في سنة 1969 أعلنت حركة فتح أنها تتبنى فكرة الدولة الديموقراطية في فلسطين كهدف يمكن إنجازه بعد التحرير. وأثار هذا الإعلان جدلاً كبيراً في صفوف المناضلين والمفكرين الفلسطينيين. وقد جمع الدكتور «محمد رشيد»، وهو اسم مستعار للدكتور نبيل شعث آنذاك، ثلاث مقالات ظهرت في مجلة «فتح» نصف الشهرية في 20/11/1969 و1/1/1970 و19/1/1970، وأصدرها مركز الأبحاث في كتاب عنوانه «نحو فلسطين ديموقراطية». وتمثل المقالة التالية الموقف التاريخي لحركة فتح من اليهود المقيمين في فلسطين، ومن فكرة الدولة الديموقراطية معاً.

لمحة مختصرة عن فلسطين الديموقراطية

1 ـ البلاد
ان فلسطين ما قبل 1948 ـ كما عرفت خلال الانتداب البريطاني ـ هي الرقعة الأرضية التي سيتم تحريرها، وهي مكان إقامة الدولة الديموقراطية التقدمية. وفلسطين المحررة هذه ستؤلف جزءاً من الوطن العربي، ولن تكون دولة أجنبية أو غريبة في وسطه. ان توحيد فلسطين في نهاية المطاف مع غيرها من الدول العربية سيجعل مشاكل الحدود أقل أهمية، مثلما انه سيضع حداً لوضع إسرائيل الحاضر والمصطنع، وربما أدى إلى تصحيح أوضاع الأردن أيضاً. فالدولة الجديدة ستناهض الامبريالية وتنضم إلى صفوف البلدان الثورية التقدمية. لذا يجب عليها أن تقطع شريان الصــلات الحـــيوية القائمة حالياً مع الولايات المتحدة وتتخلص من الاعتماد الكلي عليها. وبناء عليه فالاندماج المتكامل في بيئة المنطقة سيأتي في طليعة الشروط المطلوبة من حيث الأهمية والضرورة.
وينبغي ان يتضح تماماً في هذه المرحلة بأن فلسطين الجديدة التي نتحدث عنها هنا ليست الضفة الغربية المحتلة أو قطاع غزة المحتل أو الاثنين معاً. فهذه مناطق يحتلها الإسرائيليون منذ حزيران (يونيو) 1967. بينما وطن الفلسطينيين الذي اغتصبته إسرائيل واستعمرته عام 1948 لا يقل أهمية عن القسم الذي احتلته عام 1967. وعلاوة على ذلك، فإن مجرد وجود دولة إسرائيل العنصرية والمستعبِدة (بكسر الباء)، كدولة تقوم على إجلاء قسم من مواطني فلسطين وتشريدهم بالقوة، ليس بالأمر الذي تقبله الثورة الفلسطينية حتى ولو كان محصوراً بقرية صغيرة. ان كل ترتيب يؤدي إلى تكييف مع دولة المستوطنين المعتدية هو ترتيب غير مقبول ومؤقت. والتسوية الدائمة بعد التحرير الكامل هي وحدها التي تكون مؤهلة لضم شعب فلسطين، من يهود ومسيحيين ومسلمين، تحت سقف وطن واحد.
2 ـ المقومات
ان جميع اليهود والمسلمين والمسيحيين من المقيمين في فلسطين أو المشردين عنها بالقوة سيكون لهم الحق بالمواطنية الفلسطينية. وهذا ما يضمن حق جميع الفلسطينيين المشردين بالعودة إلى وطنهم سواء كانوا من مواليد فلسطين أو المنفى وبغض النظر عن جنسيتهم الحالية.
معنى ذلك، بالتساوي، ان جميع الفلسطينيين اليهود ـ أي الإسرائيليين حالياً ـ لهم نفس الحق شرط أن يرفضوا بالطبع الشوفينية العنصرية الصهيونية وان يقبلوا كلياً العيش كفلسطينيين في المجتمع الفلسطيني الجديد. لذا فإن الثورة ترفض الافتراض القائل بأن اليهود الذين عاشوا في فلسطين قبل 1948 أو قبل 1914 والمتحدرين منهم فقط سيحظون بالقبول. ومن المعروف ان دايان وآلون هما من مواليد فلسطين عام 1948، بحيث انهما إلى جانب العديد من زملائهما يجسدان تلك العنصرية الصهيونية التي يصعب استئصال شأفتها، ومن الواضح ان ذلك لا يؤهلهما للمشاركة في المواطنية الفلسطينية. بينما يحتمل وجود الكثيرين من أعداء الصهيونية بين القادمين الجدد، إذ يظهر هؤلاء استعدادهم للعمل المخلص في سبيل إقامة فلسطين الجديدة.
ففي مقابلة صحافية شهيرة مع أحد المسؤولين بمنظمة فتح أكد أبو أياد من جديد أن المواطنية الفلسطينية لن تكون وقفاً على اليهود التقدميين والمعادين للصهيونية فحسب، بل ستشمل الصهيونيين الحاليين من الذين يعربون عن استعدادهم للتخلي عن أيديولوجيتهم العنصرية. والثورة الفلسطينية تعتقد أن جميع اليهود الإسرائيليين حالياً سيغيرون مواقفهم ويؤيدون فلسطين الجديدة في نهاية المطاف، خصوصاً بعد ان يتم القضاء على جهاز الدولة الاوليغاركي وعلى مؤسساتها الاقتصادية والعسكرية.
3 ـ الأيديولوجية
ان الفلسطينيين أثناء مسيرة التحرير ولدى تحقيق التحرر سيقررون نظام الحكم وطبيعة التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي في وطنهم المحرر (لا بد من التذكير هنا بأن لفظة «فلسطينيين» تشمل الفئات التالية: المشردين والواقعين تحت الاحتلال والمستوطنين اليهود).
غير ان فلسطين الديموقراطية والتقدمية ترفض عن طريق الطرح والإسقاط أي شكل للحكم يتصف بالثيوقراطية والإقطاعية، أو الارستقراطية والسلطانية، ويتميز بالعنصرية والشوفينية. ستؤلف فلسطين بلداً يمنع اضطهاد فئة أو استغلالها على يد فئة أخرى. وذلك يصدق على الأفراد في مجتمعها أيضاً. وستكون فلسطين دولة تتيح الفرص المتكافئة لمواطنيها سواء كان ذلك في مجال العمل أو العبادة، أو في حقل التربية واتخاذ القرارات السياسية، وعلى صعيد التعبير الثقافي والفني.
ان هذه الصورة ليست حلماً طوباوياً، لأن عملية تحقيق فلسطين الجديدة بالذات تفرز من تلقائها المناخ المطلوب لنظام حكمها في المستقبل، أي أن حرب التحرير الشعبية تولد القيم والمواقف الجديدة، بحيث تكون هذه القيم والمواقف بمثابة ضمانات للديموقراطية بعد التحرير. والشاهد على ذلك هو التبدل الذي طرأ على المواقف حيال العمل الجماعي في مخيمات النازحين ومعسكرات الفدائيين في الأردن ولبنان. فالفلسطينيون وغيرهم من الإخوان المنضمين إليهم يتبرعون بالعمل الطوعي مثلما يقدمون معيشتهم ورزقهم للثورة. انهم ليسوا من العمال المستغلين أو المستعبدين. وقيم الحياة الإنسانية تخضع للتغير. وعلى العكس من غارات النابالم الإسرائيلية والقتل بدون تمييز، نجد الفدائيين الفلسطينيين يميزون في اختيار أهدافهم ويتحاشون إزهاق الأرواح بصورة عشوائية. هكذا تبرز أشكال جديدة للعلاقات الإنسانية. فلا يمكن قيام علاقة على غرار علاقة العبد والسيد بين المقاتلين لأجل الحرية. والوعي المتزايد للأبعاد العالمية التي تأخذها قضيتهم، إلى جانب اكتشافهم لمن يؤيد المغتصب ويدعم المستعبد والمضطهد، تخلق لديهم مسؤوليات جديدة حيال المجتمع الدولي، وخصوصاً نحو مؤيدي التحرر والديموقراطية.
وبناء عليه فإن الفلسطينيين بعد التحرير لن يقبلوا الإخضاع لسلطة أحد، ولن يعمدوا إلى إرجاع الاستعباد ضد أية فئة، لأن ذلك معناه استلاب أسباب وجودهم والتنازل عن كيانهم الثوري. وهذا ما يتضح بجلاء داخل مخيمات اللاجئين في كل من لبنان والأردن. فبعد انقضاء عشرين عاماً ذاقوا خلالها الاضطهاد والإذلال وتلاعبت بهم الشرطة السرية مثلما استغلهم الساسة المحليون، استيقظت مخيماتهم على الثورة. وأثناء عملية الاستيقاظ هذه حطّم المشردون أغلالهم وطردوا رجالات البوليس السري وعملاءهم وسائر المستغلين، لكي يقيموا إدارة ذاتية على أسس ديموقراطية صحيحة. فالخدمات الطبية والتربوية والاجتماعية تقدم لهم محلياً عبر المنظمات الثورية وبطريقة المساعدة الذاتية على نحو أعاد إليهم شعور الكرامة الإنسانية والعزة. ان نسبة الجرائم في تلك المخيمات هبطت بشـــكل حاســـم إلى 10 بالمئة من معدلها قبل الثورة. والانضباط الذاتي حل محل الشرطة. فالمليشيات الجديدة تؤمن صلة الوصل بين الطليعة الثورية والقاعدة الشعبية والجماهيرية. والقيود الديموقراطية تنشأ تلقائياً. ان هؤلاء الفلسطينيين لن يرضوا بالاستعباد والإخضاع من أية جهة كانت، مثلما انهم لن يفرضوا ذلك على أحد من الناس.
لقد اكتشف الصحافيون والزوار الأجانب أنهم لن يستطيعوا العثور في أي مكان آخر من العالم العربي على أناس يمثلون النضج والتساهل إزاء اليهود مثلما يتجسد ذلك في معسكرات الفلسطينيين ومخيماتهم داخل الأردن ولبنان، وبين الأشبال بنوع خاص. ان هؤلاء الأشبال الفلسطينيين (تتراوح أعمارهم بين 8 ـ 16 سنة) متحررون كلياً تقريباً من كل تحامل ضد اليهود أو تعصب. وهم يملكون رؤية أشد وضوحاً لفلسطين الديموقراطية الجديدة من الرؤية الموجودة لدى سكان المدن من البورجوازيين. هؤلاء الشبان هم محررو المستقبل. سيتمون القضاء على الاستبداد الإسرائيلي مثلما ينجزون إعادة بناء فلسطين الجديدة.
وإذا كانت فلسطين الجديدة بطابعها الديموقراطي والتقدمي أشبه ما تكون بالطوباوية والمثال البعيدة مناله، فإن الفدائيين الفلسطينيين وسكان المخيمات قد بدأوا يمارسونها.

مفهومان مغلوطان

برزت تفسيرات عديدة لفكرة فلسطين الديموقراطية في مختلف الأوساط وهذا ما يتطلب الإيضاح وبعض التصحيحات. والمحاولة التي نقوم بها حالياً تهدف إلى البحث في اثنين منها على جانب كبير من الأهمية:
1 ـ ان الدعوة لإقامة مجتمع فلسطيني لاطائفي يجب ألا يختلط أمرها مع الدولة المتعددة الأديان أو المزدوجة القومية. فالمجتمع الفلسطيني الجديد لن ينشأ حول ثلاث ديانات للدولة أو حول قوميتين. بل بالأحرى سيعمد ببــساطة إلى تأمين التحرر من الاستعباد الديني لفئة ما على يـــد فئة أخرى، والى ضمان حرية العبادة الدينية بـــدون تمييز. فالثورة لا ترغب في تحجير الخطوط الدينية، ولا تـــنوي توزيع المناصب السياسية وغيرها من الوظائــف وفقاً لنسب دينية معينة. ان النموذج اللبناني (حيث تـــقوم الأوساط الرجعية والإقطاعية أو الهرم التجاري ـ الرأســـمالي بتوزيع المناصب والوظائف وفقاً لخطوط طائفية تضمن لها السيطرة على الجماهير) هو نموذج غريب عن الثورة كل الغرابة.
فقد شدد أبو عمار أكثر من مرة على ان رئيس فلسطين المحررة يمكنه ان يكون يهودياً أو مسلماً أو مسيحياً، ليس بسبب انتمائه الديني أو الطائفي، بل على أساس كفاءته كشخص فلسطيني بارز. وفضلاً عن ذلك فإن الخطوط الدينية والاثنية تتقاطع في فلسطين على نحو يجعل من عبارتي «مزدوج القومية» و«الثنائية العربية ـ اليهودية» بلا معنى، أو أشبه بالأوصاف المريبة في أحسن الحالات.
ان أكثرية اليهود في فلسطين اليوم هم من اليهود العرب ـ الذين يطلق عليهم الصهيونيون تسمية «الشرقيين» على سبيل تلطيف التعبير. لذا فإن فلسطين تجمع بين اليهود والمسيحيين والمسلمين العرب إلى جانب اليهود غير العرب (الغربيين).
2 ـ ان فلسطين الديموقراطية الجديدة ليست بديلاً من التحرير. بل هي بالأحرى الهدف النهائي للتحرير. فالثورة ترفض بصورة قاطعة فكرة الدولة العميلة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، مثلما ترفض إسرائيل المجردة من طابعها الصهيوني أو المعقمة على غرار النمط الذي يدعو له آفنيري، وترفض الكونفدرالية السامية. كل هذه المقترحات هي تصاميم عنصرية يقصد بها تضليل الفلسطينيين وغيرهم من العرب واستمرار الهيمنة الإسرائيلية والإخضاع الفلسطينيين. انها كلها تفــترض الحـــفاظ على العــدوان الأساسي الذي أدى إلى تشريد الفلســطينيين بالقوة وإلى اضطهاد الجمــاهير واستعبادها. فالشرط الذي لا بد منه لفلسطين الجديدة هـــو القضاء على الجذور والأسس السياسية والاقتــصادية والعسكرية لدولة المستوطنين بعنصريتها وطابعها الشوفيني. والإبقاء على آلة عسكرية متقدمة تكنولوجياً عــن طــريق التدفق المستمر للرساميل الغربية وتبـــادل السكان حمل الأجهزة الصهيونية التوسعية على شن العدوان تلو الآخر. لذا فإن تصفية هذه الأجهزة شرط لا بديل منه لإقامة فلسطين الجديدة. فحين تمت تصفية أجهزة الدولة النازية، تم معها تحرير الشعب الألماني إلى جانب سواه من الأمم والشعوب التي استعبدتها المانيه النازية، مثل بولونيه وهنغاريه وهولنده وفرنسا.