| 

من مفارقات التاريخ الفلسطيني المعاصر أن فلسطين، كولاية عثمانية بين سنة 1517 وسنة 1917، أي طوال 400 سنة بالتمام، كانت إسلامية في أغلبية سكانها، لكنها وقعت، منذ سنة 1917 فصاعداً تحت سيطرة دولة مسيحية هي إنكلترا. وهذه الدولة كانت تريد إقامة وطن قومي لليهود فيها. وإنكلترا هذه كانت تستعمر فلسطين وإيرلندا والهند. وخضعت هذه البلدان الثلاثة للتقسيم بعد حروب دامية. وكان من أثر ذلك أن الشعب الفلسطيني الذي أرغم على الرحيل من دياره في سنة 1948، أو الذي بقي تحت الاحتلال الإسرائيلي، وجد نفسه كأنه في قفص محكم الإقفال، وكان عليه أن يحطم هذا القفص أولاً كي يتمكن لاحقاً من التقدم نحو بناء دولته الحرة التي «فشل» في إنجاز هذا الهدف حتى الآن جراء عوامل متشعبة.

الفشل المتجدد

السؤال الرئيس والملحاح هو التالي: لماذا فشل الفلسطينيون في تأسيس دولتهم في سنة 1947 بحسب القرار 181؟ ولماذا عجزت منظمة التحرير الفلسطينية، ثم السلطة الوطنية الفلسطينية في إنشاء شكل من أشكال الدولة أو الكيان الوطني؟
في هذا الحقل من الجدال السياسي سأتجرأ على الإجابة بالتالي: إن الصراع في فلسطين حالة فريدة في تاريخ الصراعات في العالم، وهو يختلف، اختلافا جوهريا، عن أي صراع آخر بين دولتين متجاورتين. فهو لا يشبه النزاع الهندي ـ الباكستاني أو العراقي ـ الإيراني على سبيل المثال، أو حتى صراع المحور والحلفاء في الحرب العالمية الثانية. ففي مثل تلك الصراعات ينتهي الأمر بانتصار أحد الطرفين على خصمه، فيفرض المنتصر شروطه على المهزوم. وفي العادة تدوم شروط المنتصر ما دامت موازين القوى مستقرة. لكن، ما إن تتبدل الأوضاع حتى يبدأ المهزوم بالتملص من شروط المنتصر استعدادا للتخلص منها سلما أم حرباً.
أما الصراع في فلسطين فهو ليس من هذا الطراز البتة. فهو ليس صراعا بين دولتين يمكن حله بمقادير من التفاوض والحرب، بل هو صراع بشري وجغرافي وسياسي وحضاري وتاريخي في آن واحد، أي أنه صراع ممتد في الزمن. وهذا ناجم عن أن الصراع في فلسطين هو، أولاً وأخيراً، صراع بين مجموعتين بشريتين تستند كل واحدة منهما إلى عناصر تاريخية ودينية وثقافية، أصحيحة كانت هذه العناصر أم زائفة، ولها، في الوقت نفسه، عمق بشري وسياسي يشد أزرها ويقوي بقاءها. وهذا الأمر يجعل الصراع ممتدا من الزمن ولا ينتهي إلا بواحدة من نتيجتين: إما الإبادة أو الترحيل.
في سنة 1948 انتصرت الصهيونية انتصارا ساحقا على العرب، فبادرت قواتها إلى ترحيل الفلسطينيين عن ديارهم. لكن الترحيل لم يكن بعيدا عن الديار الأصلية وإنما إلى العمق البشري للفلسطينيين، أي إلى بلاد العرب وبما أن الإبادة باتت من المحال في شروط عصرنا، فإن الصراع في فلسطين وعلى فلسطين لن ينتهي، في أي يوم من الأيام، بفرض شروط المنتصر على الفلسطينيين. وفي خضم هذا الصراع الممتد في الزمن تظهر الحاجة، في بعض المراحل التاريخية إلى تسويات سياسية. وهذه التسويات لا تلغي جوهر الصراع وإنما تنقله من مرحلة إلى أخرى مختلفة. هكذا كانت الحال مع «التسوية» القسرية في سنة 1948، وهكذا كانت الحال بعد معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية في سنة 1979، وبعد اتفاق أوسلو في سنة 1993.
قصدتُ من هذا العرض إلى القول إن الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني، وفي رأسها الاستقلال في كيان سياسي، التي تبدو أنها في تراجع دائم، إنما كانت تعكس موازين القوى بين العرب وإسرائيل. ومثلما جرت «عملقة» الأهداف الفلسطينية أحياناً من غير أن يمتلك الفلسطينيون عناصر تحقيق هذه الأهداف، جرى في الوقت نفسه، تعظيم قوة الخصم من غير أن يلحظ كثيرون أن أهداف إسرائيل الاستراتيجية نفسها تغيرت كثيرا. لقد انتهت استراتيجية التوسع الجغرافي، وما عادت هذه الغاية تشكل إحدى الركائز الرئيسة في التفكير العسكري الإسرائيلي. ثم إن فكرة تجميع يهود العالم في فلسطين اندثرت تماماً. ومن المؤكد أن التخلي عن هاتين النقطتين لم يأت عن طيب خاطر، بل إن أكثر من خمس وأربعين سنة من المقاومة أرغمت إسرائيل على التخلي عن بعض «ثوابتها» الاستراتيجية السابقة.

هل هزمنا حقاً؟

منذ أكثر من مئة سنة لم نكن، فلسطينيين وعرباً، في وضع الهجوم كي يقال إننا هزمنا. كنا في وضع الدفاع الدائم عن النفس أمام هجوم استعماري غربي متلاحق. فنحن واقعون في أخطر بقعة في العالم، أي بين النفط وإسرائيل. وإسرائيل ليست مجرد حدث عابر في تاريخ أوروبا، إنها المسألة اليهودية برمتها. وهي ليست مجرد نتيجة طبيعية لحرب خسرها العثمانيون في سنة 1917 فصدر إعلان بلفور، أو حرب خسرها العرب في سنة 1948 فظهرت إسرائيل إلى الوجود، إنما هي، في الجوهر، ذروة صراع ممتد في الزمن بدأ في منتصف القرن التاسع عشر حينما بدأت محاولات الاختلاق الغربي لبلاد الشام التي كانت تركيا راقدة على صدور أهل هذه البلاد.

هل ثمة حل؟

يعتقد البعض أن «حل الدولتين» قد فشل، وهو يتوقع أن تتدافع الأمور، بقوة الأمر الواقع، نحو «حل الدولة الواحدة» تحت حكم إسرائيل، لأن من المستحيل إبقاء شعبين في بلد صغير منفصلين، أو إبقاء الفلسطينيين تحت حكم اليهود مثلما تبين في النهاية أن من المستحيل إبقاء جنوب أفريقيا تحت حكم البيض. ولنا في هذا الشأن رأي. لنتساءل قبل أن نجيب: هل «حل الدولة الواحدة» سينشأ نتيجة التفاوض بين الفلسطينيين وإسرائيل، أم نتيجة الكفاح المتواصل سياسياً وعسكرياً؟ فإذا كان البعض يعتقد أن «حل الدولة الواحدة» يمكن أن ينشأ نتيجة التفاوض، وجراء اقتناع الطرفين وقبولهما بهذا الحل فهو ساذج وبلا خبرة سياسية على الإطلاق. أما إذا كان المقصود إليه التوصل إلى هذا الحل من خلال التفاعلات التي ستنجم عن مســيرة طويلـــة من الكفــاح الســـياسي والعســـكري، فــإن الحــل الممـــكن، في هــذا السياق، هـــو «حل الدولتين» الذي، وإن لم يتحقق حتى الآن، إلا أنه ما زال يُعتــبر الحل الوحيد الواقعي والقابل للتحقق، حتى لو لم يكن هو الحــل التاريخي العادل. واللافت أن البعض راح يتبنى خيــار «الدولة الواحدة» نتيجـــة اعتـــقاده أن «حــل الدولتين» قد فشل. وهذا يعكــس تفكـــيرا ميكانــيكيا، وليس تفكيرا جدليا وسياسيا وتاريخيا معا، بل إنه أقرب إلى التأمل السلبي في الوقائع السياسية الجارية أمام أعيننا.