| 

«وردٌ إذا وردَ البحيرة شاربا... وردَ الفراتَ زئيرُه والنيلا»، هكذا وصف المتنبي أسدا ورد ليشرب من مياه بحيرة طبريا، وقيل إن المتنبي سكن طبريا ثلاثة أعوام في ضيافة بدر بن عمار، واستوحى من بحيرتها وكنائسها ورهبانها أجمل الأشعار. وقد اعتبرت طبريا ـ ولا تزال ـ من الأماكن المقدسة للمسيحيين في العالم، وهي أرض قدّسها السيد المسيح بقدميه، واختار منها أربعة من تلاميذه، كانوا من صيادي الأسماك، إذ قال لهم: «سأجعلكم صيادي الناس»، ويقصد «خداما يجذبون النفوس».
بعد أن أحرق تيطس القدس سنة 70 بعد الميلاد، وحرّم على اليهود الدخول والسكن فيها سمح لهم بالإقامة في طبريا، فاستقر فيها أحبارهم، وعلماء دينهم، حتى أصبحت طبريا مركزا لتعليم الدين اليهودي، وفيها جُمعت أسفار التلمود. لذلك فهي تعتبر من البلاد المقدسة لدى اليهود. واعتبر «الرامبام» (موسى بن ميمون) بلا منازع الشخصية اليهودية ـ التوراتية الأكثر شهرة في التاريخ اليهودي، فأهم مرجع لدى اليهودية هو تلميذ لفلاسفة مسلمين، «أبو عمران»، وقد دفن في طبريا بحسب وصيته، وضريحه موجود فيها حتى الآن.
ازداد عدد اليهود في طبريا في القرن الثامن عشر بعد أن قام القائد الفلسطيني ظاهر العمر الزيداني بالتصدي للإمبراطورية العثمانية، وكانت طبريا إحدى المدن التي خضعت لسيطرته، حيث دعا رجل الدين اليهودي «حاييم أبو العافية» للسكن في طبريا التي وصل عدد سكانها حتى عام 1948، إلى اثني عشر ألف نسمة، ستة آلاف من اليهود وستة آلاف من العرب. وكانت أول مدينة فلسطينية رئس بلديتها يهودي يدعى (زكي الدحايف).
يقول جبرا دياب قردحجي، البالغ من العمر 85 عاما، الذي تم تهجيره مع بقية الفلسطينيين من طبريا عام النكبة لينتقل إلى السكن في الناصرة: كنا دائما جنبا إلى جنب، وعشنا بحب وأمان، اليهود، المسلمون والمسيحيون، جمعينا كنا عربا أصلا، اليهود الشرقيون آنذاك كانوا عربا بكل معنى الكلمة، جميعهم تكلموا العربية، عاداتهم وتقاليدهم كانت كعاداتنا بالضبط. في تلك الحقبة لم تكن تستطيع أن تفرق بين اليهودي والعربي. ففي الأعراس كنا نشارك بعضنا البعض، (يتذكر ويبتسم) لقد كان لدى اليهود آنذاك مطربون يحيون حفلات أعراسنا، فهذه الحقبة لا يمكن لها أن تعود في ظل الاحتلال الإسرائيلي. تخيل أننا كنا كفتيان نذهب إلى «الحمة السورية» وما كنا نعرف أنها تابعة لسوريا أصلا، كنا نعتقد أنها جزءٌ من طبريا، رغم أنه كان يديرها شخص سوري يدعى ناصيف بيك. لقد كانت في طبريا دار عرض للأفلام السينمائية العربية، يمتلكها شخص يهودي، وحتى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب زارا طبريا وغنيا فيها.
ويضيف قردحجي: طبريا من أجمل مدن فلسطين، فليت الزمان يعود يوما، لقد كنت ترى معظم سكان المدينة، شبانا وفتيات، رجالا ونساء، يمشون ويتسامرون على البنط (الشاطئ) على حافة البحيرة في ساعات الغروب، أو يجلسون في المقاهي والمطاعم على جانب البنط. لقد كانت طبريا مدينة مزدهرة، وكان فيها مؤسسات فلسطينية مهمة، مثل المدارس، مستشفى، بنك الأمة العربية لصاحبه صدقي الطبري، وكانت مليئة بالخيرات، فكان في البحيرة 22 صنفا من الأسماك، وكان شحادة الخوري يشتري الأسماك من كافة الصيادين ويوزعها في كل أرجاء فلسطين.

حارة اليهود الاشكناز

كما في التاريخ تتوالى الأحداث، كذلك تاريخ البحيرة، أو طبريا، يتوراى ليصبح واقعا وتاريخا أليما كما هو الحال عليه اليوم. لم يعد السلام يعم في بلد تلاميذ المسيح، ولم يعد شعراء العرب قادرين على زيارة البحيرة ليستوحوا منها أشعارهم، كما فعل أبو الطيب، ولا حتى أطفال سوريا وفلسطين يستطيعون السباحة من دون هواجس في حمّتهم، فيغتصب الوطن، والأرض المقدسة باسم الصهيونية اليهودية، كما يقول قردحجي: لم تكن طبريا مقسمة لحارات طائفية، لقد كانت البيوت متاخمة لبعضها البعض إلى جانب البحيرة، إلا أنه في بداية الأربعينيات من القرن الماضي، سكنت مجموعة من اليهود الاشكناز، بعيدا عن البحيرة في أعلى سفح الجبل، وسرعان ما توسعت حارة اليهود الاشكناز، الذين لم يتفاهموا مع السكان العرب، وانزووا فيها حتى ازداد عددهم ليطلقوا علينا شيطانهم. بعد قرار التقسيم في 29/11/1947 صار العرب يبحثون عن السلاح الذي لم يكن بحوزتهم، كونهم عاشوا بأمن وأمان. بحثنا عن السلاح في حينها ليس لنحارب، بل لندافع عن أنفسنا إذا اعتدي علينا، فأرسلت إلينا من دمشق إلى طبريا 25 بندقية، ومن ثم بعدها بأشهر وصلت 36 بندقية أخرى مع كمية قليلة من الذخيرة. وكان عدد الثوار والمقاتلين العرب خمسين مقاتلا فقط، من دون عتاد كاف، مقابل ألف يهودي مزودين بأسلحة حديثة ومدافع الهاون. طلب العرب في طبريا المساعدة، فتطوع أهالي طبريا وبعض أهالي المنطقة من قرى قضاء طبريا، حتى أصبح عددهم مئة مقاتل.
في أوائل نيسان/ ابريل عام 1948 تألفت لجنة قومية عربية قامت بتدبير شؤون الدفاع عن العرب، وانتخبت كامل الطبري ليكون رئيسا للجنة، ويقول قردحجي: لقد رفع هذا الروح المعنوية لدى الفلسطينيين العرب، وزادها قوة وصول عدد من المقاتلين من دمشق يقودهم مناضل طبراني اسمه صبحي شاهين ومعهم بعض الرشاشات الخفيفة ومدفع هاون واحد.

احتدام القتال بين العرب واليهود

في 11/4/1948 بدأ قتال عنيف بين العرب واليهود، استمر لغاية 14/4/1948، وكان العرب متقدمين على اليهود رغم قلة عددهم، وكانت مواقع اليهود القتالية في الجهة العليا للمدينة، والعرب في الجهة السفلى، موقع سكن كل من العرب واليهود الشرقيين. ويقول قردحجي: استمر القتال أربعة أيام متتالية ليلا ونهارا، إلا أنه في اليوم الخامس، بتاريخ 15/4، استدعى القائد البريطاني (إيفانس) وجهاء العرب، ومنهم السيد صدقي الطبري، صاحب بنك الأمة العربية، ورئيس بلدية طبريا اليهودي شمعون دهان، وأحضرهما بسيارة الجيش البريطاني إلى أحد قادة الجيش البريطاني في فلسطين عند الساعة الحادية عشرة ليلا، وقال هذا القائد لهما بلهجة قاسية جدا «نحن مسؤولون عن الأمن في البلد لغاية 15 أيار، ولن أسمح بحدوث مثل هذه الاضطرابات، اذهبا وأبلغا العرب واليهود هذا الكلام، وإذا سمعت طلقة واحدة من أي مكان فسأضرب ذلك المكان بالمدفعية».
وفي صباح اليوم التالي، كما يروي قردحجي، «تم إبلاغ العرب واليهود بطلب الضابط البريطاني، وطلب العرب مساعدة من الناصرة فحضر بعض المقاتلين احتياطا إذا لزم الأمر، وكان يقودنا في تلك الفترة قائد من الجيش الأردني اسمه (محمد العورتاني) وهو طبراني الأصل، وقام اليهود بهجمات محدودة صدها المقاتلون العرب الذي أبلوا بلاءً حسنا، ووقفوا سدا منيعا في وجه المقاتلين اليهود وردوهم على أعقابهم».
وفي ليلة 15/4 قامت قوات «الهاغانا» الإرهابية بشن هجوم كبير بمشاركة 400 إرهابي يهودي واستمر القتال حتى اليوم التالي، إلى أن تدخل الإنكليز وفرضوا منع التجول على طبريا برمتها. ويضيف قردحجي: قبل أن تنتهي مدة الهدنة، شنت المنظمات الإرهابية اليهودية هجوما مركزا على الأحياء العربية، واشتد القتال حتى تغلب اليهود على العرب المدافعين عن أحيائهم، واحتل اليهود فندق الجليل العربي الشاهق في حينها، ومعظم البنايات العالية، وسيطروا على جزء كبير من الأحياء العربية، لكن المقاومة لم تتوقف رغم نقصان الذخيرة. هكذا سقطت طبريا، ولم يحرك البريطانيون ساكنا، ودخل اليهود كل أحياء طبريا وأصبحت صهيونية برمتها.

لم يبق عربي في طبريا

وينهي جبرا قردحجي حديثه قائلا: كان قد دب الرعب فينا بسبب المذابح التي ارتكبها اليهود في قرية ناصر الدين في أعلى الجبل في طبريا، كما أحرقوها، ثم أن ما جرى في دير ياسين أثر فينا ودب الرعب بالناس، مما مهد لمغادرة العرب للبلد بسرعة، وقد أحضر الإنكليز أكثر من عشرين سيارة وباصا من الجيش الانكليزي، وابتدأ ترحيلنا إما للناصرة أو إلى الأردن عن طريق جسر المجامع في سمخ. هكذا وضع الطرفان، الإنكليز واليهود، خطة تهجير العرب وتفريغ طبريا من الفلسطينيين، ولن أنسى ذلك المشهد حين كان السكان اليهود يقفون بجانب الطرقات يضحكون ويؤشرون بأصابعهم بشارات قذرة، واندفعوا إلى بيوت العرب ينهبونها من أثاث ومؤن. وفي 19/4 سلم البريطانيون اليهود مدينة طبريا قبل انتهاء الحكم البريطــاني بـ 26 يوما، فكانت أول مدينة يسلمها الإنكليز لليهود زمـــن حكمهم الظالم، ورفضوا أن يبقى أي عربي في المدينة، ونـــحن الذين بقينا في فلسطين ولم نغادرها، حرمنا من أملاكنـــا في طبريا بسبب قانون «حاضر غائب»، أي أنك في «اســـرائيل» حاضر ولكن في مكان سكناك في طبريا أنت غائب، لذلـــك لا يحق لك استعادة أملاكك حتى أجل غير مسمى (يضحك بسخرية).
فور احتلال طبريا والبحيرة هدم جزء كبير من المباني العربية في المدينة. وبحسب الرواية الإسرائيلية، فقد تم هدم 477 مبنى، منها مسجدان، من أصل 696 مبنى، خشية عودة الفلسطينيين إلى مدينتهم، في سياق عمليات التطهير العرقي واسعة النقاب خلال فترة النكبة.

* صحافي فلسطيني مقيم في حيفا.