| 

مروان عبادو في قرصه الجديد «روشنة» يحتضن عوده ويعتني بتقديم رواية موسيقية متواضعة، بعد اختياره العزلة الإيجابية والانفراد بذاته، فانطلق إلى مكان حميم في ضواحي سالزبورغ في النمسا عند زميله برني روثاور (Bernie Rothaver) لتسجيلها وكان عبادو بحث عن عنوان لهذا العمل رغب من خلاله في إرباك الناطقين بالعربية والألمانية، لا بدافع الأذى، بل بغرض إثارة فضولهم.
يقول الموسيقي الفلسطيني (مواليد بيروت ـ 1967) المقيم في فيينا منذ ثمانية وعشرين عاماً إنه اختار عنوان «روشنة» لسبب ذاتي محض تضرب جذوره في حنينه إلى إقامته بين 1975 و1995 مع أهله في محلة الروشة في رأس بيروت، فارتبط اسمها في ذاكرته، ويلح عبادو على هذا الارتباط الحميم، فهو يعلم تماماً أن كلمة «روشة»، فرنسية أصلاً (Rocher) ومعناها «الصخرة»، وعليه فإن عبادو يفعّلها لغوياً في العربية لتصبح عنواناً لغربته، ولطالما كانت الروشة في صباه شرفة متعته ونشوته ومرآته على المتوسط اللازوردي في صوَر الأمس وفضوله، فعزف لها مقطوعات موسيقية مشابهة لمعزوفات السويت في الموسيقى الغربية، في حين يقر عبادو بأن هذا التشبيه غير دقيق، لكون السويت في الموسيقى الغربية تنقصها نفحات هواء الشرفة المشرقية، ذلك أن «روشنة» في العربية مثل شقيقتها الفارسية هي الشرفة التي يدخل عبرها الضوء، أو هي مكان حفظ المشروبات وقد ازدهرت في الهندسة المعمارية في العصر المملوكي بمصر. أما في الألمانية، وهي لغة أهل فيينا، فإن مصطلح «روشنة» يذكّر نطقاً بكلمة «روش» المتعارف عليها منذ القرون الوسطى والتي تعني النشوة ممن هو غير بعيد عن أجواء حياة الماليك.
في «روشنة» عبادو يتوسط النص الشعري الأغاني فترافق الموسيقى الشعر. يعترف عبادو بأن صور أغنيتين في «روشنة، بعيدة عن فهم المستمع الغربي رغم ترجمتها المقابلة للنص العربي إلى الإنكليزية والألمانية، ذلك أن صورة الحصان الأصيل رمزاً لشعبه الفلسطيني المناضل من أجل حريته صورة من المنفى تقص حكاية مقاومة هذا الشعب بعيداً عن أي محاولة احتواء أو احتكار لمقاومته، فهذه ملك جميع أبناء فلسطين وبناته. أما في أغنية «شرق المتوسط» فيبقى اعتماد عبادو لخطابية الشعر العربي القديم ساخراً في رأيه الصائب عن ثقافة عربية لم تتجاوز حد الخطابة اللفظية. فيما أغنيته الأخيرة في الأسطوانة مهداة إلى الربيع العربي وهي من كلماته:
بعد في حلم
ناطر صحابو،
بعد في قمر
نصلي على بوابو.
وبعد في صديق
يوفي بالوعد،
ويحلى الطريق
وتزيد حكاياتو.
أما أغنيته «شرق المتوسط» فهي مرآتنا من شرفته لا فرق في بيروت أم فيينا:
إحنا من شرق المتوسط
عنّا الفانوس السحري
سٍنْباد وعلاء الدين،
عنا مارد، عنا نظام، عنا يسار، وعنا يمين.
إحنا من شرق المتوسط
كنا ماسْكينا من النّص،
عنا أغاني، عنا ليلي، ألف ليلي وليلي ونُص.
إحنا جنوب بضهرو شمال
وعنا الهوى ميّال
إحنا من شرق المتوسط، سيف ورمح وهجمة خيل،
إحنا من شرق المتوسط، كرّ وفرّ بعتم الليل،
وإذا بدّك لاحظ، متنبّي وجاحظ،
وأمَرا وسلاطين، ولُغة بقواعد
وتحرير فلسطين، مع الفجر الواعد.
في «روشنة» أيضاً «بحبك يا حلو» كلمات عبيدو باشا، يا رب (علي الخليلي)، خليك (مروان عبادو)، «سراب» (سلمان مصالحة)، «أربع حمايم» (أحمد راشد)، مع ترجماتها بالألمانية والإنكليزية.
إخراج هذا القرص (سي دي) راق جداً، يزينه اسم المؤلف وقفزة غنائية نوعية منذ «ابن الجنوب» (1999) أسطوانته المنفردة الأولى.
م.ش.