| 

فيولا الراهب (مواليد بيت لحم 1969) المقيمة في فيينا أصدرت مؤخراً كتاباً بالإنكليزية عنوانه «أميركيون لاتينيون جذورهم فلسطينية». قدم له متري الراهب مدير معهد ديار الموسيقى في بيت لحم. ويتألف الكتاب من خمس دراسات مع حواش وببليوغرافيا وسيَر حياتية، تتصدرها دراسة فيولا الراهب «أخوة وأخوات في الشتات: مسيحيون فلسطينيون في أميركا اللاتينية» وفيها ترى أن الهجرة الفلسطينية إلى أميركا اللاتينية والوسطى كانت بحراً منذ منتصف القرن التاسع عشر وكانت عبر ثلاث موجات، الأولى إبان الحكم العثماني (1860 ـ 1916)، والثانية تحت الانتداب البريطاني (1918 ـ 1948)، فيما كانت الثالثة في أعقاب نكبة 1948 التي أصابت أهل فلسطين ولم ينج من تبعاتها العرب أجمعون، فيما تلاحظ الراهب أنه خلال الانتفاضة الثانية في فلسطين (2000 ـ 2005) كانت هناك هجرة مسيحيين فلسطينيين ولو محدودة إلى أصقاع الشتات تلك. وتشير الباحثة إلى أن أكبر تجمع فلسطيني في الشتات خارج العالم العربي هو في أميركا اللاتينية إذ يصل عدد المهاجرين الفلسطينيين إليها إلى نصف مليون يتحدرون من أصول فلسطينية معظمهم في تشيلي، وتصل نسبتهم إلى 3% من سكان هندوراس. وبالقياس إلى حجم نزوحهم في الشتات، فإن فلسطينيي أميركا اللاتينية يمثلون أكبر تجمع فلسطيني مسيحي في الشتات.
قامت الراهب بالاتصال بأفراد ومنظمات في ذلك الشتات القصي فوجدت أنهم حالياً ينتمون إلى الجيل الرابع أو الخامس من المهاجرين، ويعرّفون أنفسهم على أنهم فلسطينيون مسيحيون من تشيلي أو المكسيك أو غيرهما، وأن غالبيتهم لا يعرفون فلسطين ولا هم ينطقون بالعربية أو يفقهونها، لكنهم متفقون عامة على الدفاع عن أهل فلسطين في نضالهم وفي الحفاظ على تراثهم العربي وتقاليدهم الفلسطينية.
الدراسة الثانية «المراحل الأساسية» لهجرة عرب فلسطين إلى أميركا اللاتينية ومطالبتهم بالعودة للحصول على الجنسية الفلسطينية في عشرينيات القرن العشرين، لعدنان مسلّم، وفيها يشير إلى أنه بين 1860 و1914 وصل عدد المهاجرين من سوريا إلى أميركا إلى 33000 معظمهم غادروا أوطانهم لأسباب اقتصادية، فيما وصل إليها عدد محدود من رجال الأعمال والصناعيين في فلسطين للإطلاع على آخر المعارض، فمنهم من عاد إلى موطنه ومنهم من لم يعد، كما حدث مع جريس أبو عراج وزوجته سارة داود في غواتيمالا، أو غادروا بيت لحم لحضور المعرض الدولي للعام 1893 فطاب لهم المقام في تلك الديار. ولا ينس الباحث مسلم ذكر قصص شتى عن نجاح المهاجرين الفلسطينيين وفشلهم، فيومئ إلى رحلة عبد المجيد شومان إلى أميركا في 1911 وفي جيبه ثماني ليرات ذهبية وعودته إلى فلسطين في 1929 ليؤسس البنك العربي، وإلى بدر وإبراهيم لاما اللذين عادا من تشيلي في 1927 وتوقفا في الإسكندرية فأسسا شركة إنتاج أفلام وأخرجا «قبلة في الصحراء» في العام نفسه، وهو أول فيلم عربي صامت، وازدهر الأخوان لاما في الثلاثينيات والأربعينيات في تأسيس ستوديوهات لاما للتصوير السينمائي في مصر.
في مبحثه «مساهمة المسيحيين الفلسطينيين في الحياة الاقتصادية والسياسية في أميركا اللاتينية» يعمد روبرتو مارين ـ جوزمان (Roberto Marin Guzman) إلى دراسة شؤون فلسطينيي أميركا اللاتينية من حيث مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية في هندوراس والسلفادور ونيكاراغوا وغواتيمالا وكوستاريكا، فيجد أن الأجيال الثانية والثالثة وحتى الرابعة لأولئك المهاجرين ما عادت تتحدث العربية لا بل نسيتها، ومن هنا انخراطها في الحياة الجديدة وتأسيسها النوادي والصحف والمجلات لنشر التراث العربي، ووصل منها عدد لا بأس به إلى الوزارات ومجالس النواب، فيما كتب لاثنين رئاسة الجمهورية في هندوراس (Facusse وSaca).
وفي دراسته «الشتات الفلسطيني في أميركا الوسطى: قصة مصاعب ونجاح» يرى منذار فوروهار (Manzar Foroohar) أن هناك موجتي هجرة فلسطينية إلى أميركا الوسطى، أولاهما في مطلع القرن العشرين بحثاً عن مستقبل أفضل، وثانيتهما في اثر نكبة 1948 بحثاً عن وطن جديد، وأن كلا أفراد الموجتين يقرون بأصولهم الفلسطينية ولكن يعترفون بانتمائهم إلى دول أميركا الوسطى في المقام الأول.
المبحث الأخير من كتاب فيولا الراهب لدارسين هما نيكول صافية غيفارا (Nicole Saffie Guevara) ولورنزو أجار كوربينوس (Lorenzo (Agar Corbinos . تتحدر نيكول من أصول فلسطينية فيما يتحدر لورنزو من أصول سورية، ويعالج مبحثهما مئة عام من الهجرة الفلسطينية إلى تشيلي «قرن من الاندماج الناجح». يلح الباحثان على أن هجرة الأوائل إلى تشيلي كانت مضنية وأن الجيل الناشئ المشارك بفعالية في الحياة الاقتصادية والسياسية في تشيلي يقر بفضل أجداده وتراثهم العربي.
على هذا النحو توثق فيولا الراهب هجرة أبناء فلسطين على مدى نصف قرن إلى دول أميركا اللاتينية في أطرها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فكتابها هذا مع صحبها المشاركين نموذج يحتذى في رصد النزوح قبل النكبة وبعدها.
أصدرته دار «ديار» للنشر في بيت لحم، 2012.