| 

يواصل علماء آثار عرب وأجانب من سلطة الآثار والجامعة العبرية الكشف عن معالم العصر الذهبي الذي بلغته مدينة طبرية الفلسطينية في العهود الأموي العباسي والفاطمي، ومن ضمنها آثار أكبر مسجد تاريخي في فلسطين. وتؤكد الباحثة البرازيلية د. كاتيا تسيترين ـ سيلبرمان، المحاضرة في الجامعة العبرية بالقدس، أنها توظف جهدا كبيراً لاكتشاف آثار مسجد ضخم في جبل «بيرنيكي» غرب بحيرة طبرية، يعود بناؤه إلى القرن الثامن، تزيد مساحته على 7 آلاف متر مربع ويتسع لآلاف المصلين. وتشير كاتيا إلى أن تصميم مسجد طبرية مشابه جدا لمسجد بني أمية الكبير في دمشق، الذي بني في القرن نفسه وما زال مفتوحا، وهو يشبه مسجدا آخر أصغر مساحة، كُشف عنه في تنقيبات جرش الأثرية في الأردن. وتضيف: المسجد الكبير دليل إضافي على كون طبرية مدينة إسلامية مركزية في بلاد الشام، وتتابع: لا شك في أن طبرية عرفت عصرها الذهبي وبلغت أوجها كمركز روحاني وتجاري في تلك الفترة الإسلامية، فالآثار العمرانية تعكس ذلك.

طبرية الإسلامية

تؤكد كاتيا المختصة بالآثار الإسلامية، وخاصة تخطيط المساجد، أنها فكّت لغز آثار عمارات قديمة في طبرية، واكتشفت حقيقة كونها إسلامية، وطالما اعتقد علماء آثار إسرائيليون «خطأ» أنها بيزنطية. وتميل أوساط في سلطة الآثار الإسرائيلية عادة إلى تجاهل الفترات الإسلامية، وتعنى في حفرياتها بالفترات الرومانية - البيزنطية واليهودية. أما كاتيا فتؤكد إن موضوع الآثار الإسلامية، في تصاعد في البلاد والعالم مقارنة مع الآثار الأخرى. وتتابع: قبل مدة زارنا عالم آثار أميركي بارز ومكث هنا طيلة عام، وحينما سئل عن ذلك قال «الآثار الإسلامية متعة كبيرة». وتضيف أن «مجال الآثار الإسلامية يتطور ويمكن التطلع للمزيد، حاليا يدرس كموضوع اختصاص مستقل في الجامعة العبرية منذ ثمانينيات القرن الماضي»، مرجحة أن تحذو مؤسسات أكاديمية أخرى حذوها.
يعبر «دوف عنتيبي»، وهو طالب آثار يهودي من حيفا يشارك في التنقيبات، عن أمله بأن تحافظ السلطات الإسرائيلية على المكتشفات الأثرية من الفترة الإسلامية في طبرية على غرار الآثار البيزنطية، ويقول: بلغنا مرحلة من النضج والثقة بالنفس، ينبغي أن تتيح لنا انفتاحا أكبر على الآثار الأخرى، بدلا من الاهتمام الحصري بآثار تعزز حقنا التاريخي كيهود في البلاد، حسب تعبيره.

مساجد ومعالم وكنوز

طبرية هي أول مدينة فلسطينية تم تهجيرها خلال النكبة عام 48، وتمتاز بكثرة آثارها الإسلامية، ويكابد معظمها الطمس والهجران كمقام «الست سكينة»، وقد نجا مسجدان فيها من الهدم، هما مسجد ظاهر العمر ومسجد البحر. وفي مقابل آثار المسجد التاريخي، كشفت التنقيبات المتواصلة عن كنيسة قديمة، وهذا برأي الباحثة كاتيا دليل كبير على تسامح الإسلام والمسلمين في طبرية، وتتابع: في تلك الفترة عاش يهود أيضا في طبرية، ولهم آثار فيها، ما يجعلها أكثر مدن الشرق تسامحا عبر العصور. وتدلل كاتيا على رسوخ ثقافة التسامح في طبرية خلال العصور الإسلامية بالإشارة إلى حجيج مثقفين وعلماء مسلمين للمدينة، من أجل التعلم فيها، وتضيف: هناك مؤشرات أخرى على ثراء وازدهار طبرية وقتها، منها مقطوعات من الحُصر الفاخرة صنعت فيها، وتحفظ اليوم في متحف «متروبوليتان» في نيويورك. وتقول إن زملاء لها أجروا حفريات في طبرية، واكتشفوا فيها كنوزا من عملات نقدية ذهبية وجواهر، وتتابع: بحوزتنا دلائل متنوعة على الثراء الروحاني والمادي لمدينة طبرية الجميلة والممتازة بتعدد ثقافاتها وتسامحها.

الهزة الأرضية

تسعى هذه الباحثة لتعزيز رؤيتها بالإشارة للعلامة الجغرافي المقدسي من القرن العاشر، الذي وصف ازدهار الحياة الثقافية في المدينة، وتشير إلى أن المسجد الكبير الذي جسّد رمز عظمة طبرية صمد 330 سنة حتى انهار نتيجة هزة أرضية في العام 1068، فيما استغرق المدينة وقت طويل بعد ذلك للنهوض مجددا.

أسس بيزنطية وتخطيط مدني

تقول الباحثة كاتيا: حان الوقت لنعترف بالثقافات والحضارات الأخرى بدلا من الاهتمام فقط بثقافات وحفريات تثبت وجود اليهود في البلاد. ويذكر أن حفريات أثرية كشفت معالم كثيرة في طبرية التي فتحها العرب المسلمون عام 13 للهجرة (634 م) بقيادة شرحبيل بن حسنة، قد بنيت على أسس أثرية بيزنطية.
يقول الباحث الأثري وليد أطرش: إن العباسيين أعادوا بناء مدينة طبرية بعد أن تهدمت جراء هزة أرضية مدمرة وقعت في الثامن عشر من كانون الثاني/ يناير عام 749 ميلادية، وهي الهزة التي هدمت بيسان وأصابت مدنا أخرى كالقدس، نابلس وصفد. ويوضح وليد أطرش، المشرف العلمي على الآثار في «لواء الشمال»، أن طبرية في العصر الإسلامي شكلّت عاصمة جند الأردن، وشهدت ازدهارا استثنائيا في العهد العباسي من الناحيتين، الكمية والكيفية، لكنها بلغت أوجها في الفترة الفاطمية. ويتابع: شكّلت طبرية عاصمة جند الأردن، ومركزا تجاريا ثقافيا وسياسيا للمنطقة لوفرة المياه فيها ولقربها إلى بيسان عاصمة البلاد في العصر البيزنطي، ولسهولة المواصلات إليها. ويستذكر أطرش أن الخليفة العباسي هارون الرشيد، ومن بعده نجله المأمون، كان أول من بدأ بالثورة العمرانية بشكل عام، وفي طبرية على وجه الخصوص، لافتا إلى اكتشاف عشرات الدنانير الذهبية التي تحمل اسمه خلال التنقيبات. ويضيف أن الحفريات «تكشف عن بناء أحياء على مستوى عال من التخطيط المدني في طبرية، التي قدر عدد سكانها في نهاية العصر الفاطمي بنحو ثلاثين ألف نسمة».
استنادا الى الموجودات الأثرية، يقول أطرش، إن الأحياء السكنية بنيت وفق تخطيط مدني راق، وداخل كل بيت كانت تقوم ساحة مركزية وحديقة ونافورة مصنوعة من الخزف أحيانا. كما أن أرضيات المنازل بنيت من عدة طبقات رخامية، مما يدلل على ترميمها في الفترتين العباسية والفاطمية، رغم أن الفصل الزمني بين الفترتين عملية غير يسيرة.
واكتشفت الحفريات الأثرية آثار برك مائية، وحجارة رحى، وأواني فخارية وخزفية وزجاجية ومصابيح زيتية عباسية وفاطمية. وللتدليل على التطور المعماري في تلك الفترة، ينوه أطرش إلى شبكة تصريف مياه عادمة بنيت من الحجارة البازلتية، إضافة لمجمعي ماء كبيرين حفرا على شكل جرس.
كذلك، تم اكتشاف موجودات مسيحية تدل على إقامة مسيحيين في المدينة العباسية. كما يتواصل التنقيب عن آثار بيزنطية في طبرية بعد اكتشاف أجزاء هامة من بناء المسرح المركزي في المدينة «الأوديتوريوم». وفي مدينة طبرية التي تمتاز بينابيعها الساخنة أيضا، تم اكتشاف آثار لحمامات عامة في عدة أماكن، تعود إلى حقب تاريخية مختلفة. وحتى اليوم، ما زالت تعمل حمامات ساخنة شيّدها إبراهيم باشا في القرن التاسع عشر الميلادي.
غ. ك.