| 

تتناول هذا المقالة إمكانات وفرص المصالحة في ضوء التحولات والمتغيرات سواءٌ على الساحة الفلسطينية أو العربية، وفحص إمكانات استثمار تلك المتغيرات من أجل دفع مسار المصالحة إلى الأمام كخيار وطني فلسطيني، وكمطلب شعبي يهدف إلى مواجهة سياسة الاحتلال المبنية على التجزئة والتقسيم، ويهدف إلى صوغ إستراتيجية وطنية متفق عليها لمقاومة الاحتلال، ومن أجل ضمان حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال والعودة. في هذا السياق لا بد من التركيز على المتغيرات التي أحدثتها الحالة الفلسطينية، خاصة بعد الإنجاز الميداني الذي حققه الشعب الفلسطيني في صموده في قطاع غزة وإفشاله أهداف الاحتلال، وبعد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة، إلى جانب المؤشرات والمتغيرات التي تمت في حركة حماس على المستوى السياسي، مصحوباً ــ الاعتراف ــ بصعود حركة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في مصر.
عانت حركة حماس الكثير جراء شروط اللجنة الرباعية الدولية للاعتراف بها وبحكومتها التي حملت اسم الحكومة العاشرة في عمر السلطة برئاسة إسماعيل هنية، في اثر الفوز الذي حققته في الانتخابات النيابية في كانون الثاني/ يناير 2006، حيث تضمنت تلك الشروط «الاعتراف بإسرائيل، وبالاتفاقات التي تم توقيعها بين المنظمة وإسرائيل، ونبذ المقاومة التي تسميها إسرائيل واللجنة الرباعية «الارهاب».
كان من الطبيعي أن ترفض «حماس» تلك الشروط التي إذا ما تمت الموافقة عليها فإنها ستخرجها من طابعها المقاوم وستضعف من رصيدها الشعبي، خاصة إذا أدركنا أن تلك الشروط وافق عليها في السابق قادة منظمة التحرير، ولم تكن نتيجتها إلا المزيد من التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وتدمير فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة عبر تكثيف الاستيطان وفرض الوقائع الجديدة على الأرض.
تعزز الحصار المفروض على «حماس» وحكومتها في قطاع غزة، خاصة بعد الانقلاب العسكري الذي أقدمت عليه في منتصف حزيران/يونيو 2007، وبقيت الاتصالات محظورة مع الحركة على المستوى الرسمي. كما جاء العدوان الإسرائيلي في نهاية عام 2008 ليعمق حالة العزل والحصار، بهدف إضعاف «سلطة حماس» في القطاع.
استجابت حركة حماس إلى حوار القاهرة الذي تم برعاية مصرية رسمية في عام 2009 بعد انتهاء العدوان على القطاع، والذي ارتكبت فيه إسرائيل جرائم حرب وفق ما جاء في تقرير «غولدستون». وعلى الرغم من الاتفاق على العديد من القضايا في حوار القاهرة، ومنها إنشاء الإطار القيادي الموقت لمنظمة التحرير، وتأليف حكومة تكنوقراط، وآليات توحيد الأجهزة الأمنية، إلا أن هذا المسار لم يترجم على الأرض بسبب وجود بعض التحفظات والملاحظات لدى حركة حماس، إلى جانب اشتراط الإدارة الأميركية على الحكومة المراد تأليفها أن تخضع لشروط «الرباعية»، الأمر الذي أعاد الأمور إلى المربع الأول في ظل استمرار الاعتراض الأميركي والإسرائيلي على تفصيلات اتفاق المصالحة.
ساهم الحراك الشعبي العربي إلى جانب قرار قيادة «حماس» بالخروج الجغرافي من سوريا والانتقال إلى بلدان «معسكر الاعتدال» بالإسراع في توقيع اتفاق المصالحة في 4/5/2011، بعد إضافة حماس بعض الملاحظات على الوثيقة المصرية، وتوسعت دائرة التفاؤل عندما اتفقت الفصائل في كانون الأول/ ديسمبر 2012 على تأليف ثلاث لجان لتسيير قطار المصالحة هي: «الانتخابات، المصالحة المجتمعية والحريات العامة وبناء الثقة». كما زادت مساحة التفاؤل عندما تم تذليل عقبة تسمية رئيس الحكومة بتوقيع اتفاق الدوحة في شباط/ فبراير 2012 بين كل من الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، حيث تمت الموافقة على أن يتولى الرئيس محمود عباس رئاسة الوزراء بسبب تحفظ «حماس» عن سلام فياض، رئيس الحكومة في الضفة. وعلى الرغم من تلك المساحة من الحراك والانفراج النسبي، إلا أن الأمور لم تتحرك على الأرض، من دون إغفال بعض الانجازات التي تحققت في الساحة الفلسطينية، أكان ذلك عبر صفقة تبادل الأسرى، حيث جرى الافراج عن 1000 من المعتقلين الفلسطينيين مقابل الجندي الإسرائيلي المحتجز لدى المقاومة جلعاد شاليط، أو الحراك الدبلوماسي للرئيس عباس الذي عرف باسم «استحقاق أيلول» باتجاه المطالبة باعتماد دولة فلسطين كدولة دائمة العضوية في الأمم المتحدة.
راهنت «حماس» كثيراً على الحراك الشعبي العربي، خاصة بعد انتخاب الرئيس محمد مرسي في مصر، لا سيما أن الحركة جزء عضوي وأصيل من حركة الإخوان المسلمين، إلا أن الأمور لم تكن في مستوى التوقعات، إذ استمر وضع معبر رفح كما هو على الرغم من التسهيلات الجزئية التي لم تغير من الحالة القائمة، كما لم تتم الاستجابة لأفكار قدمتها «حماس» إلى القيادة المصرية الجديدة مثل إنشاء المنطقة التجارية على الحدود المصرية الفلسطينية، الأمر الذي أبرز استمرار التزام الرئيس مرسي الاتفاقات التي وقعتها مصر بهذا الخصوص، وأن أي انفراجات على معبر رفح يجب أن تتم وفق موافقة دولية، أي في إطار حكومة توافق وطني، انطلاقا من كون الرئيس عباس هو المعترف به شرعياً على المستويين العربي والدولي.
شنت حكومة بنيامين نتنياهو عدوانا جديدا على قطاع غزة تحت اسم «عمود السحاب» استمر ثمانية أيام وتم خلاله استهداف المدنيين، ولكن «حماس» وقوى المقاومة استطاعت أن تكيل الصاع صاعين وتضرب العمق الإسرائيلي محدثة توازنا نسبيا في معادلة الرعب. وبغض النظر عن تقويم نتائج هذه الحرب في أبعادها العسكرية، فإن من أهم نتائجها أن «حماس» باتت طرفاً رئيساً يجري التعامل معه بفعل الأمر الواقع، وتمت الاتصالات مع قادتها بهدف التوصل إلى اتفاق التهدئة، الذي حققت فيه الحركة إنجازات عززت «خطاب الانتصار» الذي تبنته. كما أن تقاطر الوفود العربية الرسمية والشعبية على قطاع غزة في أثناء العدوان استطاع أن يقلب المعادلة ويساهم في تخفيف الحصار والعزلة، لا سيما أن التقاء بعض وزراء الخارجية العرب حكومة حماس برئاسة إسماعيل هنية، ساهم بالإقرار بـ«شرعيته» على الرغم من بقاء «الشرعية الرسمية» في يد الرئيس عباس.

أجواء تصالحية

ترافق هذا الإنجاز في صد العدوان، مع إنجاز حققه الرئيس عباس في الأمم المتحدة من خلال اعتراف 138 دولة بفلسطين كدولة بصفة مراقب. وشكل هذا الإنجاز فرصة لمغادرة مربع المفاوضات وتبني إستراتيجية تعتمد على المقاومة الدبلوماسية والقانونية إلى جانب المقاومة بكل أشكالها المشروعة من أجل استنهاض الحالة الفلسطينية وإعادة ترتيبها وبنائها على أسس جديدة.
لقد تصاعد خطاب المصالحة في أوساط القوى والرأي العام الفلسطيني جراء الإنجاز الميداني في غزة، والدبلوماسي في الأمم المتحدة، بشكل فتح المجال أمام خطوات لبناء الثقة بين الحكومتين في رام الله وغزة، أبرزها السماح لحركة حماس بإحياء ذكرى انطلاقتها في الضفة، والسماح حركة فتح بإحياء ذكرى انطلاقة الثورة والحركة في غزة، عبر مهرجان شارك فيه مئات الآلاف من المواطنين بعد حظر لمدة ست سنوات بسبب الانقسام.
إن اقتراب حركة حماس سياسياً من برنامج الرئيس عباس في ما يتعلق بإقامة الدولة على حدود الرابع من حزيران 1967 وتبني خيار المقاومة الشعبية، إلى جانب رغبة «حماس» بالشروع في إعادة بناء وتطوير قطاع غزة بعد توقيع اتفاق التهدئة، وبهدف المساهمة في انتعاش الحالة الاقتصادية وتخفيف الضغوط الداخلية التي تواجهها جراء ذلك بعد سنوات من الحصار؛ ذلك كله ساهم في دفع الحركة للتفكير الجاد باستئناف الجهد من أجل إحياء مسار المصالحة وبلورة الآليات التطبيقية له، ولكن وفق رؤية «حماس» التي لا تزال تشعر بنشوة الانتصار على الرغم من استعراض القوة الجماهيرية المؤيدة لحركة فتح خلال مهرجان «السرايا» بغزة في 4 كانون الثاني الجاري.

الإخوان المسلمون و«حماس» والمصالحة

بعد فوز الرئيس مرسي في انتخابات الرئاسة المصرية، وما ترتب على وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، لا سيما المعارك الخاصة بطبيعة النظام السياسي بعد الثورة، والاستقطاب الحاد في المجتمع بين القوى الليبرالية والديمقراطية من جهة، والتيار الإسلامي من جهة ثانية، في ظل أزمة اقتصادية متصاعدة، بدا أن الرئيس مرسي يسعى لطمأنة الولايات المتحدة واسرائيل وخلق انطباع يشير إلى توجه الإخوان المسلمين إلى عدم التصادم مع القوى الخارجية، بل والتكيف مع سياساتها بالمنطقة، حتى ولو ضمن تفسير يقول بضرورة «الإعداد» و«التمكين» وعدم زج الذات في أتون معارك غير مضمونة قد تترتب عليها انعكاسات سلبية على مصر وعلى حكم «الإخوان» بها.
في ظل هذه التحولات في سلوك التيار الإسلامي «الحاكم» في مصر، جاء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في سياق سياسة إسرائيل الرامية لاستمرار فرض الحصار وممارسة الضغوط على قطاع غزة، أملا بعزله بصورة كاملة عن الضفة، من اجل تقويض فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، وزج القطاع في الملعب المصري. وقد استطاعت إسرائيل من خلال اتفاق التهدئة أن تستدرج رداً مصرياً ضامناً لهذا الاتفاق، خاصة وقف إطلاق الصواريخ على بلدات دولة الاحتلال، في إطار السعي لتثبيت تهدئة أمنية تضمنها «حماس» بالقطاع، كما تضمنها مصر على المستوى الاقليمي، في محاولة لاستدراج الموقف المصري الجديد إلى مربعات التعاون ضمن محاولات احتواء نتاج الحراك الشعبي العربي، وتحديداً لخيارات حركة الإخوان المسلمين التي تسلمت السلطة والرئاسة في مصر.
في المقابل، اتسم سلوك قادة «حماس» بالبراغماتية، فقد استطاعت قيادة الحركة إحداث تغييرات في تحالفاتها على المستوى العربي ترتب عليها تبني خطاب أكثر اعتدالا، فخروج قيادة «حماس» من دمشق لم يكن خروجاً من المكان فحسب، بل كان مؤشرا على تغيير في نمط وطبيعة التحالفات، وبخاصة مع انتقال رأس القيادة إلى الدوحة، بما يترتب عليه من استدارة تتجه إلى علاقة حميمة مع «معسكر الاعتدال» العربي على حساب التحالف التقليدي مع سوريا، ومن ثم إيران بدرجة أقل.
في الوقت الذي أصبحت حركة حماس على مفترق طرق ما بين الاعتدال والسعي إلى الاعتراف بها رسمياً على المستويين العربي والدولي، ومتطلبات توفير الاستقرار لتجربة حكمها في قطاع غزة، فقد انعكس ذلك في خطابها السياسي، كما عبر عنه العديد من قادة الحركة عبر مواقف سياسية مثل إعادة الاعتبار لفكرة الهدنة طويلة الأمد على حدود الرابع من حزيران عام 67، وتأكيد مشعل على خيار المقاومة الشعبية وإعطائه ضوءا أخضر للرئيس عباس للتفاوض لدى توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة، ومن ثم دعم التوجه إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية بصفة مراقب. غير أن «حماس» حافظت في الوقت ذاته على علاقة متوازنة مع إيران، مدركة أن إسرائيل ما زالت تعتبرها في دائرة الأعداء الرئيسيين وأن التهدئة في القطاع قد تنهار في أي لحظة، الأمر الذي يتطلب استمرار الجاهزية والاستعداد.
إن المواقف المعلنة لقادة «حماس»، والتصريحات الإيجابية لحركة «فتح»، من شأنها أن تعزز الأجواء التصالحية في الساحة الفلسطينية، من دون ان تلغي حقيقة استمرار الخلافات الواسعة بين الطرفين، ووجود مصالح ومراكز قوة ونفوذ لا تزال مرتبطة بواقع الانقسام أكثر من ارتباطها بالمصالحة في كل من الضفة والقطاع. في المقابل، أصبح واضحا أن الحاجة باتت ملحة لاستثمار كل من إنجاز المقاومة الميداني في القطاع والإنجاز السياسي والدبلوماسي في الأمم المتحدة، وتعزيز القدرة على مجابهة مخططات الاحتلال، عبر إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية التي يجب أن تتجاوز التركيز فقط على الجوانب الإجرائية (تأليف الحكومة، إجراء الانتخابات، الأمن ... إلخ)، وهي القضايا التي تتحكم في أجزاء كبيرة منها دولة الاحتلال، لمصلحة نقل التركيز في مسار المصالحة إلى الجانب الجوهري الخاص بضرورة استعادة مكانة منظمة التحرير كقائدة لحركة التحرر الوطني، وبما يساهم في إحياء مقومات الهوية الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال وإجراءاته التوسعية والاستيطانية والعنصرية.
إن المدخل لاستعادة الوحدة يكمن في إحياء دور المنظمة وأذرعها وهيئاتها، وفي المقدمة منها الاتحادات الشعبية، من أجل إعادة بناء الروابط الجمعية للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كلها، ولتحفيز تلك القطاعات والفئات الاجتماعية على الاستمرار في النضال الوطني بهدف تجسيد حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في الحرية والاستقلال والعودة. ويمكن لمثل هذا الجهد الفلسطيني أن يستفيد من رغبة القيادة المصرية الجديدة في استعادة دورها وتعزيزه في ملف القضية الفلسطينية وبصفتها الضامن لاتفاق التهدئة، ومن التقارب بين برنامجي كل من «فتح» و«حماس» في ما يتعلق بالإقرار بحدود الرابع من حزيران 1967، وتبني أشكال المقاومة كلها، بما في ذلك المقاومة الشعبية، وتشجيع النضال السياسي والدبلوماسي، والإقرار بأهمية استعادة دور منظمة التحرير ومكانتها. فقد أصبح من الواضح أن أجواء المصالحة باتت مهيأة، وقد تمت ترجمة ذلك ببعض خطوات لبناء الثقة مثل الإفراج عن بعض المعتقلين والسماح لبعض من اعضاء فتح بالعودة إلى قطاع غزة، وقيام حكومة فياض بالسماح لحركة حماس بإحياء مهرجانات انطلاقتها بالضفة، وكذلك سماح حكومة هنية لحركة فتح بإحياء ذكرى انطلاقتها في القطاع.
ربما سنصبح قريباً أمام اتفاق وآليات عمل تنفيذية للمصالحة، ولكن من المهم التنبيه إلى أن المصالحة المرادة وطنياً هي تلك التي يجب أن تقوم على إستراتيجية عمل وطنية كفاحية في إطار الجهد الرامي لاستعادة مكانة المنظمة كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين في سائر أماكن وجودهم. ومن دون ذلك، تصبح المصالحة عبارة عن محاصصة أو إدارة لشؤون الانقسام ليس إلا.

* كاتب ومنسق شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة.