| 

أثار الاتفاق المبرم بين الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، في الدوحة في شباط/ فبراير 2012، والذي بموجبه يتولى الرئيس عباس رئاسة الوزراء، نقاشا حادا ما بين الباحثين عن دستورية تولي الرئيس رئاسة الحكومة وبين المعارضين، أكان ذلك بين الأحزاب والفصائل أو بين تيارات أو أطراف داخل الحزب الواحد، وكذلك بين القانونيين والمحللين. لكن هذا الاتفاق لم يأخذ حظه في البحث عن تأثيره في مستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

اتفاق الدوحة وعدم الدستورية

بغض النظر عن الملاحظات الشكلية التي تمت إثارتها بعد توقيع "إعلان الدوحة"، والمتمثلة بكيفية تكليف الرئيس نفسه وفقا لأحكام المادة 45 من القانون الأساسي، فإن الاشكالية تكمن، دستوريا، في قضيتين هما:
أ‌- تجاوز غاية المشرع الدستوري
قامت فلسفة التعديل الدستوري عام 2003 القاضي بفصل منصبي رئاسة السلطة الفلسطينية ورئاسة الحكومة على أساس تطوير بنية النظام السياسي الفلسطيني بتحويله من نظام رئاسي فردي إلى نظام مختلط رئاسي – برلماني يميل بشكل أكبر إلى النظام البرلماني. وأحدث التعديل الدستوري للقانون الأساسي بتاريخ 19/3/2003 نقلة نوعية في بنية النظام السياسي سواء لجهة فصل مؤسسة رئاسة مجلس الوزراء عن مؤسسة الرئاسة، أو رفع قدرة المجلس التشريعي على إعمال مبدأ المسؤولية السياسية على أعمال الحكومة الفردية منها والتضامنية. لكن التعديلات المستعجلة في العام 2003 لم تتمكن من صياغة مواد القانون الأساسي بشكل مُحكم لتنظم العلاقة بشكل دقيق ما بين رئاسة السلطة الفلسطينية ورئاسة الحكومة من ناحية، ولم تراعِ القواعد الدستورية احتمال وجود رأسين في السلطة التنفيذية من حزبين مختلفين ومتنافسين من ناحية ثانية، بالإضافة إلى غياب تقاليد وقواعد سياسية حاكمة لأجهزة الدولة وداعمة للنظام لمنع حدوث انفجار له في حال اختلت التوازنات السياسية فيه من ناحية ثالثة، مما أدى إلى صدام أنتج حالة الانقسام الفلسطيني أو الاستعصاء الدستوري.
ب- عدم قدرة المجلس التشريعي على المساءلة
تطرح مسألة دمج منصبي رئيس السلطة ورئاسة الحكومة مدى قدرة المجلس التشريعي على مساءلة رئيس الحكومة في الوقت الذي يكون فيه هو نفسه رئيس السلطة المنتخب، ولا توجد نصوص دستورية تخول المجلس التشريعي مساءلته. فقد كفل التعديل الدستوري لعام 2003 أدوات رقابة ومساءلة مهمة للمجلس التشريعي في مواجهة الحكومة. كما عزز قدرة المجلس التشريعي في الرقابة والمساءلة. وفي حالة جمع الرئيس المنتخب منصب رئاسة الوزراء ومنصب الرئاسة معاً، فإن المجلس التشريعي لن يتمكن من مساءلة الحكومة، خاصة في ما يتعلق بالمسؤولية السياسية والمسؤولية التضامنية لمجلس الوزراء (أي انتفاء قدرة المجلس التشريعي على حجب الثقة عن الحكومة).

حكومة التوافق حل استثنائي

أنتج الانقسام الفلسطيني في منتصف العام 2007 وضعا اسثنائيا وهو بالضرورة غير دستوري؛ تمثل بتشكيل حكومتين واحدة في الضفة وأخرى في غزة، وهما حكومتان لا تنسجمان مع النصوص "أحكام" الحرفية للقانون الأساسي. كما انتهت ولاية كل من رئيس السلطة الوطنية ورئيس المجلس التشريعي في 25/1/2010. وبات الفلسطينيون أمام حكومات فعلية لا تستند في إقامتها بالضرورة إلى أحكام دستورية أو قانونية.
أ‌- الانقسام والحكومة الفعلية
يشير واقع الحال إلى وجود حكومة فعلية تقوم بإدارة البلاد، حيث تتجسد صورها بحالتيين أسياسيتين هما:
1) إثر الانقسام أُلِّفت في الأراضي الفلسطينية حكومتان، الأولى هو الحكومة "الثالثة عشرة" في الضفة الغربية برئاسة سلام فياض، والثانية الحكومة "المقالة" في قطاع غزة، وهما حكومتان لا تنسجمان مع أحكام القانون الأساسي، فالأولى لم تحصل على ثقة المجلس التشريعي المعطل، والثانية قامت بإجراء تعديلات على أعضاء الحكومة من دون تأدية اليمين الدستورية أمام رئيس السلطة الفلسطينية. وبقيتا تديران شؤون المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة على مدار السنوات الخمس الماضية.
2) في 25/1/2010 انتهت ولاية المؤسسات السياسية للسلطة الوطنية الفلسطينية (رئيس السلطة الوطنية الذي انتخب بداية عام 2005، والمجلس التشريعي الذي انتخب في بداية عام 2006) وفقا لأحكام القانون الأساسي؛ حيث تنص المادة 36 من هذا القانون على أن "مدة رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية هي أربع سنوات". كما تنص المادة 47 على أن "مدة المجلس التشريعي أربع سنوات من تاريخ انتخابة وتجرى الانتخابات مرة كل أربع سنوات بصورة دورية".
تفيد هذه النصوص أن بقاء كل من رئيس السلطة الوطنية وأعضاء المجلس التشريعي في مناصبهم يعني أنهم غير دستوريين، وبالتالي استمرار ممارستهم هذه المهمات هو أمر فعلي لا يتعلق بالدستورية وهو أشبه بحالة مجلس النواب اللبناني الذي استمر أعضاؤه لأكثر من 20 سنة بسبب الحرب الأهلية اللبنانية.
ب‌- المصالحة وضرورة الحكومة الفعلية
منذ ست سنوات، تحكم البلاد حكومتان فعليتان منقسمتان في الضفة الغربية وقطاع غزة نشأتا إثر الانقسام، وهذا الانقسام بالتأكيد يزيد من الاختلافات الاجتماعية منها والاقتصادية والثقافية ما بين الشرائح الاجتماعية، كما أنه يعمق الفشل الذي يواجه الشعب في الميادين السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى استفراد إسرائيل في كل إقليم جغرافي على حدة، حصار على القطاع، واستيطان وتهويد في الضفة.
تكمن أهمية إقامة الحكومة الفعليه التوافقية "الانقاذ الوطني" الموحدة لإدارة البلاد ليس فقط لاستعادة الوحدة بين الضفة والقطاع، أو حل الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، ورفع الحصار عن قطاع غزة وإعماره وإعادة الانتعاش الاقتصادي وحرية الحركة لسكانه، بل هي ضرورة للحفاظ على الكيانية الفلسطينية التي دونها يفقد الشعب هويته الوطنية وقدرته على مواجهة الحكومات الإسرائيلية في طريقه لإنهاء الاحتلال.
وإذا كان الهدف من إنشاء الحكومة التوافقية الفعلية "حكومة الإنقاذ الوطني" التي باتت ضرورة لا مفر منها، هو إنهاء الأزمة الوطنية والحالة غير الطبيعية للوضع الفلسطيني، وبغض النظر عن تجاوز نصوص القانون الأساسي وروحه، غير أن لا بد من إعلانها أولا أنها ستحترم وتلتزم أحكام القانون الأساسي، خاصة تلك المتعلقة بالحريات العامة وتعزيزها، بالإضافة إلى البدء بإعادة اعمار قطاع غزة وإنجاز الانتخابات العامة (التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني) وصولا إلى استعادة توحيد المؤسسات وإنهاء آثار الانقسام.
دعوات تعديل القانون الأساسي ومستقبل النظام السياسي
نادى بعض قادة حركة حماس في قطاع غزة، بعد "إعلان الدوحة"، بتعديل القانون الأساسي باتجاه إمكانية جمع رئيس السلطة الفلسطينية أيضا منصب رئاسة الحكومة للمدة الانتقالية لحكومة التوافق الوطني، لكن هذه الدعوات أثارت تخوفات تتعلق بعودة الالتباس ليس فقط في شكل النظام السياسي الفلسطيني بل وفي عودة تغول السلطة التنفيذية على باقي السلطات في النظام السياسي الفلسطيني.
يؤسس هذا الطرح لوضع سابقة في قواعد النظام الدستوري "الحديث" في فلسطين بحيث يكون حل أي أزمة سياسية بتعديل القواعد الدستورية بدلا من انسجام العمل السياسي مع قواعد القانون الأساسي والتشريعات النافذة، أو الذهاب إلى إجراء تعديلات شخصية للقواعد الدستورية. إن التعديل المقترح بمواءمة قواعد القانون الأساسي للحل السياسي الذي تم في "إعلان الدوحة" بدلا من انسجام الحلول السياسية مع قواعد القانون الأساسي يخلق أزمة جديدة أكثر عمقا.
بعد رفع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة الى دولة بصفة مراقب، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام مرحلة تحول في التفكير الدستوري والانتقال إلى تبني دستور جديد يرسم الحقوق والحريات وينظم العلاقة بين السلطات. هذا الأمر يتطلب منح متسع من الوقت ليس فقط أمام البرلمانيين بل لفتح نقاش مجتمعي واسع لعدم وقوع النظام السياسي في اشكاليات دستورية جديدة يمكن تلافيها في حال أُحكمت صياغة القواعد الدستورية، وأُحسن بناء مؤسسات الدولة "السلطة الفلسطينية" بعيدا عن الحزبية، واستوعبت القوى السياسية مبدأ تداول السلطة.
وفي هذا السياق، بدا مطلب انتخاب مجلس تأسيسي لإعداد دستور دولة فلسطين مطروحا لتكريس الانجاز السياسي على صعيد الأمم المتحدة من جهة، ولإجراء الانتخابات التي تمثل المفتاح السحري للمصالحة من جهة، كما أن المجلس التأسيسي يعزز التوافق السياسي ويساهم في حفظ السلم المجتمعي في ضوء التجربة العربية ما بعد ثورات الربيع العربي من جهة ثانية.
إن تطوير النظام السياسي الفلسطيني يستدعي أن يتبنى المشرع الدستوري النظام البرلماني. هذا النظام يتطلب إعادة النظر في طريقة اختيار الرئيس بحيث يتم اختياره من قبل المجلس التشريعي. كما أنه يتطلب مراجعة الصلاحيات الممنوحة له كقدرته على اختيار رئيس الحكومة (بحيث يصبح له حق التكليف دون الاختيار وفقا لنتائج الانتخابات)، وإصدار القوانين دون حق الرد، ومنح صلاحية تعيين محافظ سلطة النقد ورئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية والنائب العام للحكومة، واعتماد ممثلي السلطة الفلسطينية دون حق التعيين الذي يكون من صلاحية مجلس الوزراء، وكذلك إعلان حالة الطوارئ واتخاذ قرارات لها قوة القانون في حالات الضرورة، والمصادقة على استقالة الحكومة تكون من صلاحية المجلس التشريعي. كما يتطلب إلغاء المادة التي تعين رئيس السلطة "قائدا أعلى للقوات الفلسطينية" لكونها فارغة من المضمون. لأن أساس النظام البرلماني هو أن رئيس الدولة "يسود ولا يحكم".
وهذا النظام يتطلب وجود حكومة لديها صلاحيات دستورية واسعة تستطيع تطبيق برنامجها السياسي، الذي منحها الشعب الثقة عليه في الانتخابات العامة، ومن ثم حازت الثقة على أساسه في المجلس التشريعي، بأدوات قانونية، وفي نفس الوقت مُساءلتها أمام المجلس التشريعي باعتباره السلطة التشريعية والرقابية المفوضة من قبل الشعب.

(*) كاتب وباحث في شؤون الحكم والسياسة- رام الله