| 

مدينة بئر السبع عاصمة أكبر قضاء في فلسطين الذي تبلغ مساحته 12,577,000 دونم، ولها تاريخ عريق ذكر كثيراً في كتب الأقدمين. وهذا التاريخ على أهميته لا يقارن بتاريخها الحديث، الذي أدى دوراً كبيراً في تاريخ فلسطين. فقد سيطرت بريطانيا على مصر عام 1882 بالطريقة المعهودة التي لا تزال تطبق في بعض بلادنا العربية حتى يومنا هذا، وهى استعانة حاكم ظالم بقوة أجنبية لتحميه من ثورة شعبه ضد الظلم. فقد طلب الخديوي توفيق من بريطانيا مساعدته في تثبيت عرشه ضد مطالبة الضباط المصريين، وعلى رأسهم أحمد عرابي باشا، بالعدل والمساواة مع الضباط الاتراك والشركس. فانتهزت بريطانيا الفرصة ودمرت الاسكندرية من البحر واستولت على قناة السويس، ووطدت أقدامها في مصر، ولم تخرج منها نهائياً، إلا بعد 75 عاماً عندما أخرجها جمال عبد الناصر. وهذا التاريخ مهم لأن بريطانيا أسست في مصر قاعدة عسكرية وسياسية انطلقت منها إلى استعمار المشرق العربى بعد الحرب العالمية الأولى.
في بداية القرن العشرين، شعر الأتراك بالتهديد البريطاني لبلاد الشام الواقعة تحت سيطرة الدولة العثمانية، فبدأوا في تحصين حدود فلسطين الجنوبية الشرقية التي كانت تمتد إلى مناطق واسعة في سيناء ومن العريش إلى خط يمتد جنوباً حتى خليج العقبة. وبدأ بناء مدينة بئر السبع الحديثة عام 1900 على أساس تخطيط حديث على شكل مربعات، وفي كل مربع مبان حكومية حُوّل بعضها إلى مستشفى وإلى مدرسة ومسجد ومحطة سكة حديد وحديقة عامة. واشتريت الأرض ( 2,000 دونم) من أصحابها عشيرة العزازمة. ولم يكن موقع بئر السبع موقعاً أثرياً قديماً فحسب، بل كان النقطة التي اجتمعت عندها أراضي قبائل العزازمة والترابين والتياها. وفي هذه المدينة الجديدة تم تخزين مؤن وسلاح للدفاع عن فلسطين. ثم مد الاتراك سكة الحديد من القدس إلى بئر السبع ثم إلى عوجة الحفير، وهى نقطة أصبحت في ما بعد على حدود مصر وفلسطين.

رسم الحدود

إن الاهتمام التركي الكبير ببئر السبع، إلى حد مد سكة حديد في أرض صحراوية جنوب بئر السبع، (تقع المناطق الخصبة شمال المدينة) هو أمر له دلالته، ويدل على بعد نظر كبير. إذ أن بريطانيا التى كانت تحكم مصر بواسطة حاكمها الفعلي اللورد كرومر، تآمرت، بواسطة المفتش الإنكليزي في سيناء جيننغز براملي، كي ترغم الاتراك على قبول اتفاقية «الخط الاداري» في تشرين الأول/ اكتوبر 1906 الذي يفصل مصر عن فلسطين. وقد أصبح هذا «الخط الاداري» ـ ولم يكن حدوداً رسمية ـ أول تقسيم في التاريخ لأراضٍ عربية بموجب اتفاقية بين دولتين. وتحول الخط في ما بعد إلى حدود دولية عندما وقع السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل عام 1979. لكن تدخل بريطانيا كان هو البداية فقط. فقد أعلنت بريطانيا الحرب على تركيا عام 1914، وفي بداية 1917 دخلت القوات البريطانية فلسطين لاحتلالها. ومن المفارقات أن هذه القوات كانت تسمى: «قوات الحملة المصرية». Egyptian Expeditionary Force
توقفت هذه القوات عند غزة في نيسان/ ابريل 1917 حين عجز قائدها الجنرال موراي عن احتلال غزة مرتين بعد أن دفع خسائر فادحة. لذلك أقيل الجنرال موراي وحل محله الجنرال أللنبي الذي استمع إلى نصيحة ضباطه الاستراليين في فرقة الخيالة، وهي تقضي التظاهر بمهاجمة غزة للمرة الثالثة، والتسلل بقوة كبيرة إلى الشرق ومهاجمة حامية بئر السبع الصغيرة. وقد تم احتلال مدينة بئر السبع مساء 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1917. وفي اليوم التالي أرسل أللنبي برقية إلى لندن يقول فيها: «أخذنا بئر السبع. ستكون القدس هدية عيد الميلاد لكم».
في اليوم التالي له، أي في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 1917، أخرج اللورد بلفور وزير خارجية بريطانيا ورقة من درج مكتبه كان قد اتفق على صوغها مع الصهيونيين قبل عدة شهور، وأعلن رسالته المشؤومة التي دشنت قرناً من التشريد والقتل والدمار والحروب.
وفي الشهر نفسه بعد 31 عاماً، أي في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1948، احتلت القوات الإسرائيلية بئر السبع، لتبدأ مرحلة التشريد لسكان مدينة بئر السبع وقضائها.

الخداع البريطاني

حارب العرب مع بريطانيا من أجل الاستقلال، ولكن بريطانيا خدعتهم. وفي بئر السبع، توجد مقبرة للجنود البريطانيين الذين قتلوا في معركة بئر السبع في سنة 1917. وزائر هذه المقبرة اليوم يجد على بابها لوحة رخامية مكتوب عليها: «هذه الأرض هدية من الشعب الفلسطيني»، ربما عرفاناً بحصوله على وعد بالاستقلال والحرية.
أين المفارقة إذن؟ في تشرين الأول/ أكتوبر 2010، احتفلت بئر السبع الإسرائيلية بدعوة نخبة من الخيالة الاستراليين للقيام بعرض في شوارع المدينة. وقال رئيس البلدية الإسرائيلي ان هذا الاحتفال «يمثل الإيمان والنضال المستمر من أجل الاستقلال والحرية»، ولم يذكر بالطبع أن الشعب الفلسطيني هو الذي كان مقصوداً بالاستقلال والحرية. وزاد الطين بلة كلام الحاخام الاسترالي الذي جاء مع قوات الخيالة عندما قال: «إن إسرائيل تستحق جائزة نوبل لنضالها الثابت والمستمر من أجل الإنسانية».
قاومت بئر السبع الهجوم الإسرائيلي عام 1948 بقوات قليلة من المتطوعين وجنود الجيش المصري، ولم يستطع اللواء المواوي الفاشل، وهو قائد القوات المصرية في تلك المنطقة، مدها بقوات إضافية للدفاع عنها. وعند سقوطها اقترف الإسرائيليون مذبحة كبيرة بين المدنيين الذين احتموا بمسجد المدينة الكبير آنذاك. وقد أخذ الصهيونيون أكثر من 100 معتقل إلى معسكر لأعمال السخرة. أما الباقون من نساء وأطفال وكذلك ما تبقى من الجنود المصريين الأسرى فقد نقلهم الصهيونيون في شاحنات وألقوا بهم على مشارف غزة، وكان بينهم طفل أصبح طبيباً مشهوراً في غزة هو الدكتور إياد السراج.

مدينة للجميع

منذ أن أنشئت مدينة بئر السبع عام 1900، أصبحت موطناً لبعض أهالي غزة والخليل الذين قدموا من إحدى هاتين المدينتين إما للتجارة أو للعمل في الحكومة أو التعليم في مدرستي الذكور والإناث. ولم يسكنها بشكل منتظم عدد كبير من ابناء قبائل بئر السبع، مع أنها كانت المركز الإداري والتجاري للقضاء. وكان أول رئيس بلدية لها هو الشيخ فريح أبو مدين شيخ قبيلة الحناجرة، وله منزل كبير لا يزال قائماً إلى الآن. وآخر رئيس بلدية هو شفيق مشتهى، وأطول مدة خدمة سجلت للحاج تاج الدين شعث، وكلاهما من مدينة غزة. ومن الشخصيات الحكومية البارزة عارف العارف المؤرخ المعروف الذى كان قائمقام القضاء لعشر سنوات.
كانت محكمة العشائر تعقد في المدينة مرة كل أسبوع، وتقضي في جميع النزاعات بما فيها جرائم القتل، لكن صلاحياتها في تسجيل الأراضي كانت محدودة، وبقيت في يدي المندوب السامي البريطاني خدمة للصهيونية. أما مدرسة الذكور فكانت تدرّس حتى الصف السابع الابتدائي وفيها قسمان: القسم الخارجي لطلاب المدينة والقسم الداخلي لأبناء شيوخ العشائر حيث كانوا يقيمون في المدرسة طوال مدة الدراسة. وإلى جانب محكمة العشائر كانت تقع سوق المدينة وهي المكان الملائم لأبناء القبائل للقدوم إلى المدينة من مسافات قد تصل إلى 60 كيلومتراً للتسوق أو التقاضي أو لقضاء مصالح أخرى. وقد جندت حكومة الانتداب شباناً من القضاء للخدمة في شرطة الهجانة التى كانت موزعة على تسعة مراكز شرطة وتتصل هذا المراكز ببعضها وببئر السبع والقدس بواسطة اللاسلكي.

أرقام ومعلومات

بلغ عدد أهالي المدينة في عام 2008 نحو 53 ألفاً معظمهم لاجئون مسجلون توزعوا الآن في الشتات وأغلبهم اليوم في العقبة والزرقاء في الأردن. أما ابناء القبائل فقد بلغ عددهم في الشتات عام 2008 نحو 760 ألف نسمة، منهم 425,000 لاجئ يعيش 200,000 منهم في الأردن و200,000 في غزة، والباقي في الضفة الغربية، وقليل منهم في سوريا ولبنان. وقد بقي منهم في إسرائيل 190,000 نسمة معظمهم من قبيلة التياها، ويتعرضون اليوم لأبشع انواع التفرقة العنصرية واستلاب الاراضي. وتميز أهالي قضاء بئر السبع اللاجئون بانخراطهم في سلك المقاومة، وقد استشهد من بينهم أعلى نسبة من الشهداء بالنسبة إلى عدد السكان.

غزة وبئر السبع

بلغ عدد المستوطنين عام 2008 في مدينة بئر السبع 170,000 نسمة معظمهم من اليهود الشرقيين، وانضم إليهم عدد كبير من اليهود الروس في التسعينيات. وفيها جامعة كبيرة سميت باسم بن غوريون المدفون في مستعمرة سدى بوكير جنوب بئر السبع لتشجيع اليهود على الهجرة إلى قضاء بئر السبع. لكن هذا الحافز لم يكن له أثر كبير؛ فلا يزال يسكن في القضاء كله أقل من 75,000 مستوطن، عدا مدينة بئر السبع.
إن الوصف التاريخي لمدينة بئر السبع وقضائها لا يمكن أن ينفصل عن غزة. فعلى عدة قرون قبل عام 1900، كانت غزة وبئر السبع وقضاؤها تعرف باسم «بلاد غزة» قبل فصل القضاءين في مطلع القرن العشرين لأسباب عسكرية.
وموقع غزة في هذا المكان شبيه بموقع دمشق، فكلاهما الميناء البري لمساحة كبيرة من الأراضي، معظمها صحراوي. وتشبه الصحراء بحراً والمدينة مرفأ يصل إليه الناس لقضاء مصالحهم ثم يعودون إلى بحارهم. من هنا كان قطاع غزة هو الملجأ الأول للمهجّرين من قضاء بئر السبع. وبصمود غزة وأهلها اللاجئين إليها عام 1948، نـأمل أن يكون القطاع نقطة الانطلاق للعودة إلى الوطن المحتل.

* رئيس هيئة أرض فلسطين وواضع «أطلس فلسطين».