الصهيونية «الأمة اليهودية» ولكنها لم تنجز بناءها بشكل متعمد أيضا. ومع أن «إسرائيل» تقوم بموجب المفهوم الصهيوني كـ «دولة قومية» لليهود، بيد أنها لم تشترط وجود الأمة قبل الدولة، بل رأت أن الدولة تثبّت الأمة. وربما كان ذلك خيارها الوحيد، بالأخذ بعين الإعتبار عدم وجود أمة تنبت على أرضها دولة. وهنا، تظهر العقدة التي أفرزتها الصهيونية بعد إقامة الدولة، وهي أن على إسرائيل و«الأمة اليهودية» أن تظلان قيد التشكل والبناء، باعتبارهما مشروعين غير مكتملين إلى الأبد. بل أن اسرائيل ظلت بلا حدود مُعرّفة، إنما حدودها أينما تصل أقدام جنودها، أو كما صرحت غولدا مئير عندما سئلت عن حدود إسرائيل: «عندما سنصل إلى الحدود سنخبركم».
أمام التجربة الأممية في التعامل مع فلسطين، والممارسة الإسرائيلية على الأرض، يأتي الاعتراف الأممي الأخير بدولة فلسطين. وهنا، أعتقد أن هذه الخطوة قد تحمل من المخاطر ما قد تخفيه الأجواء الاحتفالية التي يعمها التفاؤل والأمل. إذ على القيادة الفلسطينية توخي الحذر في الشروع بفتح «جبهات نضالية» متعددة في الأروقة الدولية، نحو اكتساب انتصارات ورقية، على شاكلة الاعترافات والإدانات والبيانات، والتي إن بقيت بلا سقف سياسي أو آليات تطبيق، وهي ستبقى كذلك، فإنها لن تحرز أي تقدم ملموس على الأرض، بل على العكس من ذلك. إن من شأن ذلك، تكريس الجهود الوطنية في غير مطرحها، فيما ستتقدم إسرائيل بالواقع على الأرض على طريق المزيد من قضم الأراضي الفلسطينية، وبالتالي جعل إقامة الدولة أصعب فأصعب.
يجب الحذر من التركيز على التفصيلات بمنأى عن المحاور الرئيسية للمشروع الوطني، المتمثلة بالعودة، تقرير المصير والاستقلال، وأن يأخذ الصراع شكل النزاع الحدودي بين «دولتين»، أو الشروع، بعد الاعتراف، بنضالات على حدود ومناطق وحواجز وغيرها، وكلها ستغيب الحقوق الجامعة والجماعية للشعب الفلسطيني. فالحديث مثلا عن «دولتين» أو بينهما يعطي مناخا قائما على التوازن بين طرفين، في حين أن إحدى هاتين «الدولتين»، قائمة وبعنف منذ العام 1948، وهي تحتل منذ 1967 مجمل مساحة فلسطين التاريخية أو تسيطر عليها، وترفض الالتزام بتطبيق قرارات الأمم المتحدة.

* باحث ورسام كاريكاتير يقيم في قرية شعب - عكا.