عندما أعلن الانكليز عزمهم على الانسحاب من فلسطين في منتصف أيار 1948 تشكلت في بير السبع حامية للدفاع عنها مؤلفة من أفراد الشرطة المحلية والهجانة (نحو 60 رجلاً) وعدد من المناضلين والشباب المتطوعين من أبناء المدينة من البدو. وتولى قيادة هؤلاء جميعا عبد الله ابو ستة. وكان في حوزة هذه الحامية 200 بندقية، و4 أجهزة لاسلكية، و14 هاتفا ميدانياً، وبعض الأسلحة الاوتوماتيكية الخفيفة، وعدد من الألغام، وبضع مئات من القنابل اليدوية. وقد استطاع مناضلو المدينة في حدود إمكاناتهم ان يقوموا بنشاط قتالي جيد، فكانوا يعترضون قوافل السيارات الصهيونية المحروسة، ويتصدون لجماعات الصهيونيين المسلحين، بل انهم بعد مهاجمة قافلة صهيونية متجهة إلى مستعمرة «بيت ايشل» حاصروا المستعمرة نفسها.
لجأ الصهيونيون فور انسحاب القوات البريطانية من منطقة بير السبع في 14/5/1948 إلى بسط سيطرتهم على المناطق والطرق المهمة عسكريا. وقام العرب بالمقابل بدعم حامية المدينة بعدد من المتطوعين المصريين والليبيين (50ـ80 متطوعاً بينهم 12 ضابطا). وفي 18/5/1948 دخلت قطاع بير السبع كتيبة مشاة مصرية بقيادة المقدم أحمد عبد العزيز. لكن لم يجر تعاون أو تنسيق بين هذه القوة وحامية المدينة. ولم تلبث القيادة العامة المصرية ان سحبت معظم القوة المصرية وبعض الأسلحة معتذرة بأن الوضع العسكري العام يتطلب ذلك. وقد أصبح الدفاع عن المدينة بهذا هزيلاً جداً، إذ لم يبق فيها سوى مدفعين من عيار 6 أرطال، ومدفع واحد من عيار 3 بوصات، وبعض المدافع من عيار بوصتين. إلى جانب ذلك أخطأ المدافعون حين حفروا الخنادق قريباً من الأبنية وتركوا المناطق الخالية المترامية الأطراف التي تحيط بالمدينة.
بدأت معارك النقب في 14/10/1948، واحتل الجيش الإسرائيلي أسدود والمجدل وعراق سويدان وبربرة وتوقف على أبواب غزة. وفي 18/10/1948 شن هجومه على بير السبع، فطلب قائد حاميتها النجدة السريعة من القيادة المصرية فلم تنجده، بل طلبت منه ان يرسل إليها بعض الأسلحة التي ما زالت تحت تصرفه لحاجتها إليها، وفي الوقت الذي لم يزد عدد أفراد حامية بير السبع عن 216 مقاتلا من مناضلي المدينة أو المتطوعين وممن تبقى من القوة المصرية بأسلحتهم القليلة وذخيرتهم المحدودة كان الجيش الإسرائيلي يملك الطائرات ويهاجم بخمسة آلاف مقاتل مزودين بالعربات المصفحة والمدافع الثقيلة والأسلحة المتنوعة.
بدأت معركة المدينة بقصف جوي دام من 18/10 إلى ليلة 21/10/1948 دون ان يكون لدى المدافعين عن المدينة مدافع مضادة للطائرات. وقد نجم عن ذلك تدمير عشرة منازل وقتل سبعة اشخاص وإحداث ذعر في المدينة.
في الساعة الثامنة من مساء يوم 20/10/1948 مهدت المدفعية للهجوم البري، ثم انطلقت طلائع القوات الإسرائيلية المهاجمة، وتبعتها القوات المحمولة لتطبق على المدينة من الشمال والشمال الغربي، وتندفع إلى داخلها في الساعة الواحدة والنصف من اليوم التالي (21/10/1948). وأخذت هذه القوات المهاجمة تحتل أحياء المدينة وتنتقل من شارع إلى آخر إلى ان اصطدمت صباح 21/10 بمن تبقى من أفراد الحامية العربية في مركز الشرطة. وقد استبسل هؤلاء المدافعون الذين لم يتجاوز عددهم 53 مقاتلاً مصرياً وسودانياً وفلسطينياً، ورفضوا الاستسلام على الرغم من موقفهم العسكري الضعيف. وقد دار قتال ضار بينهم وبين القوات الإسرائيلية المهاجمة، وأصيب خزان الماء في المركز بقذيفة مباشرة فانهار وتدفقت مياهه على المدافعين، فانتقلوا إلى أسفل البناء يقاتلون إلى ان انتهت مقاومتهم فاحتل الإسرائيليون المركز في الساعة التاسعة إلا ربعا من صباح 21/10/1948، وبذلك تم احتلال مدينة بير السبع كلها.
* أنظر: الموسوعة الفلسطينية (القسم العام، المجلد الأول)، دمشق: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1984.