| 

عربٌ فلسطينيون مُحاصرون في جنوب البلاد، في بقعةٍ معظم القرى فيها غير معترفٍ بها، ولا تختلف حياتهم عن خيام اللاجئين. إنهم فلسطينيون طالتهم النكبة بما لا يقل قسوة عَن سائر الفلسطينيين الذين يقطنون منطقتي الشمال والمثلث في أراضي 1948. ففي عام 1948 تجاوز عددهم 90 ألف فلسطيني، حتى مزقهم الشتات واختزلهم بنحو 10 آلاف فلسطيني يسكنون في منطقة صحراوية هي النقب. ومثل سائر الفلسطينيين الذين انتزعت منهم هويتهم الفلسطينية، ليتحولوا إلى مواطنين عرب في دولةٍ محتلة، شُوِه الكثير من تفصيلات تاريخهم وحياتهم البدوية، لكنهم في التمسُكِ بالأرض زادوا صلابةً وثباتًا.
صورٌ لواقعٍ مر يعيشه العرب في النقب، وفي كُلِ صورةٍ تلمَح عروبة شوّهها واقع الاحتلال، ومزقتها المساعي الإسرائيلية لمحاصرة البدوي في صحرائه وأرضه، في ظلِ معطياتٍ قاسية عن الحالة الاجتماعية لسكانِ الجنوب.

الفقر والبطالة وتأثيرهما في المجتمع النقباوي

الفقرُ في النقب هو الأعلى بين فلسطينيي الداخل. هكذا تُشير الإحصاءات الرسمية، إذ انّ 62% من عرب الجنوب (النقب) يعيشون تحت خط الفقر، أي أنّ كل عائلة ثانية هي فقيرة، وتعتمد هذه العائلات على مخصصات التأمين الوطني، الأمر الذي يورِط أرباب العائلات في التكاسل والارتباط الاقتصادي بالمؤسسة الحاكمة، ما يجعلهم غير مبالين تجاه ظروفهم وصعوبة أحوالهم. وتُساهم البطالة التي تصل إلى 40% في القرى غير المعترف بها في النقب في زيادة المأساة التي يعيشُها أهل النقب، علمًا أنّ معدل البطالة العام في إسرائيل يبلغ 10%.
أما العامل الآخر الذي يزيدُ تفاقُم الأوضاع في النقب فهو تدني مستوى التعليم، فنسبة التحصيل العلمي هُناك هي الأقل في إسرائيل. ومقارنةً مع فلسطينيي الشمال والمركز، يتدنى مستوى الاستثمار في المدارس التي تعد الأقل جودة ولا تتلاءم والتحضيرات والمتطلبات التي يحتاجها الطلبة للانتقال من الثانوي إلى الجامعات. وهكذا يتأهل 3% من الطلبة إلى المرحلة الأكاديمية. ولأنّ نسبة الأكاديميين وأصحاب الدخل العالي ضئيلة، فإنّ الوضع الاقتصادي يكاد لا يتزحزح عن مستواه المتدني منذ عشرات السنوات.
ويوضّح خير الباز، مدير قسم الشؤون الاجتماعية في شقيب السلام بالنقب، «أنّ من بين أسباب التعليم المتدني عدم استثمار المؤسسات في قوى عاملة، بجودة عالية، كمعلمين وطواقم، ما يعني أنّ الأوضاع في معظم القرى غير المعترف بها، قاسية جدًا، إضافة إلى عدم وجود مدرسة ثانوية في القرى غير المعترف بها، الأمر الذي يُجبر الطلبة على الانتقال إلى القرى السبع المعترف بها، وهي بعيدة جدًا عن أماكن سكناهم». ويضيف: لا يمكن فصل الظروف البيئية الحياتية الصعبة مِن فقرٍ وبطالة عن التحصيل العلمي المتدني، خاصةً أنّ معظم العائلات في النقب كثيرة الأولاد، ما يُصِّعب قدرة الآباء على الاستثمار بأبنائهم. وخلافاً لمدارس أخرى، لا يحصل طلبة النقب على خططٍ لتعليم لامنهجي، ليُساهِم في تحسين قدراتهم التعليمية، ولا يتم الاستثمار في وسائل المساعدة للطلبة ما بعد الدوام المدرسي، وليس لدى الطلبة كتب ومواد دراسية ملائمة. ويعترف بعض المديرين بأنّ هناك طلبة يصلون إلى المدرسة من دون وجبة طعام، بسبب الفقر الذي تعانيه عائلاتهم. والنتيجة «كيف لهؤلاء الطلبة أن يركزوا في مناهجهم التعليمية؟!».
أما صحيًا، فالوضع في القرى غير المعترف بها يفرض على الدولة تقديم الخدمات الأساسية، لكنّها لا تنفّذ حتى قوانينها، فيما في القرى المعترف بها عيادات صحية ثابتة، وخدمات صحية شبه كاملة.

الإناث يتفوقن تعليميا

يمر المجتمع العربي في الجنوب في سنواته العشر الأخيرة بتغييرٍ غير مبرمجٍ أو مُتوقّع، يتعلق بالفتيات في النقب. فقد تجاوز عدد الحاصلات على شهادة إنهاء المرحلة الثانوية ضعف عدد الطلاب، كما أنّ عدد الحاصلات على اللقب الأول (البكالوريوس) يصل إلى ضعفي عدد الأكاديميين الشبان، لتتساوى النسبة في حال الحصول على اللقبين الأول والثاني. ويعتبر عدد الطالبات في المراحل الإعدادية والثانوية أعلى قليلاً من عدد الطلاب، ويعودُ السبب في ذلك إلى بحث الطلاب عن فرصٍ أخرى للعمل أو التعلم خارج بلدات النقب، بينما تبقى الفتيات في بلداتهن حتى إنهاء المرحلة الثانوية على الأقل.
ويعد التعليم الفرصة شبه الوحيدة لخروج الفتيات من الجو العائلي المحافظ في القرى البدوية إلى الخارج. وعلى الرغم من تمسك العائلات بالتقاليد البدوية التي تحد من حركة الفتيات والنساء عموما، إلا أنّ ظاهرة خروج الفتيات إلى التعليم برزت مؤخرا، إذ لم تكتفِ الفتيات بالتعليم الثانوي، فالمئات منهن توجهن إلى الجامعات القريبة، كجامعة بئر السبع، وبعضهن - وهن قلّة - سمحت عائلاتهن لهن بالسفر إلى بعض الدول الأوروبية لاستكمال تعليمهن الأكاديمي، وفي غالب الأحيان يخترن أن يكُنّ معلمات أو ممرضات.
تبدو ظاهرة تعليم الفتيات غريبة على مجتمع بدوي محافظ، لكنّ ذلك يؤكد مسعى العائلات لفتح أبواب رزقٍ وفرص عملٍ ظلّت مُغلقة بفعل الفقر والتهميش، طوال السنين الماضية. وفي الوقت الذي نتحدث فيه عن معطياتٍ إيجابية، فإنّ النساء اللواتي فوق سن 45 عامًا، ونسبتهن 70% مِن مجمل النساء، هُن أميات.

المرأة في النقب ليست ماكنة تفريخ!

على الرغم من ارتفاع عدد المثقفات والمتعلمات في النقب، فإن الصورة العامة للنساء لا تزال قاسية، وفيها إشارة واضحة إلى الغُبن اللاحق بالمرأة البدوية. وليس مستهجنًا أن يكون ثلث النساء البدويات يعانين اضطرابات نفسية بسبب الاكتئاب، ويُعانين ضغوطاً اجتماعية عائلية، في ظلِ عاداتٍ قديمة تفرض على المرأة شريك حياةٍ لم تختره، وتُلزمها الإنجاب كماكنة تفريخٍ لا تتوقف إلا بعد أن تتعطّل، إضافة إلى ظاهرة تعدُد الزوجات، وهو نهجٌ بدويٌ متوارَث لم تستطع عجلة العصرِ أن تمنعه ولا حتى إسرائيل التي يبدو أنّ قانونا لديها في شأن منع تعدد الزوجات لا يُطبَّق في النَقب. كما أنّ عددًا من النساء يعانين ظروفاً صحية صعبة، خاصة في أوساط سكان القرى غير المعترف بها، حيث لا يحظى النقباوي بالخدمات الصحية الأساسية، ومن بينها التلقيح.
تقول الناشطة الاجتماعية منى حبابين من النقب «إنّ المرأة مُعطّلة عن العمل تمامًا كالرجل، وفي كثير مِن الأحيان يتم استدعاؤهن إلى العمل في التنظيف في فنادق بعيدة عن مكان سكناهن كفنادق البحر الميت، الأمر الذي يبدو غريبًا ومُستهجنًا وغير مقبولٍ، بينما تُضطر غالبية النساء إلى العمل في الزراعة كأجيرةٍ من ساعات الصباح حتى آخر النهار، بمعاشٍ زهيد وظروف عملٍ قاسية».
تعقّب صفاء شحادة مديرة جمعية «معًا» الداعمة للنساء في النقب بالقول: «الوضع الاجتماعي في النقب للأسف لا يتحسن، بل أرى أنه يعود إلى الوراء من النواحي الاقتصادية والاجتماعية، ويزيد الفقراء فقرًا، ما يدفع النساء إلى سوقِ الزراعة، وهو سوقٌ للعبيد، ويُسيطِر المقاولون على النساء ويجبرونهن على البدء في العمل من الرابعة صباحًا وحتى ساعات العصر، حيث تترك الأم أطفالها مهملين في الشوارع، مِن أجل تحصيل أجرٍ شهري لا يزيد على 2000 شيكل (500$)».

ارتباط الوضع الاجتماعي بالسياسة

إنّ العوامل الاجتماعية التي أثرت في سكان النقب وجعلتهم فقراء ومضطربين وباحثين عن مصدرِ رزقٍ، مرتبطة ارتباطا كبيرا وخطيرا بسياسة الإقصاء الممنهجة التي سعت الدولة العبرية إلى فرضها منذ أن تحولت البقعة الجغرافية الصحراوية إلى منطقة عسكرية، وأقيم جدارٌ في منطقة «السياج»، ليُبعدهم عَن سائر فئات المجتمع الفلسطيني.
خلّف هذا الإقصاء المتعمّد أبعادًا اجتماعية سلبية كثيرة، وغيّر نمط حياة شريحةٍ سكانية كانت مكتفية وراضية بِما لديها، حيث كانت تعتاش على زراعة القمح وتربية المواشي، ورأس مالها «كرامتها»، لكن بين ليلةٍ وضحاها - تقول شحادة - «أُجبروا على أمرين: حياة مدنية مختلفة كليًا عن نمط حياتهم وعاداتهم المألوفة، وتحولوا من ملاكين إلى معدمين، من دون فرص عملٍ مُتاحة. والأمر الثاني هو توطينهم في حاراتٍ، بحيث صارت كل عائلة تسكُن في حارةٍ، بينما لا تواصل بين هذه العائلات، حتى أنّ الحارات تُسمى بالأرقام، ما يعني الإبقاء على الإطار القبلي لا العكس، فظلّ العرب في النقب مجتمعًا بدويًا وليس عربيًا، بفعلِ السياسة المقصودة للدولة المحتلة».
أما ما يُعرف باسم «المكاتب الاجتماعية» في الجنوب، فهذه المكاتب لا تقوم بدورها كما يجب، ولا تؤثر في المعطيات القاسية التي يعانيها أهل النُقب، ولا سيما بسبب ظاهرة تعدد الزوجات. وتقول شحادة: كيف يمنعون هذه الظواهر السلبية إن كان 90% من مديري المدارس أزواجاً لأكثر من امرأة؟!
أشارت صفاء شحادة إلى مشكلتين «يتجاهلها أولو الشأن والمثقفون في النقب، وهما: قضية العنف ضد النساء وقتلهن على خلفية ما يُسمى بـ«شرف العائلة»، ونسبتهن ليست بقليلة. والقضية الثانية الأشد مرارة هي الخدمة المدنية التي تُغلّف بخدماتٍ للشباب، لكنّها في الحقيقة تنضوي تحت مشروعٍ سياسي سلطوي يهدف لإيقاعِ الشبان والفتيات في النقب بين فكي التجنيد الإلزامي والخدمة المدنية».

الهوية والبقاء

يتجلّى الحفاظ على الهوية لدى أهالي النقب من خلال الحفاظ على الأرض، ومع أنّ 50% من عرب الجنوب يسكنون في أراضيهم في ظروف حياتية سيئة جدًا، في القرى غير المعترف بها، وعلى الرغم من أن عدم حصولهم على الخدمات الأساسية، كدورة المياه الجارية والكهرباء والشوارع، فقد بقي عرب النقب صامدين، رافضين الانتقال من القرى التي يسكنونها مِن منطلق الانتماء والرغبة في البقاء على الأرض. وعن ذلك يقول خير الباز: القضية ليست قضية خدمات، في رأيي أنّ مشكلة الهوية الأساسية هي التوعية والاستثمار في الأجيال الشابة، لبناء هوية عربية وزرع شعورٍ بالانتماء إلى المجتمع العربي في الجنوب والمنطقة التي نعيش فيها، وأن يتم تعريف أبنائنا بتاريخ المنطقة وجغرافيتها. وهكذا فقط يكون الارتباط بالهوية والتجذر عميقًا في الأرض.

*صحافية فلسطينية تقيم في مدينة شفا عمرو.