| 

فكرة البحث الفلسطيني

بدأت فكرة البحث الفلسطيني بالظهور التدريجي في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين عندما صارت الحاجة إلى الإجابة عن أسئلة النكبة شديدة الحيوية والإلحاح. وترافق ذلك، زمنياً، مع البدايات التأسيسية لحركة القوميين العرب (1956) ولحركة فتح (1959). لكن هذه الفكرة لم تتبلور، بصورة جدية، إلا في سنة 1962 حينما بدأ العمل الحثيث لإنشاء مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت والتي ظهرت إلى الوجود، فعلاً، في سنة 1963. ثم ان فكرة البحث الفلسطيني اتخذت تجسيداً جديداً وتجديدياً مع تأسيس مركز الأبحاث في سنة 1966، ثم مع مركز التخطيط في سنة 1968. وقد تمتع هذان المركزان، إلى حد كبير، باستقلالية في تقرير البرامج النشرية، وبحرية نسبية في إقرار الخطط البحثية. ولا ريب في أن سؤالاً لجوجاً ما برح يحوم في فضاء الكلام على هذا الشأن هو: إلى أي مدى كان مركز الأبحاث، واستطراداً مركز التخطيط، يتمتعان بالاستقلالية والحرية عن المؤسسة الأم، وهما تابعان، عضوياً، لمنظمة التحرير الفلسطينية؟ ولا أجازف في القول إن مركز الأبحاث ومركز التخطيط التابعين لمنظمة التحرير هيكلياً، واللذين يعملان تحت الإشراف المباشر لرئيسها، كانا يمارسان حيويتهما الفكرية باستقلال كبير، وبحرية في البحث والتفكير والنشر لم يتمتع بها أي مركز مماثل في العالم العربي. ولعل السبب كامن في أن هذين المركزين عملا بعيداً عن القيادة السياسية الفلسطينية المقيمة، آنذاك، في عمان. وهذا الأمر ربما أسهم في تقليل إمكانات التدخل اليومي في شؤون الأبحاث والتخطيط. ثم إن تقاليد العمل الفكري في بيروت وحرية التعبير المتاحة في لبنان كان لها نصيب في الحد من احتمالات التدخل السياسي في عمل المركزين. واستمرت الحال على هذا المنوال إلى ما بعد سنة 1974 حينما حدث الانشطار المعروف في السياسة الفلسطينية على قاعدة القبول ببرنامج النقاط العشر أو رفضه. ثم اندلعت الحرب اللبنانية، فتغيرت الوقائع تماماً. وبالتدريج، انهمكت جميع المؤسسات الفكرية والإعلامية والتوثيقية في معمعان الحرب، ما أدى إلى انحسار البحث العلمي رويدا رويدا حتى كاد أن يضمحل قبيل الخروج من لبنان في سنة 1982.
وأبعد من ذلك، فإن انحسار البحث العلمي الفلسطيني لم تكن علته الحرب اللبنانية وحدها، أو سطوة القيادة السياسية وتدخلاتها، وإنما البيئة الثقافية للثورة الفلسطينية، وهي بيئة ظلت متخلفة في بعض جوانبها، فشاع في بعض أوساطها احتقار الشهادات العلمية والألقاب الأكاديمية. وكان البعض يتساءل بخفة: لماذا العلم؟ وما نفع الشهادات؟ غدا سنحرر فلسطين وكفى، فنحن إما مقاتلون أو شهداء. وكم سخر البعض من البحث العلمي في القضية الفلسطينية بالقول: إن اليهود أخذوا فلسطين ونحن نريد أن نحررها. هذا كل ما في الأمر، فلماذا الفلسفة، وعم تبحثون؟ وفي لجة القتال اليومي انتصرت، إلى حد ما، مقولة «السياسة تنبع من فوهة البندقية» لتصبح هذه المقولة شعاراً للعديد من القيادات من ذوي المخيلة الشاحبة والأدمغة المتخشبة وجرى استحلاب شعار لاحق من ذلك الشعار السابق هو: «الثقافة تنبع من فوهة البندقية»، وظهر، في النتيجة، مصطلح «أدب البنادق» الذي نكاد لا نتذكر منه اليوم شيئا. وكان الكلام الساري في الأفواه هو أن الحارس في المخيم أفضل من الباحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. وهذا الــكلام يعكـــس عقلية التضاد الغريزي بين الفاكهاني ورأس بيروت. لكـــن، في ما بعد، تبين أن الحارس الذي غادر بـــيروت في ســـنة 1982 ترك المخيم بلا حراسة، بينما برهن الـــباحث الملتزم حينما انبرى إلى الدفاع عن المخيم في الحرب عــلى المخيمات (1985 ـ 1987) أنه الحارس المقدام للشعب الفلسطيني. ثم لا ننسى تواطؤ المثقف الفلسطيني نفسه مع المؤسسة السياسية في كثير من الحالات، ما أعاق التفكير النقدي المستقل والبحث العلمي الرصين.
في هذا المناخ المضطرب قيض للبحث الفلسطيني أن ينشأ وأن يبني مؤسساته وأن ينشر على الناس خلاصة أبحاثه ودراساته، وهي أبحاث ودراسات ذات أهمية فائقة بلا شك. ولعل تجربة مراكز الأبحاث وتجربة مركز التخطيط تقدمان لنا لوحة أولية عن هذا الشأن الذي نحن في صدده.

مركز الأبحاث

بدأ مركز الأبحاث كفكرة في رأس فايز صايغ صاحب العقل العلمي النادر. وظهر هذا المركز إلى الوجود في شباط 1965 في خضم أحداث جمة منها تأسيس جيش التحرير الفلسطيني وإطلاق الرصاصة الأولى لحركة فتح، فكان، منذ الولادة، مركزاً للبحث وتابعاً في الوقت نفسه لمؤسسة قتالية. وحظي هذا المركز بمكانة علمية مرموقة، وعلى يدي أنيس صايغ الذي أصبح مديراً له في سنة 1966 تحول خلال عشر سنوات من شقة صغيرة في رأس بيروت إلى مبنى من ست طبقات. وفي هذه الفترة نشر المركز 351 كتاباً، وأصدر مجلة «شؤون فلسطينية» في سنة 1971 التي اعتبرت واحدة من أهم المجلات التي صدرت في سبعينيات القرن العشرين.
من البدهي أن تتدخل منظمة التحرير الفلسطينية في شؤون المؤسسات التابعة لها. هذا الأمر لا يمكن نكران عدم حدوثه. فالمنظمة مسؤولة، أولاً وأخيراً، عن هذه المؤسسات معنوياً ومالياً وإدارياً وسياسياً أيضاً. وفي حالة مركز الأبحاث سيكون من المعيب حقاً لو أن قيادة المنظمة تدخلت لتطويع البحث العلمي في سبيل مصلحتها السياسية. لكن، هل كانت المنظمة تتدخل على هذا النحو؟ إنه سؤال يبدو من المحال العثور على برهان قاطع عليه، بل إن وقائع الحال تشير إلى عكس ذلك أي إلى أن الحرية النسبية في مجال البحث كانت متاحة إلى حد كبير. أما التدخلات الفظة فكانت من نصيب الأمناء العامين لبعض الفصائل من ذوي الرؤوس الحامية.
وفي هذا السياق يروي أنيس صايغ في مذكراته (أنيس صايغ عن أنيس صايغ، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2006)، كيف تلقى تهديدا بالقتل من إحدى المنظمات لأنه نعى شابا كان يعمل في مركز الأبحاث، وتبين أن منظمته أعدمته بتهمة عصيان الأوامر، وهي حادثة معروفة. وقيل له آنذاك: إذا كانت إسرائيل فشلت في قتلك فنحن نستطيع ذلك بيسر. وعلى سبيل المثال، تعرض مركز الأبحاث للتخوين والتكفير من بعض خطباء المساجد في لبنان لأن مجلة «شؤون فلسطينية» نشرت مقالات تفرق فيها اليهود عن الصهيونية. ولا شك في أن بعض «المثقفين» الفلسطينيين تطوعوا لإبلاغ هؤلاء الخطباء بمضامين تلك المقالات. وفي تصرف مماثل تعرض مركز الأبحاث لهجوم من الكنيسة الكاثوليكية في لبنان لأن أحد الكتب الصادرة عن المركز أورد أن المطران حكيم، مطران حيفا والجليل (البطريرك في ما بعد) دعا الناس إلى الانضمام إلى الهستدروت واستخلاص حقوقهم عبر هذه النقابة، وهي واقعة صحيحة.
في آخر عهده بمركز الأبحاث قبيل استقالته، وفي نهاية مكالمة هاتفية، أقفل أنيس صايغ الهاتف في وجه ياسر عرفات فيما كان عرفات يخاطبه بلطف لمعالجة مشكلة ما. ومع ذلك لم يوجه أحد من «فتح» أو من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى أنيس صايغ أي وعيد أو تهديد. ولو وقع هذا الأمر مع مسؤول من الدرجة العاشرة في إحدى الفصائل لكانت حاملات الدوشكا طوقت المركز وسحبت المفكر الكبير أنيس صايغ إلى الزنازين.

مركز التخطيط

ظهر مركز التخطيط إلى الوجود في 18/9/1968 على يدي مؤسسة يوسف صايغ. ثم تعاقب على إدارته كل من نبيل شعث ومنير شفيق وسلافة حجاوي. وكانت الغاية التي نشأ المركز في سبيلها هي وضع الخطط السياسية والديبلوماسية والمالية والثقافية والعسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتحويل هذه الخطط إلى استراتيجية شاملة. وبالفعل وضع المركز خطة شاملة للإعلام الفلسطيني، وخطة استراتيجية للثورة الفلسطينية. وكان المركز ينهج طريقة تأليف فرق عمل متخصصة من متفرغين في المركز وباحثين مرموقين من خارجه لدراسة مسألة محددة.
أسهم مركز التخطيط الفلسطيني إسهاماً مهماً في إدخال التفكير المستقبلي أو البعيد المدى إلى عقول بعض القيادات الفلسطينية، وفي إشاعة نوع من الوعي بالقضايا ذات الطابع الاستراتيجي. وكان للتقرير السياسي الذي صدر بانتظام عن المركز شأن مهم في السجال الداخلي الفلسطيني وفي بلورة خطاب سياسي مختلف. كذلك كان لقسم الدراسات الاستراتيجية شأن في نشر جانب من المعرفة في هذا الحقل من التفكير، وإلى ذلك دأب مركز التخطيط على إصدار التقارير الخاصة مثل تقارير قسم الأرض المحتلة والقسم التقني وقسم التخطيط التربوي، والتي كانت تُرفع إلى القيادة السياسية وتوزع على الهيئات ذات الصلة وعلى ذوي الشأن والاختصاص.
كان لمركز التخطيط شأن مهم في تنمية الوعي بالمسائل التربوية والعسكرية بالدرجة الأولى، وبالقضايا السياسية والإدارية بالدرجة الثانية. إلا أنه، بحكم تكوينه الوظيفي وصلته اليومية بالقيادة السياسية والاقتصاد على تنفيذ ما تطلبه القيادة من تقارير وتقدير موقف (على أهمية هذا الأمر) تحول، بالتدريج، إلى سكرتاريا للقيادة مهمته كتابة الرسائل والرد على الرسائل الواردة إليها، وكتابة بعض الخطب السياسية مثل خطاب ياسر عرفات في الأمم المتحدة سنة 1974. ثم ان التكوين العلمي للجهاز البشري في مركز التخطيط خلال الحرب اللبنانية، وانخراط بعض أفراده في الحرب، أعاقا، في كثير من الحالات، إنجاز مشاريع ذات وزن مشهود.
أما القيادة، فعلى الرغم من أنها تمتعت برحابة صدر لافتة حيال البحث العلمي حتى الذي لا يلائم هواها، إلا أنها طالما أهملت التفكير العلمي لمصلحة التفكير السياسي المباشر. وتقدم لنا حادثة الدكتور يوسف صايغ مع القيادة الفلسطينية دليلاً إضافياً على هذا الإهمال. ففي أوائل سنة 1970 أنجز مركز التخطيط «الخطة الاستراتيجية الشاملة للثورة الفلسطينية» بجهد متضافر شارك فيه العشرات من الخبراء والباحثين والمفكرين والسياسيين. وطبع المركز هذه الخطة بنسخ قليلة جداً، وأرسلها بالسرية التامة إلى القيادة في عمان. ولما لم يتصل به أحد لمناقشته في تفصيلات الخطة، سافر يوسف صايغ إلى عمان لاستكشاف الأمر. وهناك اكتشف ما لم يكن يخطر في بالــه قط. ولـــقد وجـــد نسخة من الخطة «السرية جداً» مركونة في مقر القيادة وعلى غلافها بقع من بقايا السكر والشاي، فتجلد ثم قـــفل إلى بـــيروت. وهكذا تحول الجهد المتضافر والعمل المتواصل لمجـــموعة مميزة من الباحثين إلى صينية للشاي والقهوة، مع أن الصفحة الأولى من هذه الخطة، ويا للغرابة، ممهورة بعبارة «سري للغاية».