| 

اتسمت سنة 2012 الفائتة، في صفوف العرب الفلسطينيين في مناطق 1948، بأحزابهم ومؤسساتهم وسلطاتهم المحلية كافة، بحراك كان عنوانه «نصرة النقب»، في مواجهة نية الحكومة الإسرائيلية تنفيذ ما بات يُعرف باسم «مخطط برافر» الذي يسعى لمصادرة مئات آلاف الدونمات من العرب الأصلانيين في تلك المنطقة، والذين يبلغ عددهم نحو 200 ألف نسمة، وذلك من خلال حشرهم في أقل من 100 ألف دونم، أي أقل من واحد بالمئة من مساحتها الإجمالية. وقد أجازت الحكومة الإسرائيلية هذا المخطط في أيلول/ سبتمبر 2011، وجرى تعريفه على أنه «مخطط توطين عرب النقب». وهو ينص على التهام نحو 500 ألف دونم من أصل 600 ألف دونم يملكها العرب في النقب، وترفض الحكومة تسجيل ملكيتهم.
في الوقت نفسه، بدأت الحكومة الإسرائيلية العمل على سنّ قانون خاص في الكنيست لتطبيق هذا المخطط. وفي حال تشريعه سيصبح العرب «مخالفين للقانون» لمجرد سكنهم في أراضيهم التي يملكونها أبًا عن جد.
في واقع الأمر فإن هذا الموضوع لا يرتبط بوجود العرب في منطقة النقب فقط، وإنما ينطوي أيضًا على انعكاسات خطرة تتعلق بجوهر المعركة على الأرض بين الفلسطينيين في الداخل ودولة إسرائيل. ومعروف أن كل ما بقي من الأراضي الخاصة التي كان يملكها فلسطينيو 48 في منطقتي الجليل والمثلث لا يزيد عن 650 ألف دونم. ومن هنا رأت «لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في الداخل» أن «مخطط برافر» يعتبر أكبر مخطط كولونيالي يستهدف وجودهم منذ نكبة 1948، وأن معركة النقب تُشكل بالتالي معركة فاصلة على ما تبقى من أراض عربية، بعد أن نالت المؤسسة الإسرائيلية من أراضي الجليل والمثلث والمدن الساحلية على مرّ الأعوام.

نبذة تاريخية

وفقا للإحصائيات التي جرت في فترة الانتداب البريطاني (سنة 1931) بلغ عدد البدو في النقب 65 ألف نسمة، وقدرت لجنة فلسطين للأراضي سنة 1920 الأراضي المفتلحة في قضاء بئر السبع بما لا يقل عن 75,3 مليون دونم، عدا أراضي الرعاية. كما تبين صور لسلاح الجو البريطاني من سنة 1945 أن جميع مناطق السكن في قضاء بئر السبع مفتلحة بالكامل، وهذا يدحض فرية إسرائيل بأن النقب صحراء بالكامل وأن أهلها بدو رحل. وقد احتفظ أهالي بئر السبع بملكيتهم لأراضيهم بحسب قانون العرف والعادة لعدة قرون، وفلحوها وعاشوا فيها. كما أكد وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرتشل لدى زيارته للقدس سنة 1921، بحضور أول مندوب سام بريطاني هو هربرت صموئيل، باسم الحكومة البريطانية، حق الأهالي في ملكية أرضهم بحسب قانون العرف والعادة («وعد تشرتشل للبدو») وصدرت بيانات رسمية وحكومية في هذا الشأن. وقد احتل الجيش الإسرائيلي النقب في الفترة الواقعة بين تشرين الأول/ أكتوبر - كانون الأول/ ديسمبر 1948، واقترن ذلك بترحيل 90 بالمئة من سكان النقب خارج حدود الدولة، حيث أصبحوا لاجئين. والأغلبية العظمى منهم جرى تهجيرها إلى الأردن وقطاع غزة، حيث أن عدد اللاجئين من قضاء النقب وفقا لإحصاء جرى في 1998 بلغ 813ر555 نسمة، ومن تبقى في قضاء النقب بعد حملة التهجير- وكانت نسبتهم 10 بالمئة وتعدادهم لا يتجاوز 10 آلاف نسمة (وفقا لإحصاء 1998 بلغ عددهم 120 ألف نسمة، واليوم يبلغ عددهم 200 ألف نسمة)- تم تهجيرهم وتركيزهم في منطقة جغرافية محدودة محاذية للحدود الأردنية - الإسرائيلية آنذاك وتسمى «منطقة السياج»، والممتدة شرقي شارع بئر السبع - الخليل، بمحاذاة الخط الأخضر حتى تل عراد، ومن هناك حتى ديمونا - بئر السبع.
في 2 أيار/ مايو 1971 بدأت الحكومة الإسرائيلية حملة لتسجيل الأراضي في النقب، بهدف تسجيل أراضي السكان الذين تم ترحيلهم خارج الحدود على اسم دولة إسرائيل بحجة أنها أملاك غائبين، وقام سكان النقب العرب بتقديم طلبات ملكية على مليون دونم. لكن الحكومات الإسرائيلية لم تعترف بالقرى العربية في النقب، بما في ذلك القرى القائمة قبل إقامة الدولة، وكانت البلدة الأولى التي تم الاعتراف بها في 1968 هي تل السبع، وبعد ذلك أقرت الحكومات الإسرائيلية تجميع السكان العرب في النقب في سبعة تجمعات سكنية، وفي المقابل تبنت الحكومات اقتراحات طاقم حكومي، بأن لا تعترف بملكية البدو على أراضيهم على أساس أن كل أراضي النقب موات، معتمدة على قانون صدر في 1920 إبان فترة الانتداب البريطاني يناقض قانون الأراضي العثماني من سنة 1858، الذي ينص على أن من أحيا أرضًا مواتًا يحصل على حقوق ملكية، أما القانون البريطاني الذي أقر بضغط من الوكالة اليهودية فينص على أن من يفلح أرضًا مواتًا لا يحصل على حقوق ويعتبر مخالفا للقانون. غير أن الحكومة الإسرائيلية ومع رفضها الاعتراف بحقوق الملكية أعلنت أن أي مواطن عربي يتنازل عن حقوقه في أرضه يحصل على تعويض بأرض بديلة بنسبة 20 بالمئة من مساحة أرضه، وعلى تعويض مالي عما تبقى.

المخططات الحالية

بعد أن فشلت مخططات الحكومة الإسرائيلية في ترحيل العرب من النقب وتركيزهم ودفعهم للتنازل عن أراضيهم عنوة جاءت المخططات الأخيرة، متمثلة في لجنة القاضي المتقاعد غولدبرغ التي شكلت في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2007 وقدمت توصياتها في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2008، ولأن التوصيات لم ترق الحكومة- مع أنها لم تلب الحد الأدنى من مطالب عرب النقب- أقامت هذه الحكومة لجنة جديدة لبحث توصيات لجنة غولدبرغ، بحجة أن هدف اللجنة الجديدة هو وضع آليات لتنفيذ توصيات اللجنة السابقة. وكان الجديد في هذه اللجنة أن رئيسها إيهود برافر، وهو عضو في «مجلس الأمن القومي»، ومدير قسم التخطيط الإستراتيجي في ديوان رئيس الحكومة، وبعكس لجنة غولدبرغ الذي كان في عضويتها اثنان من المجتمع البدوي من بين ثمانية أعضاء اللجنة، فإن لجنة برافر لم تضم في عضويتها أي ممثل عن أصحاب القضية التي يبحثونها ويقررون مصيرها، كما أنها لم تلتق ولم تستمع إلى موقف أي من العرب في النقب.
أقيمت لجنة برافر في 18 كانون الثاني/ يناير 2009، وأنهت عملها وقدمت توصياتها إلى الحكومة في 3 أيار/ مايو 2011، وتم تحويل التوصيات إلى رئيس «مجلس الأمن القومي» الجنرال يعقوب عميدرور، وهو معروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة. وبعد إدخال التعديلات «الأمنية» للجنرال عميدرور جرى تحويل التوصيات إلى الوزراء، حيث تم إدخال تعديلات على البند رقم 10 للقرار الحكومي بشكل جعل الخطة تتضمن تصفية نهائية لأراضي العرب في النقب.
وتشمل الخطة الحكومية التي تم إقرارها ما يلي:
- مصادرة ونزع ملكية نصف مليون دونم تعود ملكيتها إلى العرب في النقب، منها مئتا ألف دونم في النقب الجنوبي، وثلاثمئة ألف دونم في النقب الغربي الممتد بين بئر السبع وقطاع غزة، من خلال تجاهل التهجير القسري لسكان هذه المناطق وإغلاق دائرة جريمة التهجير بجريمة جديدة هي مصادرة أملاكهم ونزع ملكيتهم.
- مصادرة ونزع الملكية دون تعويض بأرض بديلة عن أراضي الرعاية والأراضي الجبلية الواقعة في «منطقة السياج». ومن الجدير ذكره أن مساحة منطقة السياج ثلاثمئة ألف دونم ويقيم عليها الآن سكان عرب النقب البالغ عددهم 200 ألف نسمة، وتشكل 3 بالمئة من مساحة أراضي النقب البالغة 12 مليون دونم، هذا بالرغم من أن البدو في النقب يشكلون 32 بالمئة من مجمل سكان النقب.
- الخطة تؤكد كل قرارات المحاكم الغيابية التي صدرت ضد البدو والبالغ عددها 80 قرارا تم بموجبها مصادرة 70 ألف دونم، كما تصادق على كل قرارات مصادرة أراضي العرب في النقب منذ 1948 وتلغي حق أهلها في الحصول على التعويض بأرض بديلة.
- تمنع الخطة إقامة أي تجمع سكاني عربي غربي شارع 40 (شارع رئيسي في النقب).
- تحويل التوصيات إلى وزارة العدل لتقديم اقتراح قانون يتم تحويله للكنيست للموافقة عليه (أي شرعنة التهجير باسم القانون).
- تحويل ما يسمى «سلطة تسوية توطين البدو» من مسؤولية وزارة الإسكان إلى مسؤولية ديوان رئيس الحكومة وتعيين طاقم في هذا الديوان يعمل على تنفيذ الخطة.
- إقامة وحدة خاصة في وزارة الأمن الداخلي لتنفيذ قوانين الأراضي وقوانين التخطيط والبناء في النقب.
- الخطة تضع جدولا زمنيا أقصاه 5 أعوام لبحث ادعاءات الملكية، بعدها تسجل الأراضي باسم الدولة، وكل تأخير عن الجداول الزمنية المحددة يؤدي إلى معاقبة البدوي بانتقاص العروض المقدمة حتى إلغائها إذا لم يلتزم الفترة الزمنية المحددة.
- إقامة محاكم خاصة تبحث اعتراضات البدو، وهي محاكم ذات طابع سياسي وأغلبية أعضائها تعينهم الحكومة ولا تتم المناقشة من خلال المحاكم القائمة.
عقلية عسكرية
تجدر الإشارة إلى أن كل من عمل في إعداد هذا المخطط، وكذلك جميع القائمين على تنفيذه، هم من رجال المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية. ومجرّد ذلك يدل على أن حكومة إسرائيل تتعامل مع فلسطينيي 48 بعقلية عسكرية، وعلى أنهم قضية أمنية، وخطر قومي.
ولا يخفي كبار المسؤولين و«الخبراء» في الشؤون الجغرافية والديمغرافية أن تنفيذ هذا المخطط يعتبر بالنسبة إلى إسرائيل «مهمة قومية» من الدرجة الأولى، تفرضها، أيضا، الضغوط السكانية الشديدة في وسط الدولة، والحاجة إلى تخفيف الحضور العسكري الكثيف المنتشر حول منطقة تل أبيب الكبرى، حيث أن الجيش الإسرائيلي أعد خططًا متعددة لنقل عدد كبير من قواعده العسكرية إلى النقب بهدف إخلاء أراض في مناطق الوسط وتخصيصها لمشروعات سكنية، أو لمشروعات مدنية أخرى.
وكان تقرير صادر عن ديوان مراقب الدولة الإسرائيلية أشار إلى أن 80 في المئة من أراضي الدولة (باستثناء الأراضي الموجودة في الضفة الغربية المحتلة) موجودة في يد المؤسسة الأمنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتقوم هذه المؤسسة باستعمال نصف هذه الأراضي لأغراضها الخاصة، بينما تفرض قيودًا مشدّدة على استعمال النصف الباقي، في وقت تحتاج فيه الدولة بصورة ماسة إلى الأرض. كما أنه أبدى استغرابه من قيام المؤسسة الأمنية بمحاولات فرض سيطرتها على مزيد من أراضي الدولة.
في الوقت نفسه نشير إلى أنه في مطلع 2009 نُشر في إسرائيل كتاب بعنوان «بلد باللون الخاكي- الأرض والأمن في إسرائيل» من تأليف الباحثين عميرام أورن ورافي ريغف. وقد عرضا فيه بشكل مفصل خريطة الامتداد أو الانتشار الأمني الإسرائيلي من الناحية الجغرافية، وبيّنا أنه على الرغم من شحّ الأرض في إسرائيل فإن ما يقارب نصف مساحة الدولة يتبع للمؤسسة الأمنية أو أنه واقع تحت تأثيرها. وتمتد هذه الأراضي في كل أنحاء البلد، في الوسط والأطراف، وفي المدن الكبرى والصغرى، وفي الجبال وشواطئ البحر، وكذلك في المناطق المأهولة والمفتوحة، وفي هذه المساحة كلها ثمة بنى تحتية أمنية ومناطق عسكرية. وأكدا أن الحديث يدور عن ظاهرة جغرافية ليس لها مثيل من ناحية حجمها مقارنة بدول العالم الأخرى. كما أبديا دهشتهما من اكتشاف أن دولة إسرائيل المدنية من حيث المساحة تعتبر أصغر كثيرًا مما كانا يعتقدان في السابق، وشدّدا على أن الجيش هو بمثابة دولة ظل بدلاً من أن يكون تابعًا لدولة ذات سيادة.
ولا شك في أن «مخطط برافر» يعيدنا إلى شعار «احتلال الأرض» الصهيوني الكلاسيكي الذي لم يكن شعارًا للتيارات اليمينية فحسب، وإنما كان أيضا شعارًا لتيارات صهيونية يسارية تدعي الاعتدال.
وما يحدث على أرض النقب يثبت أن هذا الشعار لا يزال منذ بداية المشروع الصهيوني بمثابة «فريضة» وهدف أساسي لكل صهيوني، من اليمين إلى اليسار.