| 

لم يستطع الحاج الثمانيني حسن أبو مراحيل «أبو العبد» حبس دموعه التي انسكبت على وجنتيه وهو يسرد قصة ثلاث مراحل من حياته (طفولته وشبابه وكهولته)، ليؤكد أن تراب الوطن لا يُقدر بثمن، وأن الأرض والعرض هما من يتمسك بهما الإنسان الفلسطيني ويبذل في سبيلهما النفس والنفيس.
الحاج أبو مراحيل من مواليد بئر السبع عام 1935، ويسكن حالياً في مخيم النصيرات في محافظة وسط قطاع غزة. قال وهو يحاول إخفاء دموعه حين سألناه إن كان قُدر له أن يعود إلى أرضه ومدينته بئر السبع ويترك ما يملكه في غزة من أراض وعقارات: «والله لن أرضى بكنوز الأرض جميعها مقابل حفنة واحدة من تراب وطني الغالي فلسطين وأرضي ومدينتي بئر السبع التي هُجرت منها رغماً عني وخوفاً على حياتي وحياة أسرتي». واستذكر أبو العبد أيامه حين كان عمره 14 عاماً وهو يسير خلف الجمل في أثناء حراثة أرض والده وجده التي تبلغ مساحتها نحو 150 دونماً لزراعتها بمختلف أنواع الحبوب من القمح والشعير والذرة والعدس والفول، قائلاً: «سقى الله يا ابني تلك الأيام التي كنا نعيش فيها هادئي البال لا يعرف الخوف أو الحقد أو الضغينة طريقاً إلى قلوبنا، بل كنا متحابين يخاف بعضنا على بعض كأننا أسرة واحدة».

تهجير تحت النار

تابع أبو مراحيل الكلام قائلاً: في حزيران/ يونيو 1948 شعرنا بأن هناك حركة غير عادية في المستوطنة «كوبنية» المسماة «زمارة» التي كانت لا تبعد عنا أكثر من 800 متر تقريباً، حيث سمعنا بعدها حركة الدبابات والجنود اليهود الذين بدأوا يقتربون نحونا ويطلقون النار علينا من جميع الاتجاهات إلا من جهة واحدة، وكأنهم يقولون لنا هذه الطريق مفتوحة لكم للهرب منها، فأسرعوا بذلك قبل أن يأتيكم الموت. فسارعنا إلى حمل ما استطعنا حمله من فراش وحبوب وهربنا بنسائنا وأطفالنا باتجاه غزة، حيث استقرينا في بادئ الأمر في وادي عزة، ومن ثم انتقلنا إلى داخل النصيرات لإقامة بيت شعر فيه يؤوينا ويقينا حر الصيف وبرد الشتاء. وأضاف: بعد أن استقرينا في غزة وشعرنا بالاطمئنان على نسائنا وأطفالنا، بدأنا يومياً وتحت جنح الظلام نتسلل بين الأحراش مشياً وعلى ظهور الدواب كي نصل إلى أرضنا لأخذ ما تركناه خلفنا من حبوب وتبن كنا قد قمنا بتخزينها تحت الأرض. وتابع: ما كان يقوم به والدي عبارة عن تخزين الحبوب لأكثر من سنتين أو ثلاث، حيث يقوم بحفر الحفرة كلما لزم الأمر لاستخراج بعض الحبوب لطحنها وعمل الدقيق والخبز منها.
بيَّن أبو مراحيل الذي تزوج في العام 1957. بعد أن سُرح من الجيش المصري الذي خدم فيه عامين، أن والده كان يملك من «الحلال» جملين وثلاثة حمير وفرسا واحدة، وهي ما تم نقل الأمتعة والحبوب عليها حين الهجرة إلى غزة حيث أقام فيها وخمسة من أشقائه وشقيقاته بالإضافة إلى والده ووالدته في خيمة «بيت للشعر» كبيرة حملوها معهم من بئر السبع.
وأنهى حديثه بالقول: لم تمر لحظة واحدة إلا تحدثت فيها مع أولادي وأحفادي البالغ عددهم نحو 50 فرداً عن بئر السبع وجمالها ومكانتها بين المدن الأخرى، وما تحتويه من قرى ومناطق كنا نعيش فيها، وعن أرضنا التي هُجرنا منها قسراً، وعن ضرورة تمسكهم بحقهم في العودة إليها وعدم التفريط أو التنازل عن شبر واحد منها ولو دفعوا لهم كنوز الأرض جميعها.

أمنية العودة

لم يختلف حديث الحاج محمد رشيد أبو دحروج «أبو رشيد» من مواليد عام 1932، عن حديث من سبقه، فقال: كان عمري حين هاجرنا من بلدتنا بئر السبع 18 عاماً، وقد تركنا خلفنا أرضا واسعة وتربة خصبة تصل مساحتها إلى نحو 120 دونماً جميعها ملك لوالدي الذي ورثها عن والده وجده، حيث كنا نزرعها بمختلف أنواع الحبوب من قمح وشعير وذرة، بالإضافة إلى البطيخ والشمام، وبعض البقوليات. ولفت أبو دحروج إلى أنه حين هاجر مع والده ووالدته وشقيقه وشقيقته لم يكن متزوجاً، وأن والده «حين سمع أن اليهود دخلوا إلى القرى الأخرى في منطقة السبع وبدأوا بقتل الرجال واغتصاب النساء وبقر بطون الحوامل وأخذ الأطفال معهم، سارع ونحن معه إلى هدم الخيمة (بيت الشعر)، ولفها على عجل وحملها مع بعض المتاع القليل على ظهر الحمير، وسار نحو غزة، ومعنا عائلات كثيرة من عشيرتنا، وهي عائلة الخلايلة «أبو خليل»، وأبو خطاب، وأبو عطيوي، وأبو غرقود، والعروبي، وأبو محيسن، وأبو عجمي، وجميعهم من عشيرة واحدة تعود إلى عشيرة المناجرة».
تابع أبو دحروج: كانت بجوارنا عشائر أخرى مثل التيايهة، والترابين، وجروين، والقطاطبة وهم «مصريون»، مبيناً أن جميع هذه العشائر هاجرت من بئر السبع في العام 1948، إلا أن بعضها اختبأ هناك وبقي فيها إلى الآن، حيث يتواصل مع أهله وعشيرته عن طريق الهاتف. وأشار أبو رشيد إلى أن والده وجده وأعمامه الذين كانوا يعيشون في منطقة الشويحي التي تعد إحدى ضواحي مدينة بئر السبع وتبعد عن مركزها نحو 30 كيلو مترا، وعن مدينة غزة نحو 15 كيلو مترا، كانوا يقيسون الأرض بـ«الحبل»، والحبل يساوي 25 دونماً، ووالده كانت له هناك خمسة أحبال مزروعة جميعها بالقمح والشعير وجميع أنواع البذور. وقال: كان جميع من يعيش في بئر السبع بدو رُحل يسكنون في بيوت الشعر المصنوعة من أغصان الأشجار ومغطاة بغزل الصوف الذي كان يُقص عن ظهر الغنم والماعز بعد أن تنسجه النساء البدويات، موضحاً أن والدته كانت نسجت بنفسها بيت الشعر الذي كانوا يعيشون فيه هناك. عاد أبو رشيد بالذاكرة مرة أخرى إلى سنة 1948 حين أطلق الجنود الصهيونيون الذين كانوا يحيطون بـ«الكوبنية» (مستوطنة) النار من الرشاشات التي كانوا يحملونها باتجاه قريتهم، ما جعلهم يهربون خوفاً على حياتهم وحياة نسائهم وأطفالهم، مشيراً إلى أن الجهل والفقر اللذين كانا يعيش فيهما البدو لم يجعل أحداً منهم متعلماً ليستطيع إدارة المعركة ضد الاحتلال، حيث «كان من الممكن أن تتم مقاومة المحتلين بالسكاكين والخناجر بعد التسلل إليهم تحت جنح الظلام، ولكن الجميع منا بسبب الخوف من القتل فضل الهجرة والنجاة بنفسه على ذلك».
لفت الحاج محمد أبو دحروج إلى أنهم منذ اللحظات الأولى التي وصلوا فيها إلى قطاع غزة، وضعوا أمتعتهم في النصيرات، التي كانت عبارة عن كثبان رملية لا تقطنها إلا بعض العائلات هنا وهناك، ثم نصبوا خيمتهم بالقرب من مناطق الكلأ والمياه، حيث كان معهم ما يزيد على 30 عائلة بدوية أيضاً، وبقوا ينتظرون إلى أن جاءت وكالة الغوث الدولية «أونروا» وتعاملت معهم كما تعاملت مع الفلاحين المهجرين من البلدات والقرى الأخرى، فوزعت عليهم الأغطية والأكل، ونصبت لهم الخيام، ثم بنت لهم البيوت. وبيَّن أنه بعد التحاقه بالجيش المصري 6 سنوات ونصف السنة، تزوج في العام 1955، ورزق تسعة أبناء (3 بنات و6 أولاد)، مشيراً إلى أنه دائم الحديث مع أحفاده الذي يقدر عددهم بنحو 30 فرداً، عن بئر السبع وأرضهم هناك التي كانت ملكهم.

عمليات إعدام وتهجير

على الرغم من أن الحاجة أم سليمان أبو عطيوي التي يزيد عمرها على الثمانين عاماً، وتقطن حالياً في بيت ابنها في مخيم البريج في المحافظة الوسطى في قطاع غزة، مقعدة ولا تتحرك إلا بمساعدة أبنائها وأحفادها، إلا أن ذاكرتها نشطة للغاية، ولم تترك شاردة أو واردة عن مدينتها بئر السبع إلا ذكرتها، فالحديث معها ذو شجون ويحتاج إلى أيام لتدوينه.
بادرتنا أم سليمان بالسؤال من أي البلدان أنت. وحين عرفت أنني من بلدة يبنا، بدأت تتذكر من يقطن حولها من عائلات من هذه البلدة، وكأنها أرادت أن تنبش ذاكرتها بما تحتويه فلسطين التاريخية من مدن وقرى قبل أن تبدأ حديثها عن منطقة واد الزيت إحدى مناطق بئر السبع، قائلة: حين هاجرنا كنت متزوجة ومعي من الأبناء ولد وبنت، حيث كان عمري حينها 20 عاماً، ومنذ تلك اللحظات وحتى الآن لم يغب أي منظر من تلك المناظر الجميلة والذكريات الحلوة عن بالي، حيث أنني أحاول جاهدة تحفيظ أحفادي وأبنائي أسماء المناطق التي كانت محيطة بنا، وأسماء القبائل والعشائر التي تقطن في جوارنا، وأيضاً عاداتنا وتقاليدنا البدوية. وعادت أم سليمان، التي كانت يداها مشغولتين طوال الوقت بنسج قطعة من الصوف لوضعها على عصا يرقص بها الشباب في الأفراح، بذاكرتها إلى الوراء قائلة: والدي الذي كان يملك من الإبل والغنم أكثر من مئتي رأس كان يعمل في تجارة الماشية فيجول بين بلدة وأخرى، فتارة يصل إلى مركز المدينة، وتارة أخرى إلى منطقة الشويحة، وثالثة إلى ما هو أبعد من ذلك في النقب الصحراوي وغيرها من المناطق الأخرى للبحث عن الرزق، فكان يبيع في هذه المنطقة وبشتري من تلك.
تذكرت الحاجة أم سليمان كيف أن والدها بنى لهم بيتاً من الطين المجبول بالقش يُطلق عليه «بايكة»، ليناموا فيه، ويخزنوا غلتهم من القمح والشعير، وهذا ما كان نادراً عند البدو الرحل لأن بيت الشعر أسهل وأسرع في فكه وحمله وتركيبه في منطقة أخرى، ولكن «البايكة» أكثر دفئاً وأكثر حماية من الحيوانات الضالة. كما تذكرت كيف أنها جزت بنفسها الصوف عن ظهور الماعز، وهي مَن غزلته ونسجت منه بيت الشعر الخاص بعائلتها، وكانت تقوم بأعمال البيت والحراثة والزراعة مع والدها، ومن ثم مع زوجها، لتعينهما على مواجهة ضنك الحياة الصعبة، موضحة أن ما كانوا يزرعونه هو الحبوب مثل القمح والشعير والذرة، أما الخضروات مثل الخيار والبندورة، فقالت «لم نعرفها إلا بعد أن هاجرنا إلى غزة». وذكرت أن زادهم وزوادتهم كانت عبارة عن حليب النياق «الجمال» والغنم، الزبدة والجبن الذي كانوا يصنعونه بأنفسهم، بالإضافة إلى البرغل والفريكة (القمح المشوي على النار)، «إلى أن جاء اليهود وبدأوا يقتلوننا، حيث قتلوا والدي بعد أن أطلقوا النار عليه وهو يجز العشب للدواب، وأيضاً قتلوا ابن عم زوجي أبو حسن وعمره 50 عاماً حين رفض الهجرة وأصر على البقاء فوق أرضه».
روت الحاجة أم سليمان أن هجرتهم من السبع إلى غزة كانت على ظهر الجمال والحمير، موضحة أن أول ما وطأت أقدامهم أرض غزة وضعوا أمتعنهم في بيارة الريس شرق مخيم البريج، ولكن اليهود لم يتركوهم بل جاءوا وأطلقوا عليهم النار، ما جعلهم يتركون مكانهم ويغادرونه إلى مكان آخر في وسط النصيرات، ومن ثم انتقلوا فيما بعد إلى وسط البريج. وأنهت أم سليمان حديثها بالقول إن وكالة الغوث قامت بإحصائهم آنذاك، ثم سلمتهم بطاقة تموين وبناء بيوت لتؤويهم.

* صحافي فلسطيني مقيم في مدينة غزة.