| 

بُذلت جهود عربية ومحلية وإقليمية متواصلة لتحقيق المصالحة بين حركتي فتح وحماس وإنهاء الانقسام، وتكللت بتوقيع اتفاق المصالحة في أيار/مايو 2011 برعايةٍ مصريةٍ، والذي وضع الأسس اللازمة لمعالجة مختلف القضايا المتعلقة بالمشاركة في منظمة التحرير الفلسطينية والانتخابات والحكومة والأجهزة الأمنية، ثم توجت المساعي بتوقيع اتفاقِ الدوحة في 6/2/2012 الذي مثل أساسًا عمليًا للبدءِ بتأليف الحكومةِ بالتوافق على تسميةِ رئيس الوزراء.
وعلى الرغم من هذه الجهود كلها، لم ينطلق قطار المصالحة، وبقي في المحطة نفسها، نتيجةً لوجود مطباتٍ عدة، إذ تبين عند الحديث عن التفصيلات المؤدية إلى ترجمة الاتفاق إلى واقع انه يصطدمُ بكثير من العقبات، كأنَّ كل بند فيه يحتاج إلى اتفاق كامل، وخاصةً عملية دمجِ الأجهزة الأمنية وتوحيدها. فقد استهلك هذا الملف وقتاً طويلاً في حواراتِ المصالحة لأنه ملف إشكالي، ومن خلاله تتحققُ عناصرُ السيطرةِ والنفوذِ، ولا معنى للحديث عن شراكةٍ حقيقة من دون تنفيذ ما يتعلق بالجانب الأمني في الاتفاق.

الانقسام والاتفاق

يُعتبر الملف الأمني من أكثرِ الملفاتِ حساسية وتعقيداً، ومن أخطر القضايا التي يمكنُ أن تنفجرَ وتقضي على الأمل بالوحدة والمصالحة، ويرجعُ ذلك إلى مركزية الملف الأمني في الشأن الفلسطيني قبل الانقسام وبعده. فقد أدت التجاذبات بين «فتح» و«حماس» في الملف الأمني إلى انقسام الأراضي الفلسطينية إلى شطرين، إضافةً إلى أن كلتا الحكومتين في قطاع غزة والضفة الغربية ترى أن قواتها الأمنية دعامة استمراريتها وبقائها.
غداة الانقسام السياسي بين الضفة والقطاع، دخلت الأجهزة الأمنية مرحلةً جديدة، حيث انقسمت بين الفريقين المتصارعين، وأصبح لكلِ حكومة الأجهزة الأمنية التابعة لها، فأصدرت القرارات الخاصة بها لتنظيم هذه الأجهزة وهيكلتها. ومع ذلك، فإن اتفاق المصالحة حدد الأجهزة الأمنية بثلاثة هي: قوات الأمن الوطني، قوى الأمن الداخلي، المخابرات العامة، وأشار إلى التوافق على المعايير والمبادئ الضرورية لدمجِ الأجهزةِ الأمنيةِ لبناء أجهزة مهنية بعيدًا عن المحاصصة الفصائلية، كما أشار إلى تأليف لجنة أمنية عليا يصدر الرئيس الفلسطيني مرسومًا بها، تتألف من ضباط مهنيين، وتمارس عملها تحت إشراف مصريّ وعربي، ومتابعة ما يتم الاتفاق عليه في القاهرة، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية بمساعدة مصرية وعربية في كلٍّ من الضفة والقطاع، واستيعاب ثلاثةِ آلاف عنصرٍ في الشرطة والأمن الوطنيّ والدفاع المدني في قطاع غزة بعد توقيع اتفاقِ المصالحة مباشرة، على أن يزدادَ هذا العدد تدريجا حتى إجراء الانتخابات التشريعية وفق آليةٍ يتمَ الاتفاق عليها.
ونص الاتفاق أيضا على جوانب مختلفة تحقق المشاركة بعيدًا عن المحاصصة، مثل إخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة البرلمانية التي تمثلُ المدخل الأساس لمشاركة المعارضة كلها في إدارة مرفق الأمن في الدول الديموقراطية التي لا تعترف بالمحاصصة، فمن خلالها يمكن الاطلاع على البرامج والخطط والسياسات الأمنية والتأكد من مدى التزام الأجهزة القانون. وأكد الاتفاق حق الضمان الوظيفي لجميع العاملين في الأجهزة الأمنية (استيعاب، إحالة على التقاعد، النقل الى الوظائف المدنية)، وبذلك يكون الاتفاق قد عالج مشكلةً مهمة تواجهُ المجتمعات ما بعد الحروب، وهي تتعلق بعملية تسريح المقاتلين وإعادة دمجهم بالحياة المدنية، إلا أنَّ ذلك يستدعي بلورة خطةٍ وطنيةٍ لعملية تنفيذ هذا البند.

وجهات نظر

وعلى الرغم من الايجابيات التي تضمنها الاتفاق، يبدو أنَّ الطرفين «فتح» و«حماس» لم يقتنعا بالعملِ على تنفيذ الاتفاق بعيدًا عن المصالح الحزبية. فهناك وجهات نظر مختلفة لا تتعلق بالمبادئ والأسس اللازمة لبناء مؤسسة أمنية مهنية بقدر ما تتعلق بمتى وكيف نبدأ، وتتمثل وجهات النظر بما يلي:
أولاً: تأجيلُ عملية دمج الأجهزة الأمنية وإصلاحها إلى ما بعد إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية واختيار قيادة فلسطينية منتخبة تقوم بتوحيد الأجهزة الأمنية، وخاصة أن إعادة بناء هذه الأجهزة يجب أن يسبقها توافقٌ بين الفصائل على العقيدة الأمنية والموقف من المقاومة، وهذا يعني احتفاظ كلا الطرفين بأجهزته الأمنية، ما سيؤدي بحكومة التوافق الوطني إلى تنفيذ سياستها الأمنية من خلال قوى أمنية مختلفة التوجهات والولاءات السياسية. وهذا يضعَ علامةَ سؤالٍ كبيرةٍ على إمكانية نجاح المصالحة. ويبدو أن الطرفين متوافقان على هذا الموقف، ولا سيما أن «حماس» طالبت به في حوارات تأليف الحكومة عام 2012، وكان رئيس الوزراء سلام فياض قد دعا إلى الذهاب إلى الانتخابات وترك الموضوع الأمني على ما هو عليه.
إن تأجيلَ عملية الدمج إلى ما بعد الانتخابات يحملُ مخاطر كثيرة قد تكرس الانقسام. فإذا فاز أحدُ الطرفين لن تسلم له القوات الأمنية الخاصة بالطرف الآخر. وبذلك نعيد التجربة التي مرت بها الساحة الفلسطينية بعد انتخابات عام 2006.
ثانيًا: تكليفُ حكومة التوافق الوطني العمل على توحيد الأجهزة الأمنية في جناحي الوطن، قطاع غزة والضفة الغربية، التي سيكونُ لها صلاحية الإعداد لإجراء الانتخابات، فلا يمكن تصور إعادة بناء النظام السياسي بمعزل عن إعادةِ بناء المؤسسة الأمنية وتوحيدها، لأن تأليف حكومةِ توافق من دون شراكة أمنية لن يؤدي عمليًا الى إنهاء الانقسام بل إدارته والتعايش معه، وبالتالي لن تتحقق المصالحة من دون توحيد الأجهزة الأمنيةِ، ومثل هذا الموقف لا يزال موضع خلاف بين حركتي فتح وحماس.
ثالثًا: هناك من يرى ضرورة التدرج في عملية الدمج تمثلهُ «مجموعة دعم وتطوير مسار المصالحة»، التي عرضت عدة تصورات وآليات ذات علاقة بإعادة بناء الأجهزة الأمنية وتوحيدها وهيكلتها، بما في ذلك عرض مسودة مشروع لقانون الشرطة الفلسطينية للنقاش العام، وعدد من التصورات عن السياسات الأمنية الفضلى، ومعايير عملية الدمج. ويقعُ هذا الموقف بين الموقفين السابقين، خاصة أن الاقتراح يرى ضرورة البدء بدمج جهازي الشرطة والدفاع المدني التي لا خلاف على مهماتها أو صلاحياتها وهي أجهزة تؤدي وظائف خدمية، ثم جهاز الأمن الوطني، والخطوة الثالثة توحيد جهازي الأمن الوقائي والأمن الداخلي تحت مسمى واحد، وعودة جهاز المخابرات للعملِ في القطاع. ويبدو أن هذا الاقتراح هو الأكثر واقعية وملاءمة مع متطلبات المصالحة والواقع.
أياً يكن الخيار، يواجه اتفاق المصالحة الفلسطيني، وبالتحديد ما يتعلق بتنفيذ الشق الأمني وإعادة بناء الأجهزة الأمنية وتأهيلها وهيكلتها، تحديات وإشكاليات مختلفة، أهمها الاحتلال الإسرائيلي الذي سيعمل على إعاقة التقارب الفلسطيني - الفلسطيني وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، الأمر الذي سيدفعه إلى إفشال مهمات قوات الأمن الفلسطيني، وبالتالي إفشال الهيكلة والاندماج. وإضافةً إلى ذلك عدم وجود سياسة أمنية تحوز الإجماع الفلسطيني والالتزام العربي بتقديمِ المساعدات اللازمة لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في ظل وجود أعدادٍ كبيرة فائضة عن الحاجة في غزة. كما ستتأثرُ العملية بموقف الدول المانحة من احتمالات دمج الأجهزة الأمنية في الضفة والقطاع، لأن الأجهزة في الضفة تعتمد اعتمادا شبه كلي على التمويل الخارجي الذي من المتوقع أن يتوقف أو يتراجع. يضاف إلى ذلك التباعد الجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي يشكل عائقاً يضعف التواصلَ والتلاحمَ بين الشطرين.
يتضح مما سبق أنّ الملفَّ الأمني يشكل عبئا كبيرًا على الفلسطينيين، وأن ما يعطل البدء في عملية دمج الأجهزة الأمنية، وبناء مؤسسة موحدة، ليس الإشكاليات والعقبات التي تواجه عملية الدمج، والتي تتطلب أن تكون قيادتا «فتح» و«حماس» على استعدادٍ لإتمام المصالحة ومعالجتها بوعي وإدراك للواقع، بل إن ما يعطل المصالحة هو تعامل الطرفين مع الأمن من منطلق حزبي يقوم على رغبة كل منهما بالمحافظة على أجهزته، لأن بناء أجهزة مهنية بعيدًا عن الحزبية يمس دور الحركتين و«المكتسبات» المتحققة جراء استمرار الأمر الواقع في كل من الضفة والقطاع على ما هو عليه.

* باحث في قضايا الحكم والسياسة - رام الله.