| 

«لو أضع قدمي على الضفة الشرقية للبحيرة لقطعتها سباحة إلى طبرية». انها أمنية لا يزال يحملها أبو العبد، ابن الثالثة والثمانين، متيقناً من تحقيقها ذات يوم ومن قدرته على السباحة أيضاً.
يذكر محمد عبد الغني السكري جيداً بيت العائلة قرب الجامع الكبير الذي يطل على مفرق طرق تؤدي دروبه إلى حيفا وصفد وسمخ، ويقابل البيت الحسبة (سوق الخضار) حيث كان يأتي الفلاحون من حطين ولوبية ومن صفد وقراها أيضاً ليبيعوا الخضار والفواكه، وعلى بعد أمتار عشر كان يقع بنك أنجلو البريطاني.
كان البيت يتألف من غرفة كبيرة واحدة مبنية بالحجر الأسود فالعائلة تعمل في مهنة تقطيع الحجارة، بينما كانت أغلب بيوت المدينة من الطين.
أنهى محمد السكري الصف السادس في مدرسة طبرية الحكومية ليلتحق بالعمل في دائرة الأشغال التابعة للجيش الانكليزي بناء على نصيحة والده الذي أراد له ان يمتهن مهنة يعيش منها بدلاً من ان يكمل دراسته.
بعد مضي سنوات على عمله، بنى أبو العبد في العام 1946 غرفة مستقلة مع الحمام والمطبخ على سطح بيت العائلة، ليتزوج في العام نفسه من زوجته التي تنتمي لعائلة رمضان القاطنين في قرية سمخ وكان أخوالها من يهود بولونيا، وأمضى العروسان شهر العسل على شاطئ حيفا في منزل والد الدكتور سعيد يعقوب، عديل أبو العبد.

بحيرة طبرية: غضب ورضا

«كانت مياه البحيرة تفيض في بعض المواسم فتغرق واحداً او اثنين من الطبارنة، وقد اجتاح المدينة فيضان في 15 أيار 1936 أودى بعدد من الأشخاص وأتلف قمح ذلك الموسم». ويشير أبو العبد إلى ان البحيرة اشتهرت بكثرة أنواع أسماكها مثل: المشطة والحفانة والربوط وكان سعر الكيلو 25 قرشاً فلسطينياً. ويضيف «كان يطل على بحيرة طبرية مقهيان هما مقهى ألبيتا ومقهى أبو يوسف، وإلى جوارهما مطعمان يبيعان السمك المشوي والمقلي ويقدمان المشروبات الروحية يملك أحدهما أبو الياس والآخر لسعيد العيلبوني». وعلى مقربة من البحيرة تشمخ أشجار النخيل والنارنج والبرتقال وغيرها من الفواكه، وفي مساحة خالية كانت تهبط الطائرة في نهار الثلاثاء من كل أسبوع تحمل البريد، ليفرغ في القوارب ثم يوزع على الناس.
وتقع على شاطئ البحيرة كنسية للمسكوب (الروس الارثوذكس)، وعلى الشاطئ أيضاً كان يتوضأ المصلون بماء البحيرة ليؤدوا صلاتهم في المسجد الصغير، وليس بعيداً عن المسجد والكنيسة بني معبد يهودي.

فندق غروسمان الألماني

كان لفندق «غروسمان» شأن حيوي في حياة المدينة وأهلها، وكان يملك الفندق الوحيد الذي كان يقيم فيه الضباط الانكليز في الحرب العالمية الثانية، ألماني يدعى غروسمان، وكان يتبع الفندق مسبح الليدو الذي يمتلئ نهار الأحد بأكثر من ألف شخص، يختلط فيه أهل طبرية مع الآتين من مدينة الناصرة وكان سعر تذكرة الدخول قرشين.
ويذكر أبو العبد ان المطربة السورية أسمهان أقامت في الفندق ليلة في العام 1943 في اثناء مرورها بمدينة طبرية، وبقي الفندق يقدم خدماته حتى العام 1948 حيث لجأت والدة صاحب الفندق إلى دمشق وعملت في مشفى دار التوليد لتؤمن دخلاً تعيش منه.
وبجوار الفندق اتخذت سلطات الاحتلال الانكليزية مبنى السرايا مركزاً للحكومة، وكان يحوي قسم للشرطة وسجناً، وفي داخل المدينة كانت تتوقف الحافلات التابعة لشركة ايغد اليهودية في الحسبة حيث تقل الركاب إلى عدد من المدن كالناصرة وحيفا وصفد.
يذهب الركاب كل في اتجاه، بينما يتجه الطلاب إلى المدرستين الحكوميتين الوحيدتين، إحداهما للذكور والاخرى للإناث تدرسان من الصف الأول وحتى الصف السابع، ومن ينهي دراسته يمكنه اكمال تعليمه في صفد أو الناصرة ليعود معلماً، أو ان يكمل دراسة الطب في انكلترا مثل رشيد الطبري، وهو أول طبيب في مدينته.
في أيام العطل يرتاد أهل طبرية السينما، فيشاهدون فيلم «ذهب مع الريح» أو «رصاصة في القلب» بتذكرة لا يزيد سعرها عن شلن، ويهب الشباب الذكور فقط إلى صالة الحاج خليل أبو شوبان أو إلى الصالة الاخرى التي تعود ملكيتها لأحد اليهود.
يذكر ان أبو شوبان كان أشهر أثرياء المدينة حيث امتلك نصف طبرية، ولم يعرف أحد سر ثرائه المفاجئ بعد ان عمل بائعاً على عربة فترة طويلة، وبنى أبناؤه مستشفى طبرية في ألمانيا.
وقد يمضي آخرون وقت فراغهم في الحديقة التي تقع في شارع الذهب، أو يقضون يوم السبت في مقهى أبو رشيد العكاوي في وسط المدينة حيث تحتشد الطاولات بلاعبي الداما وورق اللعب.
وفيما الرجال في المقاهي والسينما، تنشغل النساء بإعداد اشهر أطباق السمك المقلي أو المشوي أو الصيادية، والحلويات كالهريسة والبقلاوة والبسكويت التي درج الطبارنة على إعدادها. وعرفت طبرية منذ القدم بحماماتها المعدنية المعروفة، وكان يزورها أهل المدينة في نزهات منتظمة أيام الجمع، يأخذون معهم أطعمتهم وأشربتهم حيث يقضون نهاراً كاملاً فيها.

الإسلام بين القبور والنصارى
بين الزهور واليهود بين القدور

يصف أبو العبد السكري حال المدينة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الفائت، التي احتفلت جميعها بأعياد الديانات الثلاث كأنها دين واحد. فكما اجتمع على البحيرة مسجد وكنيسة ومعبد، انتشرت معابد اليهود الاخرى في أرجاء المدينة، وقد سكن اليهود بلدة «النقيب» على طرف البحيرة الشرقي أيضاً، وشيدت كنيسة بجوار المستشفى الفرنسي للمبشرين المدعومين من قبل الانكليز. ومن أشهرهم رجل جاء من بريطانيا يدعى عبد الله، فيما بنيت كنيسة ثالثة فهي كنيسة الرهبان الطليان التي تقع على طريق صفد، وكان المسجد الكبير يقع قرب الحسبة.
«عيد الإسلام بين القبور والنصارى بين الزهور واليهود بين القدور»، هكذا يلخص أبو العبد الأعياد، في كناية عن زيارة المسلمين لقبور موتاهم في عيدي الفطر والأضحى، وعن احتفال المسيحيين بعيد الفصح في الحدقائق بين الورود والخضرة، بينما كان اليهود يعدون اللحم والرز في قدور من الفخار توضع في الأفران طوال الليل ليتناولوها في اليوم التالي.
ورغم الإلفة بين اتباع الديانات الثلاث إلا ان الزواج المختلط كان مداناً، فمن كان يتزوج يهودية من مسلمي طبرية يتوجب عليه الهرب معها إلى صفد أو عكا ثم يعود بعد عدة شهور حتى تهدأ الأمور، أما إذا قبض عليه من قبل الشرطة الانكليزية فكان يتم التفريق بينهما.

أول سيارة تدخل طبرية

لا تخلو ذكريات أبو العبد من أحداث بارزة لا يزال يرويها بأدق تفصيلاتها، وبالروح الساخرة الممتزجة بالنكتة واجادة استحضار المفارقة، ومنها دخول أول سيارة إلى طبرية من نوع رولز رايس في العام 1947، وكانت قد اشترتها اليهودية بيرتا عبادي ـ ذائعة الصيت لجمالها الساحر ـ لصديقها قدورة القهوجي. وفي احد الأيام، بينما كان القنصل الفرنسي في دمشق يلعب النرد مع بيرتا، مرّ قدورة بسيارته فاستشاط غضبا الأمر الذي جعله يرمي القنصل وبيرتا بالبحيرة ويفر هارباً. لكن مساعد حاكم لواء طبرية وجه قوة من حرس الحدود فألقت القبض على قدورة القهوجي، وضربوه حتى شل، ما استدعى الأمر ان تحمله بيرتا إلى دمشق لتعالجه وتقيم معه هناك بقية عمرها. ويؤكد أبو العبد ان بيرتا بقيت مشهورة بقصصها مع الرجال، وانها كانت برفقة الضباط السوريين يوم زيارتهم للقاهرة للاحتفال بالوحدة مع مصر في العام 1958.

وداعاً طبرية

يروي أبو العبد ان رئيسه في العمل الميجر وود أخبره قبيل النكبة بأمر انتقال وحدتهم العسكرية إلى قبرص عارضا عليه الذهاب معهم، لكن والده رفض ذلك وقال له (طالما الماء والطحين موجودين ما بنطلع من أرضنا). وكان الضابط الانكـــليزي نصحه بضرورة مغادرة البلاد مع أهله لأن اليهود سيســـتولون عليها.
في أيار 1948 حمّل الميجر وود بسيــارته الدودج عائلة عبد الغني السكري وذهب بهم إلى قرية سمخ حيث يقيم عيسى أبو زيد، عديل أبو العبد، فأقاموا هناك، وعندما أحس عبد الغني بالخطر الداهم ذهب إلى اسماعيل القدسي المقيم في مدينة إربد الأردنية يطلب منه احضار سيارته لينقل جميع أفراد العائلة إلى الحمة، فطلب منه السائق ورقة من الهيئة العربية العليا الذي يمثلها عيسى أبو زيد الذي وافق بعد اخذ ورد. ولم تمكث العائلة طويلاً في الحمة فغادرت إلى مدينة إربد بسيارات الجيش الأردني بعدما رفض والده ان يركب قطار الشام وكان المطر غزيراً وقتها، وأقامت العائلة في بيت المساعدة (عمة أبو العبد) في مدينة إربد لمدة أسبوعين ثم استأجروا بيتاً لقاء خمسة دنانير شهرياً، حتى حـــضر بقـــية اخـــوته من الشام فاقنعوهم بالذهاب إلى الشام، فركبت النساء الســـيارات فيما مشى الرجال إلى قرية ابطح في حوران ليركبوا منها إلى الشام. أقام أبو العبد السكري وعائلته في قرية عربين قرب الشام، ثم انتقل إلى العيش في قرية جوبر حتى استقر في اليرموك، واشترى بيته بأربعة آلاف ليرة لسورية في العام 1964 ولا يزال يسكنه حتى اليوم حالماً بلقاء قريب مع طبرية.