| 

ثمانية أيام من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة قابلتها ثمانية أيام انتفاضة شبابية ضد الاحتلال في الضفة الغربية. توحدت الضفة والقدس مع القطاع في مواجهة العدوان الغاشم. وبمجرد سقوط صورايخ الطائرات الإسرائيلية الأولى على قطاع غزة سرعان ما تحول الاحتقان الناجم عن الخنق السياسي والاقتصادي والاذلال المعنوي للشعب الفلسطيني إلى صدامات مع الجنود على حواجز الاحتلال. لم تتوقع سلطات الاحتلال فتح جبهة مقاومة شعبية في الضفة الغربية، فقد اعتقد جنرالات الحرب أن الشعب في الضفة الغربية غير مهيأ للانتفاض، لأنه محبط ويائس من تنظيماته وقادته، ومنشغل بأموره الحياتية ولا شيء غيرها. لكن هذا التقدير انهار تماما كما انهارت قبل ذلك تقديرات أخرى.
الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة جاءت امتدادا لحرب السيطرة الاسرائيلية على 60% من أراضي الضفة الغربية وتهويد مدينة القدس وضمها، ومضاعفة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وتحطيم مقومات الانفصال والاستقلال عن دولة الاحتلال وبناء الدولة الفلسطينية. لقد أغلقت حكومة نتنياهو جميع أبواب حل الدولتين ونوافذه، ومضت في فرض حل الفصل العنصري «الابرتهايد» في الضفة. وأرادت من حربها على قطاع غزة تثبيت فصله عن الضفة الغربية ومحاولة ربطه أو إذابته بمصر، وتحقيق برنامج نتنياهو ليبرمان أي تدمير الحل السياسي الذي تقبل به أكثرية الشعب الفلسطيني، واحتكار التصرف بالقضية الفلسطينية بما يؤدي إلى تصفيتها في المدى المتوسط. وكل ذلك يتم بتأييد أميركي وصمت دولي وعلى سمع وبصر النظام العربي الجديد القديم.

مهمات وطنية مشتركة

غير أن صمود قطاع غزة في وجه العدوان واندلاع المقاومة الشعبية ضد الاحتلال في الضفة الغربية، وتوحد الشعب الفلسطيني وحركته السياسية ضد العدوان والاحتلال، أفضى إلى نتائج سياسية ايجابية مهمة يمكن البناء فوقها. فقد عزز صمود قطاع غزة من امتناع القيادة الفلسطينية عن توفير الغطاء الفلسطيني لسياسة تعميق الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية عبر المفاوضات. ومن ناحية أخرى، دعم صمود المقاومة في قطاع غزة، محاولات كسر الاستفراد الإسرائيلي في فرض الحل العنصري الكولونيالي للقضية الفلسطينية، ومحاولات كسر الاحتكار الأميركي للوساطة المنحازة بشكل كامل للمواقف الإسرائيلية. وتلك انجازات مهمه رغم انها لا تزال في بدايتها.
دانت قيادة منظمة التحرير وقيادة حركة فتح العدوان وباركتا لحركة حماس ولفصائل المقاومة صمودها ونجاحها في دحر العدوان. وفي مقابل ذلك، أيدت «حماس» طلب رفع مكانة فلسطين إلى دولة بصفة مراقب في الأمم المتحدة. موقفان ايجابيان عززا وحدة «فتح» و«حماس» والتنظيمات الأخرى أثناء العدوان، وعززا وحدة الموقف والقرار الفلسطينيين أثناء تقديم مشروع القرار حول عضوية دولة فلسطين، كدولة مراقبة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. لأول مرة تتقارب الحركتان في قضايا الشأن العام. لأول مرة يصبح انجاز «حماس» ليس خسارة لـ«فتح» وبالعكس. تقارب من هذا النوع يمهد الطريق لاستعادة الوحدة الوطنية. ثمة حاجة ملحة لرأب الصدع وتوحيد الجهود من أجل الاضطلاع بمهمات وطنية مشتركة من نوع: 1- إعادة طرح مشكلة الاحتلال على رأس الأجندات الفلسطينية والعربية والدولية، بعد أن جرى وضعها على هامش تلك الأجندات طوال الأعوام الثلاثة الفائتة. 2- الدفاع عن مدينة القدس التي تتعرض للتهويد بوتائر متسارعة. 3- التصدي لنهب أرض الأغوار وسرقة المياه، ولمضاعفة أحجام ومساحات وعدد المستوطنات واستمرار نقل وتوطين المستعمرين على الأرض الفلسطينية المستباحة. 4- التصدي للمسعى الإسرائيلي الرامي الى فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، لاسيما أن استمرار حصار قطاع غزة يأتي من أجل تثبيت الفصل. 5- إعادة الاعتبار للديموقراطية والاحتكام للشعب في بناء مؤسسات السلطة ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.

ديناميات التغيير بين التعطيل والتشويه

رهنت حركة فتح برنامجها منذ التوقيع على اتفاق أوسلو بالحل السياسي الذي قد تتمخض عنه المفاوضات. ولم تطرح بديلا في حالة إخفاق الحل. الارتهان لم يقتصر على الحل الموعود، بل شمل الشأن المالي للحركة الذي يعتمد على الدعم الخارجي، وشمل نقل مركزها القيادي - اللجنة المركزية والمجلس الثوري- داخل الضفة الغربية مكشوفا تحت رحمة سلطات الاحتلال. علاقة حركة فتح بالسلطة جسدت سياسة المقامرة بالتنظيم في الخيار الواحد والبرنامج الواحد والأسلوب الواحد، وبالاعتماد على دعم الآخرين. أمام إخفاق الحل السياسي وتراجع الشركاء وتوقف المساعي الدولية وتراجع الدعم المالي، وجدت قواعد تنظيم «فتح» مع مناضليها داخل السجون الاسرائيلية نفسها في شروط صعبة ومعقدة، في الوقت الذي امتلكت فيه النسبة الأكبر من الهيئات القيادية خطوط رجعة فردية، ما يوضح الانفصال بين القيادة والقاعدة. أصبح وضع «فتح» تحت رحمة سلطات الاحتلال. ولم يبق بيد قيادتها غير اللجوء للإضراب المحدود احتجاجا على السياستين الأميركية والاسرائيلية، كاشتراط العودة للمفاوضات بوقف الاستيطان، والذهاب إلى مجلس الأمن والجمعية العامة لطلب عضوية فلسطين الدائمة أو المراقبة، وما كان لهذا الاضراب أن ينجح من دون قاعدة «فتح»، ومن دون التأييد الشعبي الفلسطيني للموقف الذي يعارض أميركا وإسرائيل على طول الخط. السلاح الآخر الذي تعتقد القيادة انها تملكه هو سلاح حل السلطة، وبشكل خاص الأجهزة الأمنية. هذا التكتيك سلاح ذو حدين قد تستخدمه أيضا سلطة الاحتلال، بنقل السلطة لأطراف متعاونة أو متوافقة مع سلطات الاحتلال على قواعد اللعبة. كما نرى فإن تنظيم «فتح» لا يزال يملك دينامية الفعل في سياق سياسة الحل والمناورات التي تستهدف تحريكه، لكنه لا يملك دينامية الانتقال إلى خيار بديل عنفي (مقاومة مسلحة) أو بديل غير عنفي (مقاومة شعبية).
امتلكت حركة «حماس» استراتيجية تعطيل الحل السياسي «أوسلو»، وفي الوقت ذاته امتلكت ديناميات السيطرة على المجتمع وبسط سلطتها عليه في إطار ايديولوجية دينية - فوزها في الانتخابات -. وكل ذلك تحقق باستخدام سلاح المقاومة الذي أعادت له «حماس» بريقه بعد أن انطفأ. لكن الحركة لا تملك استراتيجية مقاومة بديلة لاستراتيجية التفاوض. وعدم امتلاكها البديل يعني أنها ذاهبة إلى استراتيجية التفاوض ولكن بطريقتها الخاصة وبأهداف تلك الاستراتيجية مع تعديل في الشكل كأن يستبدل الاعتراف بإسرائيل بهدنة طويلة الأمد. إن تجربة حكم الإسلام السياسي في مصر والتزامه باتفاق كامب ديفيد وبعلاقات التبعية السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة توضح المدى الذي ستذهب إليه حركة حماس فرع الاخوان - في حالة نجاحها في حسم السيطرة على السلطة الفلسطينية. افتقاد الحركة لاستراتيجية بديلة أوصل الوضع الفلسطيني إلى حالة من الجمود والمراوحة في الاستقطاب إلى المستوى الذي جعل استبدال الاتجاه المركزي في الحركة السياسية من بيروقراطية حركة فتح الى حركة حماس الصاعدة متعذرا أو مأزوما. ليس هذا وحسب، بل إن تحول «حماس» إلى العسكرة بطريقة المواجهة - غير المتكافئة مع جيش الاحتلال المحترف المالك لأسلحة متطورة، عزل العمل العسكري المقاوم عن المشاركة الشعبية الواسعة في المقاومة، وحول الجماهير إلى دور المصفق للمقاومة لا المشارك بها، وأضعف، بل منع، حدوث استقطاب من خارج اللون السياسي للفصيل المسلح. وقد أدى ذلك إلى إفقاد المقاومة الشعبية مضمونها الديموقراطي، وإلى تحويل المقاومة من أسلوب تحرر وطني شعبي إلى مواجهة منعزلة يقودها تنظيم شمولي ويستخدمها في حسم السيطرة الداخلية.

اليسار

قوى اليسار تحركت في أثناء العدوان بفاعلية، أكان ذلك بمشاركتها في المقاومة المسلحة عبر قطاع غزة أو بالمشاركة في المقاومة الشعبية في الضفة الغربية. وكان التحرك الشبابي الفاعل والشجاع الذي يضم المنظمين وغير المنظمين له حضوره المميز. غير أن المقاومة المسلحة لتنظيمات اليسار لم تشكل نموذجا مغايرا، سواء لجهة امتلاك استراتيجية بديلة للتفاوض، أو استراتيجية بديلة للعسكرة والمواجهة، أو استراتيجية للمقاومة الشعبية. أي أن هذه التنظيمات لم تخلق استقطابا ثالثا يترك بصماته على الوضع الفلسطيني ويؤسس للخروج من المأزق. وفي المحصلة الأخيرة، ثمة اصطفاف للبعض مع حركة فتح واصطفاف للبعض الآخر مع حركة حماس. وكان لافتا استعارة البعض شعارات العسكرة التي ترددها حركة حماس. القوى الشبابية المستقلة والمنتمية للتنظيمات بقيت موزعة الانتماء والتأثر، ويغلب عليها الارتجال وردة الفعل والخضوع للمزاج العام «الشعبوي»، واحتفلت بـ«الانتصار» ولم تمارس النقد لاتفاق التهدئة الجديد، ولا لاستفراد «حماس» في ابرامه. ينطبق على حالة المعارضة من الاتجاه الثالث قول غرامشي «يدخل المجتمع في أزمة عضوية حين يلف العجز السلطة والمعارضة معا». لكن الحرب الإسرائيلية على الوجود الفلسطيني لا تحتمل أن يستفيق. لقد توحد الشعب والتنظيمات ضد العدوان على مدار ثمانية أيام. توقف اطلاق النار والحرب الإسرائيلية لم تتوقف. توقف اطلاق النار ولم يحدث تقييم لما جرى من قبل الذين انخرطوا في مقاومة الاحتلال. ما يمكن قوله إن استعداد الشبان والشابات للانخراط في استراتيجية نضال بأهداف أعلى بكثير من قدرة التنظيمات على الاستيعاب. ولكن لا يزال الانتفاض والتغيير الداخلي تحت سقف التنظيمات.

* كاتب مقيم في رام الله.