| 

منذ الشروع في حوارات القاهرة وحتى الآن، تمّ الاتفاق بين المتحاورين، خصوصًا ممثلي «فتح» و«حماس»، على تأجيل البرنامج السياسي، لأن الاقتراب منه يثير الخلافات بين برنامجي المفاوضات والمقاومة. أما السبب الحقيقي، فهو أن الإداراة الأميركيّة وإسرائيل، ومعهما بتشدد أقل أوروبا، يصرون على ضرورة موافقة أي حكومة فلسطينيّة يتم الاتفاق على تأليفها على شروط اللجنة الرباعيّة الدوليّة التي تتضمن الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف والإرهاب، والتزام الاتفاقيات المبرمة بين المنظمة وإسرائيل.
على خلفيّة عدم تلبية هذا الشرط، تمت مقاطعة حكومة «حماس» التي أُلفت برئاسة إسماعيل هنيّة في العام 2006، وأدى هذا إلى سقوطها، وتمت مقاطعة حكومة الوحدة الوطنيّة التي أُلفت بعد توقيع اتفاق مكّة في العام 2007، على الرغم من أن برنامجها كان يؤيد المفاوضات، ويحترم الاتفاقيات، ويؤكد اعتماد الوسائل السلميّة لتحقيق الأهداف الوطنيّة، ويستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي تؤيد القضية الفلسطينية. ومن أجل التحايل على شروط الرباعيّة، تضمّن اتفاق القاهرة نصًا يؤكد تأليف حكومة وفاق وطني لا تشارك فيها الفصائل لتذليل عقدة مشاركة فصائل مدرجة على قائمة «الإرهاب». ومع ذلك تمسكت إدارة البيت الأبيض وحكومة تل أبيب بضرورة التزام أي حكومة فلسطينيّة شروط اللجنة الرباعيّة، مع التحفظ على مشاركة «حماس» في التشاور لتأليف الحكومة، صاحبة الأغلبيّة في المجلس التشريعي الذي من المفترض أنه سيعطي الثقة لأي حكومة فلسطينيّة مقبلة.
لإزالة هذا التحفظ، تم التداول بفكرة أن يعلن كل وزير سيشارك في الحكومة موافقته على شروط اللجنة الرباعيّة، إضافة إلى موافقة الحكومة ككل. وتم الاتفاق في «إعلان الدوحة» على تولي الرئيس «أبو مازن» رئاسة حكومة الوفاق الوطني في دلالة على أن برنامج الحكومة المقبلة سيكون برنامجه الملتزم شروط اللجنة الرباعيّة، على الرغم من الأضرار الناجمة عن ضم الرئيس لمنصب رئيس الحكومة إلى المناصب العديدة التي يتقلدها، فهو رئيس السلطة والدولة والقائد العام لقوات الأمن ورئيس حركة فتح.
لتبرير هذا الإذعان الفلسطيني لشروط اللجنة الرباعيّة، يتم الحديث عن أن الحكومة التي سيتم تأليفها هي حكومة انتقالية، وبالتالي ليست بحاجة إلى برنامج سياسي، أو أن البرنامج السياسي من اختصاص منظمة التحرير وليس السلطة، أو أن وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى) هي البرنامج السياسي المشترك، في تجاهل لحقيقة أن هذا الطلب شرط إسرائيلي وأميركي، وإلى حد ما أوروبي ودولي؛ كي يستمر الاعتراف بالسلطة وتقديم الدعم السياسي والمادي لها.

حكومةُ الرئيس والأملُ المفقودُ

نص «إعلان الدوحة» على ترؤس الرئيس حكومة الوفاق الوطني، من أجل تذليل عقدة البرنامج السياسي، كما اتفق ممثلو «فتح» و«حماس» على تجنب عرض الحكومة المقبلة على المجلس التشريعي أولاً قبل أدائها اليمين أمام الرئيس، بل ستعرض بعد شروعها في العمل لمدة شهر عقب تأليفها؛ ما يجعل عرضها على المجلس التشريعي شكليًا، ولا يعني ذلك حصولها على الثقة منه؛ وذلك لتذليل عدة عقبات أخرى: الأولى، فلا يعقل أن يحصل الرئيس المنتخب من الشعب على الثقة من المجلس التشريعي بوصفه رئيسًا لحكومة التوافق الوطني. والثانية، لتجنب حجب الثقة عن الحكومة من المجلس التشريعي لكونها حكومة ستلتزم شروط اللجنة الرباعيّة الدوليّة حتى تحصل على الاعتراف بها. والثالثة، تجنب اعتراض واشنطن وتل أبيب على ما يسمونه «وضع مصير الحكومة» تحت رحمة «حماس» المدرجة على قائمة «الإرهاب»، والرافضة لشروط الرباعيّة الدوليّة.
إن الاتفاق على تولي الرئيس «أبي مازن» رئاسة الحكومة يرمي أيضًا إلى تذليل عقدة سلام فياض الذي يحظى بدعم أميركي وأوروبي، وصل إلى حد التهديد بعدم دعم أي حكومة فلسطينيّة لا يترأسها فياض.
وذكرت مصادر موثوقة أن الرئيس غضب غضبًا شديدًا عندما أبلغت هيلاري كلينتون بـ«إعلان الدوحة»، الذي تضمن أن «أبو مازن» سيترأس حكومة الوفاق الوطني، وعندها رفضت ذلك وأصرّت على رئاسة فياض للحكومة، إلا انها تراجعت وقالت: «ان هذا شأن داخلي»، بينما اعتبر ضوءًا أخضر من الإدارة الأميركيّة، خصوصًا بعدما صدور تصريح رسمي من الخارجيّة الأميركيّة بهذا المعنى.

شروطُ اللجنة الرباعيّة: العقبة الرئيسة

هذا الموقف الأميركي المرحب بـ«إعلان الدوحة» وبتأليف حكومة برئاسة «أبو مازن» تم التراجع عنه لاحقًا، عندما قام ديفيد هيل بإبلاغ الرئيس «أبي مازن» بأن حكومة الولايات المتحدة الأميركيّة تعارض أي مصالحة وأي حكومة تشارك فيها «حماس» أو تشارك في تأليفها من دون الاعتراف الصريح والموافقة التي لا يكتنفها أي غموض بشروط اللجنة الرباعيّة.
إن التنازلات المذكورة وغيرها لم تؤد إلى تغيير الموقف الأميركي والإسرائيلي من المصالحة، بل كلما أبدت القيادة الفلسطينيّة، وممثلو «فتح» و«حماس» مرونة، وقدموا تنازلًا يتم طرح شرط جديد. لذا لن ترى المصالحة الوطنيّة النور إلا إذا جاءت على مقاس الشروط الأميركيّة الإسرائيليّة، أو إذا تحلّت الأطراف الفلسطينيّة المختلفة بالإرادة اللازمة لتحدي الإدارة الأميركيّة والحكومة الإسرائيليّة وكسر شرط التزام أي حكومة شروط «الرباعيّة»، والاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم الوطنية المشتركة.

عقبات تنتظر حكومة الكفاءات المستقلة

في ظل التحديات والمخاطر الخارجيّة والداخليّة، والتداخلات والصعوبات أمام أي حكومة فلسطينيّة وفاقيّة ستأتي بعد سنوات الانقسام؛ يُفترض أن تكون الأولوية لتأليف حكومة وحدة وطنيّة، تشارك فيها الفصائل على أعلى مستوى، حتى تكون حكومة قويّة قادرة على الصمود ومواجهة الصعوبات وتحقيق الإنجازات التي ينتظرها المواطن الفلسطيني في الضفة الغربيّة وقطاع غزة. فأي حكومة لا تشارك فيها الفصائل، وتحديدًا «فتح» و«حماس» كيف ستتعامل مع الملف الأمني وقادة وكوادر الأجهزة الأمنيّة التي تنتمي بغالبيتها الساحقة إلى «فتح» أو «حماس»؟
كيف ستتعامل حكومة من الكفاءات الوطنيّة المستقلة غير الممثلة في المجلس التشريعي الذي يضم غالبيّة ساحقة من ممثلي الفصائل؟ وكيف ستعمل على توحيد الوزارات والمؤسسات، وإطلاق سراح المعتقلين، وفتح المؤسسات المغلقة، وتداعيات الاقتتال، ومتطلبات المصالحة المجتمعية، وإعادة المستنكفين والمفصولين إلى أعمالهم، وهم ينتمون في غالبيتهم إلى «فتح» أو «حماس»، إذا لم تكن حكومة قويّة، بحيث تكون حكومة سياسيّة مهنيّة تجمع ما بين القيادات السياسيّة والكفاءات المهنيّة الوطنية المستقلة؟
استنادًا إلى ما سبق، نستطيع القول إن العقبة الرئيسيّة التي حالت دون النجاح في تطبيق اتفاق القاهرة للمصالحة، والتي أدت إلى التأخر في التوصل إليه تتعلق بضرورة أن تأتي المصالحة (بما فيها تشكيل الحكومة) لتصب المياه في طاحونة ما يسمى «عمليّة السلام»، حتى تعيدها إلى الحياة بالرغم من أنها عمليّة ميتة، وكانت وهي حيّة «عمليّة من دون سلام»، وظّفتها إسرائيل أسوأ استخدام؛ من خلال التغطية على ما تقوم بتنفيذه من مخططات لتعميق الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وتهويد القدس وأسرلتها، وقطع الطريق على أي مبادرات وخيارات أخرى، وتحييد المجتمع الدولي وجعله أقرب إلى «شاهد الزور»، ليكون المطلوب منه أن يبارك عمليًّا بها ويغطيها لا أن يساهم فيها بفعاليّة.
فالمفاوضات الثنائيّة المباشرة برعاية أميركيّة انفراديّة فشلت ومحكوم عليها بالفشل، لأنها تضع الضحيّة الفلسطينيّة تحت رحمة المحتل الإسرائيلي من دون مشاركة أحد سوى الولايات المتحدة الأميركيّة المنحازة بشكل مطلق لإسرائيل.

الحل بحاجة إلى مسار جديد

إن مفتاح المصالحة ليس تأليف الحكومة، ولا الانتخابات كما يتردد كثيرًا، وليس مراضاة حكام واشنطن وتل أبيب، ولا ربطها بمدى إسهامها بالجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات التي أوصلت الفلسطينيين إلى الكارثة، أي إلى ما يعيشونه الآن، أو ربطها بالتغييرات العربية وصعود الإسلام السياسي؛ وإنما وضع المصالحة بعد أن تحسنت الأجواء في ضوء الانتصار الديبلوماسي في الأمم المتحدة والانتصار العسكري في غزة، في سياق إحياء القضيّة الفلسطينيّة مجددًا، وإعادة تعريف المشروع الوطني بما يستجيب للحقائق والتطورات الجديدة فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا وإقليميًا، بحيث يكون هناك مسار إستراتيجي جديد بديل من المسارات السابقة التي لم تؤد إلى تحقيق الأهداف الوطنيّة، سواء اعتماد المفاوضات كطريق وحيد والتخلي عن جميع أشكال وأسباب القوة، أو اعتماد المقاومة كطريق وحيد. مسار ينطلق من تحديد «ركائز المصلحة الوطنيّة العليا» التي تجمع الفلسطينيين جميعًا أينما كانوا، ويتم على أساس إعادة بناء منظمة التحرير، بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني.
يتضمن هذا المسار بلورة برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة الكفيلة بالتعامل مع الوضع الراهن من دون التنازل عن الحقوق الأساسيّة. برنامج لا يؤدي إلى انضمام «حماس» إلى مسيرة المفاوضات العبثية، كما يظهر في اعتدال «حماس» المبالغ به، والرامي إلى الحصول على الاعتراف والشرعية كلاعب رئيسي إلى جانب «فتح» أو كبديل منها.
برنامج يستند إلى الأهداف والحقوق الفلسطينيّة المتمثلة في حق تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة، وحق العودة، والمساواة، والدفاع عن الفلسطينيين في جميع أماكن تواجدهم وتمثيلهم، كما يستند إلى القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها من دون الاعتراف بشروط اللجنة الرباعيّة التي كانت شكلًا من أشكال التحايل على المجتمع الدولي، لأنها وضعت شروطًا ظالمة على الفلسطينيين، وتركت الجلّاد المحتل من دون أي شروط.
أخيرًا، لا شك في أن إمكانية الاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة أصبحت أكبر بشكل ملموس، بعد «اعتدال حماس»، وانتصار المقاومة في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وبعد «تطرف فتح» في ضوء وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، وانتصار الديبلوماسية الفلسطينية في الأمم المتحدة، والحصول على عضوية الدولة بصفة مراقب، وفي ظل عدم توفر إمكانية للتوصل إلى تسوية مع الاحتلال الإسرائيلي مع تزايد تطرف حكومة نتنياهو، وعدم نضوج إسرائيل للسلام. ولكن هذا العامل الإيجابي لا يجب أن يطمس أن الخلاف بين «فتح» و«حماس» لم يعد في جوهره خلافًا على البرنامج السياسي، وإنما خلاف على القيادة والسلطة وعلى من يمثل الفلسطينيين ويقود المنظمة. وإذا أصر كل طرف على تجسيد حقه في القيادة من خلال الإصرار على تحقيق مصالحه وفقًا لشروطه، وما يعزز قيادته أو يفتح الطريق لقيادته، من دون شراكة حقيقية على أساس رؤية وبرنامج وإعادة بناء المنظمة؛ لا يمكن تحقيق هدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، وأقصى ما يمكن تحقيقه هو تطبيع حالة الانقسام، والتوصل إلى اتفاقات للمحاصصة الفصائلية الثنائية والشاملة.

المدير العام للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية - مسارات، رام الله.