| 

على الرغم من مساعي المؤسسة الإسرائيلية إلى عزل عرب النقب عن سائر الفلسطينيين في الداخل، إلا أنّهم لم يتزحزحوا من أرضهم، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على العلاقة المتجذرة بــين أهـــل النـــقب وأرضهم، رغماً عن مساعي الترحيل المتواصلة منذ النكبــــة. ويرى ناشطون ومحللون فلسطينيون أن أحد أسرار الارتبــاط بالأرض وأهمية الحفاظ على الهوية والتراث لدى عرب النقب، يكمن في الشأن الذي تلعبه المؤسسات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق أهل النقب والجمعيات المدنية متعددة الأغراض في الوسط العربي عموما، وفي أوساط البدو خصوصا، من أجل تثبيتهم على أرضهم وتعزيز انتمائهم إلى هويتهم الوطنية.

الارتباط بالضفة والقطاع

يرى الباحث ثابت أبو راس أنّ الجمعيات المدنية تؤدي دورًا مهماً في نشر الوعي في شأن الهوية الفلسطينية والحفاظ على تاريخ النقب مِن خلال الخطاب الذي تتعاطى بِه مع سكان النقب، ويقول: بدأ المجتمع المدني نشاطه متأخرًا، وكان لكلٍ من مركز عدالة الحقوقي وجمعية الجليل للبحوث الصحية شأن مؤثِر في أهل النقب. فجمعية الجليل للبحوث الصحية، عملت لفترة طويلة في نشر الوعي الصحي ومساعدة عرب النقب، خاصة في القرى غير المعترف بِها، حيثُ ساهمت في إيجاد ما يُسمى بـ«العيادة المتنقلة» التي تتابع الشؤون الصحية لأهل النقب، وتُوفر لهم المستلزمات الأولية على الأقل مِن أجلِ صحةٍ أفضل. لكنّ نشاط الجمعية قلّ بصورة واضحة بعد أن تطورت القرى وصار هناك قانونٌ يُلزم المؤسسة الإسرائيلية تقديم الخدمات الصحية. ويُشير أبو راس، وهو مدير مركز عدالة الحقوقي في النقب، إلى أنّ نشاط «عدالة» في النقب مكثفٌ، حيثُ أخذ المركز على عاتقه مهمة تقديم الخدمات والاستشارة القانونية وتطوير المشاريع التثقيفية، وبذلك ساهم في تعزيز تمسك عرب النقب بأرضهم وببقائهم فيها. ومع ذلك، يسجل أبو راس بعــــض الملاحظات عن عمل الجمعيات، فيقول: هناك بعــض المآخذ على عدد من الجمعيات التي تحاول «بدوَنة» النـــضال العربي في النقب، ما يُعمِق الشرخ مع سائر الفلسطينيين في الداخل، في حين أنّ الضرورة تستدعي القيادات الفلسطينية للاستثمار أكثر في النقب، إضافة إلى ضرورة عمل قادة الأحزاب السياسية العربية ولجنة المتابعة للجماهير العربية في تلك المنطقة بشكل فاعل، بل إن الأمر يتطلب افتتاح مكاتب رسمية في النقب، بهدف متابعة النضال السياسي والاجتماعي عن قُرب، ومؤازرة الأهالي في معاناتهم اليومية، وتعزيز الهوية الفلسطينية في الجنوب بصورة متواصلة.
يعتبر ثابت أبو راس أنّ «عرب النقب هم أكثر شريحة جغرافية فلسطينية حافظت على التراث بحكم كونهم منعزلين عن باقي الفلسطينيين، أكان ذلك في العزلة عن الضفة والقطاع أو عن عرب الشمال، وهذه العزلة الجغرافية تفرض عليهم الظهور مختلفين عن الآخرين، وهذا الواقع جاءَ نتيجة إغلاق الضفة والقطاع، خاصةً غزة التي اثرّت اجتماعيًا واقتصاديًا في عرب النقب».
يؤكد أبو راس على حقيقة قد لا يعرفها كثيرون، وهي أن إسرائيل، «في الوقت الذي كانت تخطط لسلخ عرب النقب عن أبناء شعبهم، من خلال إغرائهم بالانتساب إلى الجيش، حيث نجحت في هذا الأمر مع الدروز وبدو الشمال، فشلت في ذلك مع عرب النقب، بسبب تواصلهم الاجتماعي والاقتصادي، ولا سيما بعد العام 1967، مع قطاع غزة وجبل الخليل. إن نسبة عالية من الزوجات، هن من غزة وجبل الخليل، فتعززت بذلك الأواصر بين النقباويين والفلسطينيين الغزيين أو الخلايلة». واستخدم أبو راس مصطلح «فلسطنة البدو» لتأكيد عمق هذا الارتباط الفلسطيني- الفلسطيني.
غير أنه اعتبر «تأثير الأحزاب العربية في الداخل في أهل النقب ضعيفًا نسبيًا، باستثناء الحركة الإسلامية التي أدت - ولا تزال - دورًا بارزًا في وعي ضرورة الحفاظ على الأماكن الإسلامية كالجوامع والمقابر التي استهدفتها بلدية بئر السبع بحملاتِ اقتحامٍ شرسة».
يشير أبو راس إلى «استقلالية الإعلام في النقب، فالعرب في الجنوب لا يقرأون إلا صحفهم التي تصدُر أسبوعيا، ولا يسمعون مِن الإذاعات إلا الإذاعات الفلسطينية التي تصلهم عبر أثير إذاعات الضفة أو القطاع، وفي ذلك يتعزز ارتباطهم بلغتهم العربية».
ومن خلال علاقاته الشخصية بالمجموعات الطالبية، يؤكد أبو راس أنّ «العربي في النقب متعدد الهويات، فيرى نفسه مسلما وبدويا وعربيا وفلسطينيا، لكنه نادرًا ما يذكُر الإسرائيلي». ويلفت إلى أنّ النهوض الوطني لعرب النقب برز كثيرا في عملٍ مشترك لنحو 64 مؤسسة تأطرت تحت اسم «منتدى معًا للدفاع عن حقوق عرب النقب»، وساهم العمل الحزبي للقيادات العربية، مثل الجبهة الديموقراطية والتجمع الوطني والحركة الإسلامية، في نشر الوعي بأهمية الحفاظ على البقاء، من دون أن يغفَل أبو راس عن ذكر إسهامات الجمعيات المحلية، بخاصةً الجمعيات النسوية البالغ عددها 8 جمعيات.

الجمعيات النسوية والتراث

من بين الجمعيات التي تعمل على تعزيز دورها في الحفاظ على الهوية لأهل النقب «جمعية سدرة» التي شرحت مديرتها منى حبابين عمل الجمعية لـ«ملحق فلسطين»، قائلة: «سدرة» جمعية خيرية مسجلة، أُسست عام 1998 بمبادرة عدد من النساء العربيات من شتى بلدات النقب، ومقرها في بلدة اللقية، وتقوم على خدمة المرأة البدوية في النقب، وقد نفذت عدة مشاريع نسائية، وطورت شبكة واسعة من الشركاء، وهي جمعية غير ربحية، تضع في صُلب اهتماماتها توعية المرأة بحقوقها، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية.
وعن اهتمام الجمعية بمسألة التمكين الاقتصادي، قالت حبايبن: تنظم الجمعية دورات إرشاد للنساء، كالخياطة والتطريز وما إلى ذلك، وتوفِر فرصاً لها للحصول على قروضٍ من جمعيات ومؤسسات بهدف تطوير مصالح صغيرة. فمثلاً اللواتي يتعلمن خياطة، يُمكن أن يُتاح لهن الحصول على ماكنات خياطة، ويمكن افتتاح مشروع تجاري بسيط أو إقامة مطعم متنقّل وما إلى ذلك. وأضافت: يتم إرشاد النساء إلى ضرورة إسماع صوتهن وعدم الرضوخ لقمع المجتمع الذكوري الذي تتعرض له النساء، ويتم توعية المرأة بضرورة مشاركتها في البرامج التثقيفية والسياسية والإدلاء بصوتها في مناسباتٍ انتخابية. وهناك شرحٌ مُسهب عن التاريخ الفلسطيني وتاريخ النقب والتهجير. أما الجانب الاجتماعي في الجمعية، فيظهر في الدورات واللقاءات التي تتطرق إلى معاناة أهل النقب، خاصة النساء اللواتي يعانين تعدد الزوجات ونسب الطلاق المرتفعة، وقتل النساء على خلفية ما يسمى «شرف العائلة».
أما نعمة الصانع، مديرة جمعية نساء اللقية فقالت: إن الجمعية تعمل على إقامة مشاريع لتمكين المرأة البدوية وتعزيز وجودها بمجتمعها. وتنشط الجمعية منذ عشرات السنين من خلال مشاريعها التنموية التي تركز في الأساس على الهوية الفلسطينية وحماية التراث العربي الفلسطيني، من خلال أعمال التطريز البدوية التي تميِّز الأثواب النسائية، إضافة إلى مشاريعٍ أخرى، منها الإنتاج المحلي والإرشاد السياحي وورشات التمكين الذاتي والمحاضرات، إلى جانب الجولات التعليمية والترفيهية وتبادل الزيارات مع جمعيات نسائية.
وأشارت الصانع إلى أن هذه الجمعية «أنشئت بمبادرة نسائية عام 1986، وأصبحت أول جمعية رسمية تعنى بقضايا المرأة الفلسطينية، وهكذا برز مسار التنمية والتمكين الاجتماعي الذي تقوده النساء بأنفسهن متحديات واقعهن السياسي والاجتماعي والاقتصادي الصعب».
وتركز جمعية «معًا - اتحاد التنظيمات النسائية العربية في النقب» التي تديرها العاملة الاجتماعية صفاء شحادة على النهوض بأوضاع النساء وحقوقهن في النقب، منذ أُسست في العام 1999 على أيدي ممثلات عن التنظيمات المختلفة من أجل رفع مكانة المرأة العربية في النقب بواسطة مبادرات مشتركة». وتشرح شحادة رؤيتها لنشاط الجمعية ودورها، فتقول: نحنُ نرى أنّ المجتمع البدوي في النقب هو مجتمع ذكوري وتقليدي تتفشى فيه ظاهرتا تعدد الزوجات والعنف ضد النساء اللتان تحظيان بشرعية واسعة في المجتمع. وفي كثير من الأحيان يتم تجاهل احتياجات المرأة وحقوقها، بينما تتعامل المرأة البدوية مع الوضع القائم على أنه أمر محتم وطبيعي وجزء من قدرها ودورها في الحياة، وتجهل وجود القوانين القادرة على ضمان حقوقها، فجاءت هذه المبادرة النسائية، أي إقامة جمعية محلية تهتم بتطوير الخدمات الخاصة بالنساء والأسرة في قراهن، وتوعية المرأة بحقوقها ورفع مكانتها في مجتمعها مِن أجل إحداث التغيير المنشود، من خلال مشاريع إرشادية مكثفة، وحلقات بيتية، ونشاطاتٍ مع الطلبة ورحلاتٍ للتعريف بمعالم النقب وسائر البلدات العربية التاريخية.
وأضافت شحادة: نصبو في جمعية «معاً» لإحداث تغيير مجتمعي جذري والمساهمة في بناء مجتمع ديموقراطي وعادل يضمن لأفراده عامة، وللنساء خاصة، ممارسة الحقوق والمساواة، ونرتكز في عملنا على المبادئ الإنسانية، وعلى حقوق الإنسان وكرامته.

نشاط الحركة الإسلامية في النقب

يؤدي عدد من المؤسسات دورا بارزا في تعزيز صمود أهل النقب على أرضهم، وعن هذا يقول أحمد السيد، مدير مؤسسة النقب للأرض والإنسان، إن هذه المؤسسة التي أُسست عام 2001، «تعمل وفق المعايير الدينية والتربوية، ومهمتها رفع نسبة الوعي بالهوية والتراث والبقاء من خلال التصدي للمخططات الحكومية الإسرائيلية الرامية إلى اقتلاع سكان النقب مِن أرضهم. ومِن بين الفاعليات التي تقوم بها المؤسسة: دعم أصحاب البيوت المهدّمة، ومساعدتهم ماديًا ومعنويًا، تنفيذ مشاريع عمرانية مثل بناء وترميم البيوت وصيانتها، وزرع آلاف شتول الزيتون تأكيدًا لصمود أهل النقب وتجذرهم فوق أرضهم، ومد أنابيب المياه لأكثر من عشر قُرى حرمتها المؤسسة الإسرائيلية من الخــدمات الأســاسية، وتعبيد العديد من الطرق في القرى غير المعترف بها، وتقديم دعم مادي شهري وموسمي للعائلات المحتاجة، وتنظيم دورات مساعدة لطلبة المراحل الاعدادية والثانوية، وتنفيذ مشاريع للتوجيه الدراسي للطلبة والأكاديميين، والتواصل من خلال إقامة معسكرات تجمع أبناء الحركة الاسلامية في كافة مناطق فلسطين، كالجليل والمثلث والنقب».

«الجامع الكبير» في بئر السبع

تبرز أهمية دور هذه المؤسسات والجمعيات في ضوء سياسة الاقتلاع والتهجير والتبديد التي تمارسها حكومات إسرائيل ضد أبناء الشعب الفلسطيني في النقب. ولعل أبرز ما يُشير إلى تمسُك عرب النقب بمعالمهم التاريخية والدينية ما جرى مِن أحداث في «المسجد الكبير» في بئر السبع، في أوائل أيلول 2012، حين عمدت إسرائيل إلى استفزاز الفلسطينيين ومشاعرهم الدينية. وفي تفصيلات ما جرى، أنّ بلدية بئر السبع قررت تنظيم مهرجان للخمور في ساحات مسجد بئر السبع الكبير، وفيه تعرض أصناف من الخمور، بمصاحبة حفلات موسيقية ليلية. ووقع هذا الإعلان كالصاعقة على أهل النقب، فدعت «لجنة التوجيه لعرب النقب» إلى تنظيم تظاهرة تحت عنوان «الكرامة»، دُعي إليها جميع الفلسطينيين في مناطق الـ1948، لمنع إقامة المهرجان. ولاحقًا استدعت بلدية بئر السبع منظمي التظاهرة وطلبت إليهم التراجع عنها، لقاء منع إدخال الخمور إلى ساحة المسجد، وفعلاً ألغيت التظاهرة، لكنّ المُشاركين في مهرجان الخمور، لم ينفذوا الاتفاق، فحملوا الخمور إلى ساحة المسجد. وردًا على ذلك أقيمت الصلاة في ساحة مسجد بئر السبع لأول مرة منذ 64 عامًا تحت شعار «جمعة التحرير»، علمًا أنّ المسجد الكبير شُيّد في العام 1906، وكان مكانًا للعبادة حتى عام 1948، ثم سيطرت عليه بلدية بئر السبع بعد النكبة وحولته إلى متحفٍ يهودي.