| 

كان يوسف نحماني (أغرونوفسكي سابقًا) من أبرز الشخصيات الصهيونية التي ارتبط اسمها بمدينة طبريا، وخصوصًا في كل ما يتعلق بعملية تهويدها، وتحضير الأرضية لتهجير سكانها. وتعتبره الرواية الصهيونية الرسمية بمنزلة «رأس حربة» للمشروع الاستيطاني في فلسطين، بصفته مسؤولا في منظمة «هشومير» قبل الحرب العالمية الأولى، وواحدًا من كبار مؤسسي منظمة «الهاغناه» وقادتها، ومديرًا لمكتب «الصندوق القومي» (كيرن كييمت) في طبريا والذي تولى المسؤولية عن شراء الأراضي وإنشاء البنى التحتية للمستوطنات اليهودية في منطقة الجليل الشرقي.
وقفت عملية امتلاك الأراضي من أجل «الاستيطان والأمن» ـ وهما ركنان أساسيان للمشروع الصهيوني- في صلب نشاطه على مدار أعوام طويلة، منذ أن هاجر من أوكرانيا إلى فلسطين سنة 1907، وأساسًا منذ أن استوطن في طبريا سنة 1921 واحتل مقعدًا في مجلسها البلدي (الذي كان مجلسًا مختلطًا عربيًا- يهوديًا حتى النكبة في 1948)، وذلك خلال السنوات 1927- 1950.
كانت «هشومير» منظمة شبه سرية تولت مهمة حراسة المستوطنات اليهودية التي بدأ إنشاؤها بين القرى والبلدات الفلسطينية. وتعلم نحماني اللغة العربية، والعادات العربية، وعرف في المنطقة باسم «يوسف العونطجي»، نظرًا إلى ما اتسم به من صفات المراوغة والاحتيال لدى قيامه بعقد صفقات شراء الأراضي العربية. وقد طبقت «شهرة» نحماني الآفاق بسبب ما دوّنه من يوميات تناولت نشاطه المذكور، وشكلت وثيقة لعدد كبير من الأحداث التي شهدتها مدينة طبريا ومنطقتها في الفترة الحرجة التي سبقت النكبة، وتسببت بها.
وبناء على ذلك، شكلت هذه اليوميات محط اهتمام عدد من الباحثين.
في سنة 1969 قام يوسف فايتس، الذي كان مسؤولا عن نحماني في «الصندوق القومي»، بتحرير هذه اليوميات وإصدارها في كتاب بعنوان «يوسف نحماني- رجل الجليل» (قام الباحث الفلسطيني إلياس شوفاني مؤخرًا بإعداده وترجمته إلى اللغة العربية، وصدر بعنوان «يوسف نحماني: مذكرات سمسار أراض صهيوني»). وعندما وقع هذا الكتاب في أوائل تسعينيات القرن العشرين الفائت في يد المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، في الوقت الذي كان هاجسه الرئيسي هو البحث عن قرائن تتيح إمكان إعادة كتابة الرواية التاريخية الصهيونية من خلال ارتباطها بوقائع النكبة والترحيل (في إطار الظاهرة التي عرفت في ذلك الحين باسم «المؤرخين الجدد»)، رأى أن جميع المقاطع التي اختار فايتس نشرها من يوميات نحماني كانت «لائقة سياسيًا»، أي صهيونية تمامًا، ولم يترك أي إشارة إلى أنه حذف مقاطع أخرى. لكن بما أن موريس سبق أن اشتغل على يوميات فايتس نفسه التي أعدت من جانب مؤلفها قبل نشرها على الملأ، في محاولة منه لحذف مقاطع تلقي أي ظلال قاتمة على المشروع الصهيوني، وعلى جوهر مساهمته فيه، فقد ثار شكه في أن يكون فايتس قد أقدم على عملية حذف مماثلة في ما يتعلق بيوميات نحماني، وقرر أن يحاول الحصول على هذه اليوميات الأصلية، وقد وجدها في النهاية في أرشيف منظمة «هشومير». ولدى مقارنتها بكتاب فايتس تيقن موريس بأنها تعرضت إلى ما يسميه «عملية تبييض وتكليس». فتلك اليوميات عكست، في ما عكست، نوعًا من التناقض بين «المبادئ» التي كان نحماني يتبناها، والمستقاة من الأفكار الاشتراكية التي حملها، وبين الممارسة الفعلية الميدانية التي استوجبت تناسي، أو على الأقل إرجاء تلك المبادئ، لمصلحة تطبيق المبادئ الصهيونية الاستيطانية الإقصائية.
قدّم موريس قراءة مغايرة ليوميات نحماني بعنوان «يوسف نحماني والمسألة العربية في 1948»، ضمن أحد فصول كتابه «تصحيح خطأ» (صدر بترجمة عربية عن منشورات المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار سنة 2003). كما قدّم في فصل آخر من هذا الكتاب تحت عنوان «نظرة جديدة على وثائق صهيونية مركزية» كشفًا لعملية التبييض التي قام بها فايتس لدى إعداده يوميات نحماني، ونجم عنها حذف مقاطع أعرب مدونها عن استفظاعه لما ارتكبته الحركة الصهيونية بحق الشعب العربي الفلسطيني عمومًا، من خلال اعتبار ما حدث في طبريا تحديدًا بمثابة ميكروكوسموس لما حدث في فلسطين كافة.
أشار موريس إلى أنه من خلال قراءة اليوميات الأصلية لنحماني عثر على تجسيد مبكر أو صيغة أولية لنموذج أشخاص يتقمصون حالة «يطلقون النار ويبكون»، وتشف يومياتهم عن تباك على ما اقترفته العدوانية الصهيونية من جرائم وآثام في طبريا، وعلى التعامل الفظ للمؤسسة الصهيونية مع الفلسطينيين من دون أن يدركوا مساهمتهم في ذلك كله، في حين أنه لدى قراءة اليوميات التي حررها فايتس تعثر بنحماني متماه تمامًا مع هذه العدوانية.
نحماني و«تطهير» طبريا
خصص نحماني كثيرا من يومياته لمدينة طبريا، ولا سيما عشية «تطهيرها» من العرب، وخلال ذلك سلط الضوء على ما أسماه «الروح العدوانية» لدى اليهود في المدينة، مؤكدًا أنها «ستفضي إلى كارثة إذا لم يعرفوا (يقصد قادة الصهيونية) كيفية كبحها».
ومما كتبه في هذا الشأن، كما يرد في يومياته الأصلية، الفقرات التالية:
- «في الوقت الذي كانت وجهة القادة العرب المحليين هي نحو السلام، وأبدوا نضوجًا كبيرًا، وعلى ما يبدو كانوا ما زالوا مسيطرين على الشارع، فإن الأشخاص المسؤولين (في جانبنا، أي قادة «الهاغناه») لا يفهمون مدى جدية الوضع. إن الشعور بضرورة الصدام، والكرامة الوهمية، يصاحبهم في أعمالهم كلها، وليست لديهم سيطرة على شارعنا، وأنا بتّ أخشى من أن يكون اليهود بالذات هم المسببون للانفجار في طبريا».
- «إن طيش القادة (أي قادة «الهاغناه» في طبريا) الذين يفتقرون إلى أي خبرة، ويعانون من شعور الكرامة الوهمية، لن يمنع الشبان، وخصوصًا أبناء الطوائف الشرقية، من استفزاز العرب».
- «إن رجالنا يستمرون في القيام بأعمال غير مسؤولة، ستؤدي إلى انفجار دموي»... «إن رجالنا يشاكسون، ويتباهون، ويثرثرون من دون توقف، ولكون اللغة التي يتحدثون بها هي العربية، فإن كل حديثهم، وطريقة لفظهم، تمسان العرب كثيرًا. ثمة حاجة لتثقيف هؤلاء البدائيين... إن وجهة عرب طبريا هي نحو السلام... نضالنا يجب أن يكون أخلاقيًا. إذا ما كنا نريد إقامة دولة يتعين علينا أن نتحلى بالصبر، وأن تكون لدينا مقاربة متفهمة، وأن نمنع قدر الإمكان أعمالا انتقامية غير مبررة، وعدم جعل الآخرين يكرهوننا».
- «يقف على رأس الأمن (أي «الهاغناه») شبان صغار يستخفون بالموت، وكل ما هو ماثل أمامهم أفكار ومخططات عسكرية فقط... كذلك فإن هؤلاء يستهترون بالحاجة إلى الحفاظ على العلاقات الحسنة مع الجيران العرب... برأيهم هناك حاجة إلى الانتصار بكل الوسائل، وبعد ذك ستنتظم الأمور. ولعل الأمر المثير أكثر من أي شيء آخر، هو أن رجال منظمة «هشومير هتسعير» بالذات، الذين ينادون بإرساء علاقات جيرة حسنة (مع العرب)، هم المتطرفون في هذا الموضوع».
- في الأيام الأخيرة قبل احتلال طبريا العربية على يد «الهاغناه»، في 16- 18 نيسان (أبريل) 1948، وصف نحماني في يومياته كيف أن قادة «الهاغناه» رفضوا جميع التوجهات للسلام الصادرة عن زعماء طبريا العربية، كما أنه وصف الهجوم على خربة ناصر الدين الواقعة إلى الغرب من المدينة، وخلال ذلك - بحسب المعلومات - وقعت مذبحة بحق عدد من السكان بمن فيهم أطفال.
- في الساعات الأخيرة من طبريا العربية حاول عدد من الوجهاء العرب الذين بقوا في المدينة مع نحماني التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، لكن هذا الأخير أشار إلى أن قيادة «الهاغناه» فرضت فيتو على عقد أي لقاء مع العرب. وبعد ترحيل العرب من المدينة بساعات معدودة كتب نحماني في يومياته ما يلي: «هاجمت جموع من الغوغاء اليهود الأحياء المهجورة، وبدأت بنهب الحوانيت... يا له من انحطاط أخلاقي». وبعد ذلك بعدة أيام كتب قائلاً: «سار اليهود في مجموعات مؤلفة من عشرات الأشخاص، وبدأ هؤلاء بنهب بيوت العرب وحوانيتهم... ولم يكن بمقدور أفراد «الهاغناه» السيطرة على هذه المجموعات، بعد أن كانوا هم أنفسهم مثالاً سيئًا، واشتركوا في أعمال النهب. وكانت هناك منافسة بين الوحدات المختلفة للهاغناه التي حضرت بسيارات وزوارق وحملت عليها شتى أنواع الأثاث والثلاجات والأسرة وما شابه ذلك». وغداة كتابة هذا النص، دوّن نحماني الملاحظة القصيرة التالية: «استمرت في المدينة أعمال نهب بيوت العرب... شيوخ ونساء، بغض النظر عن السن والمكانة، ومتدينون كانوا مشغولين بالنهب... الخزي والعار يسيطران عليّ، ولدي رغبة شديدة في أن أبصق على المدينة وأغادرها».
جميع هذه الفقرات، ومثلها كثير، لا يظهر في ما نشر من اليوميات في كتاب فايتس. ووفقًا لما كتبه موريس في كتابه المذكور أعلاه، فإن طمس الشهادات المتعلقة بجرائم الطرد والنهب والذي تعرضت له يوميات نحماني، طاول شهادات كثيرة أخرى حول تلك الفترة. والهدف من وراء ذلك هو محاولة الحفاظ على الصورة الطاهرة والعذرية لـ «طهارة السلاح» عبر فرض التكتم على مئات وربما آلاف الوثائق، أو على أجزاء من هذه الوثائق، وتجميل وجه الماضي، وتضليل المؤرخين، ومن خلالهم تضليل «الشعب كله» حيال ماضيه الحقيقي البشع.
أمّا قصة العلاقات بين العرب واليهود، كما تنعكس في هذه اليوميات، فإنها تضع علامة سؤال كبيرة على توصيفات تتضمنها الهستوريوغرافيا الصهيونية التقليدية، بشأن مجتمع يهودي يتطلع إلى السلام، وتم دفعه نحو التزمت والاحتلالات دفعًا تحت وطأة استفزازات العرب وتطرفهم. وبموجب يوميات نحماني لم يكن الأمر على هذا النحو في طبريا فقط. ومع ذلك لا بُد من الإشارة إلى ما يلي:
أولاً، ثمة علاقة مباشرة بين هذه الوقائع وبين جميع ممارسات نحماني التي كانت موجهة طوال عقود نحو الإقصاء والسلب، وتضمنت في بعض المراحل تأييدًا لتنفيذ «ترانسفير طوعي» من خلال «الإقناع» و«التعويض».
ثانيًا، شكل نحماني وجهًا واحدًا من وجهين اتسمت بهما الحركة الصهيونية، وكان الوجه الذي يرغب في إقامة الدولة من خلال الترغيب، وذلك في موازاة الوجه الآخر الذي استعمل أبشع أساليب الترهيب. وبينما جرى تسويق الوجه الأول في الخارج، بغية جعل الصهيونية مقبولة بل محببة على العالم الواسع والعالم اليهودي، فإن الوجه الثاني تولى العمل على المستوى التطبيقي والعسكري. ولا يجوز تقييم المشروع الصهيوني من دون رؤية العلاقة بين الوجهين.