| 

ردت إسرائيل على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الاعتراف بفلسطين دولة مراقبة غير كاملة العضوية في الأمم المتحدة، بالإعلان عن بناء 3000 وحدة سكنية جديدة في المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية. كذلك، أعلنت أنها ستدفع مخططات بناء استيطاني في منطقة «E1» بين القدس والكتلة الاستيطانية «معاليه أدوميم»، وهي مخططات امتنعت إسرائيل عن تنفيذها في العقد الماضي بسبب ضغوط أميركية. وعقب رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو، على القرار وخطاب الرئيس محمود عباس (أبو مازن)، قبل التصويت على مشروع القرار، بالقول إن «العالم شاهد خطاب عباس الذي اتسم بالكراهية والحقد ضد إسرائيل وروج أكاذيب بشعة ضدها». واعتبر أن «قرار الجمعية العامة لا يحظى بأي أهمية وهو لن يغير شيئا على الأرض». وأضاف أن «دولة فلسطينية لن تقوم بدون تسوية تضمن أمن مواطني إسرائيل، ولن أسمح بإقامة قاعدة ارهابية إيرانية في يهودا والسامرة (أي الضفة الغربية) علاوة على القواعد الإيرانية التي أقيمت في غزة ولبنان».
يتعامل نتنياهو وجميع المسؤولين الإسرائيليين مع الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة على أنها «أحادية الجانب». وفي المقابل، يرفض نتنياهو المطلب الفلسطيني بوقف البناء الاستيطاني ليتسنى استئناف المفاوضات. ويعتبر نتنياهو أن استئناف المفاوضات يجب أن يتم من دون شروط مسبقة.
استبق نتنياهو التصويت في الجمعية العامة بالادعاء أن «يد إسرائيل ممدودة للسلام دائما»، لكنه أردف واضعا شرطا مسبقا لأي اتفاق بين الجانبين إنه «لن تقوم دولة فلسطينية من دون الاعتراف بدولة إسرائيل على أنها دولة الشعب اليهودي، ولن تقوم دولة فلسطينية من دون الإعلان عن نهاية الصراع، ولن تقوم دولة فلسطينية من دون ترتيبات أمنية تحمي دولة إسرائيل ومواطنيها». واعتبر أنه «لا توجد قوة في العالم تجعلني أساوم على أمن إسرائيل، ولا توجد قوة في العالم قادرة على فصل شعب إسرائيل عن أرض إسرائيل».
غير أن وزير خارجية إسرائيل، أفيغدور ليبرمان، ادعى خلال مداخلته في «منتدى صبان» في واشنطن، غداة التصويت على القرار الفلسطيني، بأن «حكومة اليمين الحالية (في إسرائيل) ملتزمة بحل الدولتين، ونحن ملتزمون بالاتفاقيات الموقعة للحكومات السابقة وإن كنا غير سعداء بها». وجاءت أقوال ليبرمان بعد إعلان إسرائيل قرارها بناء 3000 وحدة سكنية في مستوطنات القدس والضفة الغربية!

سيف ذو حدين

رأى رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق ورئيس «معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، عاموس يدلين، وسكرتير حكومة ايهود باراك، المحامي غلعاد شير، في مقالة مشتركة في الموقع الالكتروني للمعهد، أن «احتمال أن تُقدم الخطوة الفلسطينية ولو بقليل حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو احتمال ضئيل وحتى أنه قريب من الصفر. إذ بالإمكان تحقيق السلام والأمن بواسطة المفاوضات والعمل الشاق والتسويات المؤلمة والخطوات البناءة، وليس بواسطة التصويت في الأمم المتحدة وبتحسين المكانة والخطابات والمقابلات الصحفية. وهذا ينطبق على جميع الأطراف ذات العلاقة».
أشار الكاتبان إلى التخوف الإسرائيلي من الخطوة الفلسطينية، النابع من مواصلة انضمام فلسطين إلى منظمات ومؤسسات تابعة للأمم المتحدة، وبشكل خاص المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وأكدا أنه في هذه الحالة فإن «السوط» الفلسطيني من شأنه أن يمنع ويقيد أنشطة عسكرية إسرائيلية في المستقبل. وأضافا أن استخداما كهذا للمحكمة يمكن أن يتصاعد بشكل أخطر، لأنه سيكون بإمكان أي شخص، وأية منظمة، وليس الجهات الرسمية الفلسطينية فقط، أن تحرك إجراءات جنائية دولية ضد إسرائيل، وأن هذه الحالة «ستشكل دعامة أخرى في معركة نزع الشرعية عن دولة إسرائيل».
لكن يدلين وشير حذرا من أن استخدام المحكمة الجنائية الدولية هو سيف ذو حدين، وأنه «يمكن تقديم دعاوى ضد عباس نفسه والسلطة الفلسطينية بسبب جرائم حرب ارتكبتها حماس»، في إشارة إلى إطلاق الصواريخ من قطاع غزة على المدن والبلدات في جنوب إسرائيل. وأضاف الكاتبان أن القانون الدولي لا يمنح دولة الحق بتمثيل مجموعات أقلية ليست موجودة في أراضيها وإنما تعيش في أراضي دولة أجنبية، وأن حصول فلسطين على وضع «دولة مراقبة» في الأمم المتحدة وفي حدود العام 1967، يمكّنها من تمثيل الفلسطينيين الموجودين في هذه المنطقة، لكن هذه الوضعية الدولية تقيد بشكل كبير من تمثيل ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون خارج أراضي «الدولة الفلسطينية» وهم ليسوا مواطنيها. ووفقا ليدلين وشير، فإنه «قيل للرئيس عباس إنه واضح لنا كإسرائيليين، أن الحلم الصهيوني ببيت قومي للشعب اليهودي في دولته الديمقراطية يُملي حلا سياسيا للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ودولة فلسطينية منزوعة السلاح، وتمارس دورها ومستقرة إلى جانب إسرائيل هي مصلحة مشتركة لنا. ورغم أهمية الأمم المتحدة لكن احتمالات تحقيق السلام فيما بيننا أهم بكثير».

انتقادات إسرائيلية لنتنياهو

أجمع أبرز المحللين في الصحف الإسرائيلية الصادرة غداة قبول فلسطين دولة مراقبة ليست كاملة العضوية في الأمم المتحدة على توجيه الانتقادات لنتنياهو، وخاصة بعد فشل الدبلوماسية الإسرائيلية في مواجهة الخطوة الفلسطينية. فرأى المراسل السياسي لصحيفة «هآرتس»، باراك رافيد، أن «التصويت في الأمم المتحدة كان تحذيرا من جانب المجتمع الدولي لإسرائيل بشكل لا يقل عن كونه تظاهرة دعم للفلسطينيين. وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وايطاليا ودول صديقة أخرى وجهت رسالة إلى إسرائيل، تقول إن الصبر انتهى تجاه احتلال الضفة الغربية وأنها سئمت البناء في المستوطنات ولم تعد هناك ثقة بالتصريحات الإسرائيلية حول اليد المدودة للسلام والرغبة في التقدم نحو دولة فلسطينية».
وشدد رافيد على أن «الانهيار السياسي في الأمم المتحدة والهزيمة الدبلوماسية الإسرائيلية المهينة هي نتيجة للسياسة المثابرة التي انتهجها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو»، المتمثلة برفض «البحث بجدية في قضايا الحل الدائم وإهدار الوقت ووضع ذرائع وشروط مسبقة والامتناع عن طرح خطة سياسية إسرائيلية أمام الفلسطينيين وأصدقاء إسرائيل في الغرب». ورأى الكاتب أنه على أثر ذلك «تم جرّ نتنياهو ومعه الدولة كلها إلى التصويت في الجمعية العمومية للأمم المتحدة»، لكن «رئيس الحكومة لن يتحمل المسؤولية عن ذلك. ووزير خارجيته ليبرمان الذي شن حملة تحريض ضد محمود عباس إنما دفع بشكل كبير دولا إلى تأييد الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة».
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي الاقتصادي في صحيفة «يديعوت أحرونوت» سيفِر بلوتسكير أن «أمم العالم لم تصوت لمصلحة الفلسطينيين فقط وإنما صوتت لمصلحة إسرائيل أيضا، ومن أجل إسرائيل كدولة ذات سيادة ومستقلة ومنفصلة عن فلسطين والفلسطينيين. وبمنحها اعترافا بدولة الفلسطينيين، منحت الأمم المتحدة مرة أخرى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، اعترافها بدولة اليهود».
وأضاف بلوتسكير أن قرار الأمم المتحدة «ليس معاديا لإسرائيل إلا بنظر الإسرائيليين الذين يعارضون فكرة الدولتين». ورأى أن «العالم ليس ضدنا وغالبيته تؤيدنا. وبواسطة التصويت الجارف في الجمعية العمومية تسعى دول صديقة لإسرائيل إلى إنقاذها من نفسها، أو بشكل أدق من حكومتها، التي تدفع باتجاه «حل» الدولة الثنائية القومية، وهذه فكرة مهووسة وخطيرة ومعادية للصهيونية بكل تأكيد». وتوقع بلوتسكير أن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، سيطالب نتنياهو بدفع ثمن تصويت الولايات المتحدة ضد الخطوة الفلسطينية وأن «الضغوط الأميركية بدأت».
كذلك، رأى المحلل السياسي دان مرغليت، في صحيفة «إسرائيل اليوم» الداعمة لنتنياهو، أن «الدبلوماسية الإسرائيلية غطت في سبات خلال وردية الحراسة»، وأن ما تسميه إسرائيل بأنه «الأقلية الأخلاقية» في الأمم المتحدة المتمثلة بالدول الغربية «هربت إلى المعسكر الخصم الذي يؤيد الفلسطينيين». واعتبر مرغليت أنه كان يجب على إسرائيل أن تقول إن «السلطة الفلسطينية خرقت الاتفاقيات التي وقعت عليها، ولكن إسرائيل تعي الوضع الصعب الذي يواجهه أبو مازن في أعقاب تزايد قوة حماس في الشارع الفلسطيني على حساب القيادة في رام الله. وأمام هذه المعطيات، وعلى الرغم من أن إسرائيل ترفض هذه الخطوة، لكنها تبدي تفهما لمصلحة عباس بالحصول على قرار كهذا الذي لا يتعدى كونه حركة بهلوانية غايته الحفاظ على بقائه كزعيم لشعبه»، وأن على إسرائيل ألا تعارض الخطوة الفلسطينية وإنما الوقوف جانبا.
بدوره، كتب السياسي والصحافي المخضرم أوري أفنيري، الذي اخترق حصار بيروت في العام 1982 ليلتقي الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، إن قبول فلسطين في الأمم المتحدة كان «يوم فرح للشعب الفلسطيني ولجميع من يأمل بالسلام بين إسرائيل والعالم العربي، وبقدر من التواضع، كان يوم فرح شخصي لي أيضا».
ورأى أفنيري في مقالة نشرتها صحيفة «معاريف»: أنه «بنظرة أولية إلى القرار يبدو أنه لن يغير شيئا، ولكن بنظرة أولية وحسب. وما حدث هو أن المجتمع الدولي أكد رسميا الآن أن هدفه هو إقامة دولة فلسطين، وأن حل الدولتين بات الآن الحل الوحيد الموجود على الطاولة، وحل الدولة الواحدة، إذا كان موجودا أصلا، انقرض مثل الديناصورات». وحذر افنيري من أنه في حال عدم إجراء تغييرات على الأرض فإن «جذور الأبرتهايد (نظام التفرقة العنصري) ستتعمق وتتعزز، لكن النضال من أجل السلام، السلام الذي يستند على التعايش بين دولة إسرائيل ودولة فلسطين، تقدم خطوة هامة».

التعنت الإسرائيلي مستمر

انتخب حزب الليكود الحاكم في إسرائيل، مؤخرا، قائمة مرشحيه للكنيست التي سيخوض من خلالها الانتخابات العامة المقبلة، التي ستجري في 22 كانون الثاني المقبل. واحتل قائمة المرشحين هذه أعضاء الكنيست والوزراء الأكثر يمينية. بل أن زعيم الجناح الاستيطاني المتطرف في الليكود، موشيه فايغلين، وصل إلى مكان متقدم نسبيا في القائمة، يضمن دخوله إلى الكنيست. وفي المقابل، فإن قياديين في الليكود، مثل الوزراء دان مريدور وبيني بيغن وميخائيل ايتان، الذين يعتبرون «ليبراليين»، لم يصلوا إلى أي مكان مضمون في قائمة مرشحي الحزب.
وسيخوض الليكود الانتخابات المقبلة في تحالف مع حزب «إسرائيل بيتنا» الذي يتزعمه ليبرمان، من خلال قائمة «الليكود بيتنا». لذلك، فإن تركيبة هذه القائمة ستكون مؤلفة من مرشحين يمينيين متطرفين. وتحدثت تقارير صحافية إسرائيلية عن أن تركيبة القائمة أثارت فزع نتنياهو نفسه. وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن تركيبة قائمة «الليكود بيتنا» فاجأت قادة حزبي «البيت اليهودي» و«الوحدة القومية» اليمينيين المتطرفين، الذين باتوا يتخوفون من تسرب أصوات الناخبين لهذين الحزبين إلى قائمة «الليكود بيتنا».
وفيما تشير التوقعات واستطلاعات الرأي الإسرائيلية إلى أن نتنياهو سيشكل الحكومة المقبلة، فإنه يتوقع أن تكون الحكومة الجديدة مختلفة نوعا ما عن الحكومة الحالية. ستكون هذه حكومة يمينية أكثر تطرفا. وقد بدأ تأثير قائمة الليكود الجديدة على نتنياهو. إذ أشار موقع «يديعوت أحرونوت» الالكتروني إلى أن نتنياهو قرر بناء 3000 وحدة سكنية استيطانية في أعقاب نجاح الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة، بعد أن أخذ بعين الاعتبار وتخوف من رد فعل المرشحين في قائمة الليكود واقتراب موعد الانتخابات للكنيست.
إضافة إلى ذلك، فإنه لا يبدو أن إسرائيل ستتأثر من تعمق عزلتها السياسية والدبلوماسية في الحلبة الدولية. فهي معتادة على عزلة كهذه. وخلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى تعرضت إسرائيل لعزلة واسعة، لكنها تمكنت من الخروج منها. وفي هذه الأثناء، وخلال حملته الانتخابية، وفي حال شكل الحكومة اليمينية المقبلة، فإنه ليس ثمة من يتوقع أن يغير نتنياهو سياسته وإنما ربما سيشددها أكثر.
مع أن الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة وجهت ضربة سياسية لإسرائيل، إلا أنها مجرد ضربة خفيفة، خاصة بعد أن أعلن عباس أنه لن يتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في حال عدم وجود اعتداء عسكري إسرائيلي! وبذلك أفقد الخطوة الفلسطينية زخمها حاليا. وفي المقابل، فإن إسرائيل ستستخدم الأدوات التي بحوزتها لمعاقبة السلطة الفلسطينية. وكان الاستيطان هو الأداة الأولى. لكن هناك أدوات أخرى، مثل إلغاء اتفاقيات وتجميد تحويل أموال الضرائب والجمارك وتقييد حرية تنقل القيادة الفلسطينية، التي لن يتردد نتنياهو في استخدامها. كذلك، فإنه سيعود إلى موضوع محاربة البرنامج النووي الإيراني على الأجندة المحلية والدولية في محاولة لصرف الأنظار عن القضية الفلسطينية.

* صحافي فلسطيني مقيم في مدينة الناصرة.