| 

تتقصى نائلة الوعري، في مؤلفها الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بعنوان «موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني 1856 ـ 1914)، أحد المحاور الرئيسة الفاعلة في مسيرة المجتمع الفلسطيني خلال فترة التنظيمات العثمانية، الذي لا يزال يلقي بظلاله على مسيرة المجتمع الفلسطيني بعامة، ونضاله الوطني بخاصة حتى يومنا هذا، معتمدة في عرضها على مجموعة متنوعة من المصادر المعاصرة، المحلية منها وغير المحلية، وفي مقدمتها سجلات المحاكم الشرعية المتعلقة بالقدس ونابلس ويافا والخليل وجنين وحيفا وغزة، فضلاً عن تقارير القناصل الأجانب، والصحف والخرائط والصور الجوية ودفاتر الطابو. وفي ذلك كله عمدت نائلة الوعري إلى رسم صورة واضحة المعالم عن موقف العناصر الفاعلة في مسيرة الحياة الفلسطينية الرسمية منها وغير الرسمية، الوطنية والأجنبية، المحلية والوافدة، وذلك في إطار المدرسة الواقعية ومنهجها الموضوعي في الكتابة والتحليل. وفي ضوء ذلك رسمت الباحثة مساراً متعرجاً لمواقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني.

المسألة السورية

تشير الوعري في مبحثها الرصين إلى أن الدول الاستعمارية بدأت بزراعة النواة الأولى للمشروع الصهيوني خلال الفترة 1831 ـ 1841، مستغلة بذلك المسألة السورية التي فجرتها الجيوش المصرية في اجتياحها بلاد الشام وغياب السلطة العثمانية عنها وتخوفها من أن ترث الدولة العثمانية الضعيفة دولة قوية تهدد مصالحها في الشرق، فاستغلت الدول العظمى ثغرة بسيطة نفذت منها وتمكنت من زراعة النواة الأولى للمشروع الصهيوني. وفي البدء اختلفت مواقف الهيئات الفاعلة في المجتمع الفلسطيني من المشروع الصهيوني باختلاف تكويناتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وفيما اتسم موقف الولاة، قبل عزل عبد الحميد الثاني عام 1909، بالتذبذب بين الرفض المطلق للهجرة الصهيونية والمسايرة لها بدعم أوروبي، لكن وصول جمعية الاتحاد والترقي إلى سدة الحكم في اسطمبول وعزلها السلطان عبد الحميد فتح الباب على مصراعيه أمام هجرة اليهود إلى فلسطين. وتجد الباحثة، بعد درس وتمحيص، أن مواقف الأعيان في فلسطين انقسمت في مجملها من المشروع الصهيوني إلى ثلاثة أقسام متباينة من حيث الحجم وقوة التأثير والفاعلية، فتمثل القسم الأول في الاتجاه المعارض للمشروع، إذ رأى في فعالياته خطراً داهماً ليس على فلسطين وحسب وإنما على جميع الولايات العثمانية، وفي مقدمتها بلاد الشام والعراق، فيما مثل القسم الثاني أصحاب الاتجاه المؤيد للمشروع، وقد بني هذا الاتجاه على أساس المصلحة الذاتية القائمة على الجشع المادي. أما الاتجاه الثالث فقال بالتفاهم مع المشروع الصهيوني قبل أن يستفحل فيطيح بكل مقدرات فلسطين.
تشير الوعري أيضاً إلى أن إقطاعيي فلسطين استحوذوا على مساحات واسعة من الأراضي الخصبة، ثم أن نطاق طبقة الإقطاعيين اتسع قليلاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد دخول بعض الرأسماليين اللبنانيين الجدد إلى حيز الاستثمار الفلسطيني. على هذا النحو تميزت مواقف الإقطاعيين وتوجهاتهم من المشروع الصهيوني بالتعاون والانسجام بصرف النظر عن النتائج، وكان حافزهم في ذلك النزعة الرأسمالية وقواهم الاقتصادية وعلاقاتهم النافذة في الداخل والخارج والتي كان بمقدورها قلب الحقائق وتزوير التاريخ.

******
كتاب نائلة الوعري هو، في الأساس، أطروحة لنيل الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر. ولعل إشارة الباحثة إلى توسعية الحركة الصهيونية عبرة لدارس التاريخ المعاصر، فهي في ثنيات دراستها الغنية تلمّح على الدوام إلى أن مصطلح فلسطين، الذي أدرجت في ظله الدراسة هذه ما بين 1٨56 و1914 وكان قد ظهر إلى حيز الوجود عام 1920 في إطار التسويات الاستعمارية التي استهدفت بلاد الشام والعراق في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، قد استخدمته الباحثة للدلالة على الأراضي التي اشتمل عليها الكيان السياسي الناشئ الذي تطابق امتداده الجغرافي مع تشكيلة الألوية الثلاثة عكا ونابلس والقدس. وكانت الحركة الصهيونية قد زرعت نواة مشروعها الاستعماري فيه، ومنه انطلقت لمد جذورها نحو شرق الأردن وجنوب لبنان والجولان وحماه وحلب والعراق وسيناء، وذكِّر إن نفعت الذكرى.