| 

يشكل سجن المدينة المعروف بـ«سجن بئر السبع المركزي» أبرز مظاهر الاحتلال الاسرائيلي الذي يصفه الأسرى الفلسطينيون بـ«المسلخ». ففي العام 1970 قامت دولة الاحتلال ببناء سجن «إيشل» جنوب مدينة بئر السبع على طريق إيلات في منطقة صحراوية، وهو السجن الأول الذي بنته على أرض فلسطين داخل الخط الأخضر. احتوى السجن في البداية أربع غرف كبيرة، تتسع لحوالي مئة سجين، وفي داخل كل غرفة أربعة حمامات فيها دورات مياه، إضافة إلى مجموعة من صنابير المياه. وتوسع السجن لاحقاً ليضم سجنين آخرين (أوهلي كيدار و داكل) وكل واحد مستقل عن الآخر، ليتمكن من استيعاب العدد الأكبر من الأسرى الفلسطينيين المحكوم عليهم بالعزل.
في العام 1984 خلا السجن من جميع السجناء الأمنيين حيث تم ترحيلهم إلى باقي السجون والمعتقلات في دولة الاحتلال، وبقي السجن للجنائيين وحدهم. ولم يمضِ عام حتى عادت سلطات الاحتلال وخصصت قسماً من السجن للأسرى الفلسطينيين الأشبال، وفي أثناء انتفاضة الحجارة تم إنشاء معزل في الجزء الغربي من السجن. أما أقسام السجن الأخرى، فتستخدم للسجناء الجنائيين العرب واليهود. ويتألف طاقم السجن من ثلاثمئة شرطي إسرائيلي يتبعون لمصلحة السجون.
تُرسل دولة «إسرائيل» إلى قسم العزل في سجن بئر السبع من تعتبرهم أخطر الأسرى الفلسطينيين والعرب، وقد وفد على هذا القسم معظم الأسرى خلال نقلهم من سجن إلى آخر. ومنهم على سبيل المثال عبد الرحمن أبو مخ، وائل برانسة، محمد الحسن، معين رمضان فارس، جميل مسك. كما عزلت فيه سلطات الاحتلال الأسير الفلسطيني جمال أبو الهيجاء الذي حكمت عليه بتسع مؤبدات، وكان واحداً من الأسرى الذين خاضوا معركة الأمعاء الخاوية لتحسين شروط الاعتقال. كما نال الأسرى العرب نصيبهم منه، فقد مكث فيه عددٌ من الأسرى السوريين أمثال: سليمان المقت الذي أمضى فيه عاماً كاملاً، وبشر المقت ومحمود الولي. وقد أفشل الأسرى بحسهم الوطني والأمني جميع محاولات سلطات الاحتلال عرض برامج حوارية مع بعض الأدباء الإسرائيليين، الأمر الذي أجبر مديرية السجن على وقف هذه العروض.
أما ظروف الاعتقال فهي تفتقر إلى أدنى متطلبات الحياة الإنسانية، حيث يقع القسم المخصص للعزل في وسط مبنى قديم جداً يلفه الظلام والبرد وتجتاحه الحشرات يومياً. وطريقة العزل هي أن يوضع اثنين من الأسرى في الزنزانة نفسها، التي تبلغ مساحتها ثلاثة أمتار مربعة، ويبقيان معاً طوال فترة العزل التي تحددها إدارة السجن. يتوزع الأسرى على 26 زنزانة في طبقتين. ولا يمنح الأسير إلا ساعة واحدة يومياً للخروج، يطلق عليها «ساعة الشمس» وهي غير كافية لتنشيط الجسم، ولاسيما أن إدارة السجن جعلت ساعة الشمس مقصورة على ساحة ذات سقف من الباطون الذي يحجب الشمس، ما يسبب آلام المفاصل والظهر والأمراض الجلدية. وفي كل ساعة شمس، يتم إخراج أسيرين فقط الموجودين معاً في الزنزانة لمنعهم من لقاء باقي المعزولين معاً. وعادةً ما يحصل العزل لأتفه الأسباب أو بسبب بعض الآراء أو المواقف السياسية. فالأسير السوري صبحي المقت تم عزله سنة كاملة لكتابته مقالة يعلن فيها تضامنه مع لبنان.
تتوحد معاناة الأسرى الصحية والنفسية في سجن بئر السبع، حيث يعاني الأسرى نقصاً حاداً في كل شيء، وحتى أدوات التنظيف تصادرها منهم إدارة السجن. ويوجد عدد من الأسرى المرضى في داخل هذا القسم حيث تهمل معالجتهم. كما تمارس سلطات الاحتلال سياسة التجويع، وما تقدمه من طعام لا يصلح للاستهلاك البشري. يترافق ذلك مع وجود قائمة للممنوعات، مثل منع الزيارات الخارجية وحرمان الأسير زيارات الأهل، علاوة على منع دخول الصحف، إلى منع التواصل بين الأسرى وفرض الغرامات المالية عليهم، إضافة إلى سرقة أموالهم. أما عن طريقة سوق الأسرى إلى زنازين العزل فتجري على النحو التالي: يُسحب المعتقل إلى زنازين العقاب تحت نظر مدير السجن، وتنهال عليه أعضاء فرقة الموت بأقذر كلمات الشتائم، ويجردونه من ملابسه، وربما يعمدون الى التعذيب الجنسي. وعندما يغمى على الأسير ينهالون عليه بالضرب ثم يرشونه بالغاز ثم يترك المعتقل أسبوعاً في الزنزانة وهناك يقدم له طعام لا يؤكل. ويعتبر الأسير الشهيد فضل شاهين نموذجاً للمعاناة وهو الذي تعرضت أعضاؤه بعد موته للسرقة.

كاتبة سورية.