| 

يعاني المواطنون العرب في مدينتي اللد والرملة مشاكل حياتية متشابهة نابعة من أوضاع اقتصادية اجتماعية أسوأ بكثير من أوضاع باقي الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، ربما باستثناء القرى العربية غير المعترف بها في النقب. ويواجه العرب في اللد والرملة سياسة التمييز العنصري التي تمارسها المؤسسة الحاكمة في إسرائيل والسلطتان المحليتان. وينعكس ذلك على مستوى الحياة ومستوى التعليم ومنع العرب من العمل في المؤسسات الرسمية أو الشركات والمصانع اليهودية، وارتفاع نسب البطالة ونسبة الجريمة. ومع أن الموقع الجغرافي لهاتين المدينتين، في وسط البلاد وقريبا جدا من عصبها الاقتصادي، إلا أن ذلك لم يسعف سكانها العرب في تحسين أحوالهم. والأخطر من هذا كله، أن الوجود العربي في اللد والرملة غير مرغوب فيه لدى السلطات الإسرائيلية، بل لعله مهدد بمفهوم معين. فسلطات التخطيط والبناء لم تدع للعربي مجالا للبناء بشكل قانوني، وترفض إصدار تراخيص بناء. وفي المقابل، فإن هذه السلطات تستخدم آليات من أجل منع العربي من السكن في أحياء جديدة يتم بناؤها لليهود وحدهم، وتضع شروطا من أجل تنفيذ ذلك. وهناك حي بكامله في الرملة، هو حي الجواريش الذي يسكنه 5000 نسمة تقريبا، ولا يوجد فيه بيت واحد تم بناؤه برخصة رسمية.

تهجير وهجرة

يبلغ عدد سكان اللد اليوم قرابة 70 ألف نسمة، بينهم 30% من العرب. وقال عضو بلدية اللد السابق، المهندس عارف محارب، لملحق «فلسطين» إن الغالبية الساحقة من سكان اللد قبل العام 1948 نزحوا عن المدينة خلال النكبة. فقد ارتكبت العصابات الصهيونية مجازر في المدينة. ويوجد أكبر تجمع لسكان اللد اليوم في مدينة رام الله في الضفة الغربية.
في المقابل، لجأ إلى اللد، بعد النكبة، الفلسطينيون الذين نزحوا عن بلداتهم وقراهم في المناطق القريبة، مثل المجدل قرب عسقلان، وقرية الشيخ مونس، المقامة على أراضيها جامعة تل أبيب، وقرية البصة وقرى أخرى مهجرة في منطقة نتانيا حاليا. وقال محارب أن سكان هذه القرى المهجرة لجأوا إلى اللد بعدما قررت إسرائيل تطهير هذه المناطق من العرب.
وفي سنوات لاحقة، هجرت السلطات الإسرائيلية مجموعات من بدو النقب إلى اللد. وأشار محارب إلى أن هذا المجموعة الكبيرة جاءت «في أعقاب توقيع معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، في العام 1977. وفي حينه قررت إسرائيل بناء مطارات عسكرية في النقب التي أقيمت على أراضي قسم من عرب النقب».
إضافة إلى ذلك، أحضرت إسرائيل مجموعة من الفلسطينيين الذين تعاونوا مع الاحتلال في الضفة الغربية، بعد الانتفاضة الأولى، وأسكنتهم في اللد. ويشار إلى أن مجموعات أخرى من هؤلاء المتعاونين أُسكنت في جميع المدن المختلطة الأخرى، وهي الرملة ويافا وحيفا وعكا. وأكد محارب أن «السكان العرب في اللد عارضوا بشدة إسكان المتعاونين بينهم، لكن لم تكن لديهم القدرة على منع ذلك. ولذلك فإن هذه الهجرة إلى اللد تمت رغما عن أنف سكان المدينة العرب. لكن هؤلاء المتعاونين لا يشكلون مجموعة كبيرة، قياسا على عدد السكان العرب، وليس لهم تأثير من الناحية السياسية. وعموما فهم يسكنون في الأحياء اليهودية أو الأحياء المختلطة لليهود والعرب، لأن العرب رفضوهم نفسيا وأخلاقيا وسياسيا».

أوضاع بائسة

يفترض بالموقع الجغرافي المركزي لمدينة اللد، الواقعة في وسط البلاد والقريبة من مدينة تل أبيب، العصب الاقتصادي والصناعي لإسرائيل، أن يوفر فرص عمل كثيرة لسكان المدينة بمن فيهم العرب. لكن محارب أكد أن «عرب اللد لا يستفيدون من هذا الموقع الجغرافي لمدينتهم، ولا يستفيدون حتى من وجود بلدية كبيرة، نسبيا، في المدينة. إذ يعمل في بلدية المدينة ما بين 600 إلى 700 موظف، وبالكاد يصل عدد الموظفين العرب إلى 1% فقط. لذلك فإن العرب محرومون من الوظائف في البلدية وفي غيرها من المؤسسات الرسمية. كما أنهم محرومون من العمل في الشركات والمصانع الكبيرة، لأنها تشترط الخدمة في الجيش لقبول المستخدمين». وأضاف محارب: إن هذا الوضع دفع ويدفع غالبية العرب إلى العمل في مهن حرة، مثل المصالح التجارية الصغيرة ومهن مثل الطب والمحاماة والهندسة وما إلى ذلك. وتابع: «لكن ليس بإمكان الجميع العمل في مهن كهذه أو التوجه إلى الدراسة في الجامعات. ولذلك فإن نسبة البطالة بين العرب في اللد مرتفعة جدا. وهذه الحال تؤدي إلى وجود مشكلات اجتماعية، بينها نسبة الجريمة المرتفعة، وكذلك نسبة الذين يتعاطون المخدرات. ويمكن القول إن أسوأ وضع للعرب في المدن المختلطة موجود في اللد والرملة. وهذا واقع ظاهر للعيان».
وفيما يتعلق بجهاز التعليم العربي في اللد، شدد محارب على أن مستواه متدنٍ جدا، وأن «هذا الوضع ناجم عن أسباب عديدة، بينها سياسة التجهيل التي اتبعتها إسرائيل ضد عرب الداخل. لكن في المدن والقرى العربية في الجليل والمثلث أصبحت هناك سلطات محلية عملت على تحسين جهاز التعليم فيها، لكن في اللد والرملة، وربما في مدن مختلطة أخرى، لا توجد جهة قادرة على تحسين جهاز التعليم العربي. ونحن نواجه الآن مصاعب في مجال التعليم كالتي واجهتها المدن والقرى العربية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. والمدارس الحكومية العربية عندنا فاشلة جدا، والمدارس الأهلية تحاول أن تشكل بديلا ولكنها ليست قادرة على القيام بهذه المهمة. ولذلك فإن معطيات التعليم العربي في اللد سيئة جدا جدا».
ورأى محارب أن «وضع التعليم ينعكس على المجتمع العربي في المدينة. والسبب الأساس لهذا الوضع هو أن السلطة المحلية لا تعبر إطلاقا عن مصلحة المواطنين العرب. وهذه السلطة المحلية تقوم بعملية تهميش وإهمال ولا مبالاة. فالميزانيات لجهاز التعليم العربي منخفضة جدا. وعلى سبيل المثال، فإن كل غرفة دراسية في مدرسة عربية فيها 42 طالبا بالمتوسط، بينما في المدارس اليهودية لا يتجاوز عدد الطلاب في الغرفة الثلاثين طالبا، بالإضافة إلى نوعية التعليم المتدنية. واللافت هو أن المجتمع اليهودي المحلي الذي يدير هذه السياسة هو نفسه مجتمع مهمش، كونه من اليهود الشرقيين. وهذا يعني أن المجتمع العربي في اللد، وفي الرملة أيضا، يعيش على هامش المجتمع المهمش في إسرائيل».
وفيما يتعلق بالسكن، ففي اللد أحياء للعرب وأحياء أخرى لليهود وهناك أحياء مشتركة. وقال محارب: «على المستوى الشعبي توجد إمكانية للتعايش المشترك بين العرب واليهود. وفي الواقع أن الصراع هنا هو بين المواطنين العرب والمؤسسات وليس بين السكان اليهود والعرب. ومع ذلك، فإن العربي يشعر بأنه مهمش ومظلوم وحقوقه مسلوبة، في الوقت الذي يرى فيه أن هذه الحقوق متاحة لليهودي. وهذا يبرز في جميع المجالات، وبينها البناء والبنية التحتية والخدمات وفرص العمل». وأشار إلى قضية خطيرة يواجهها العرب في اللد وهي ما يوصف بـ«البناء غير القانوني». وأضاف: «إن بناء منزل هو حق طبيعي، وهو حق يعلو على أي قانون. والسلطات الإسرائيلية تمارس سياسة تمييز في التخطيط، تؤدي إلى أن يضطر العربي إلى ممارسة حقه الطبيعي في أن يكون لديه منزل، لكن عليه مخالفة القانون».
وتابع محارب: «في معظم الحالات لا تتعاطى السلطة مع هذا النوع من البناء لأنها تعرف أنه لا يوجد أمام العربي حل آخر إلا البناء من دون تراخيص. وعمليا يتم إصدار أوامر هدم ولكن لا يتم تنفيذها. فمعظم البيوت العربية في اللد صدرت أوامر هدم بحقها. ويتم تنفيذ هذه الأوامر بشكل انتقائي عندما ترى السلطة أنها تفقد السيطرة».

وضع مشابه في الرملة

الأوضاع في الرملة مشابهة إلى حد كبير جدا للأوضاع في اللد. وقبل النكبة كان عدد سكان الرملة 18 ألفا بقي منهم 800 نسمة. ويبلغ عدد سكان الرملة اليوم نحو 70 ألف نسمة بينهم 20% من العرب. كذلك لجأ عدد من الفلسطينيين من القرى المهجرة إلى الرملة خلال النكبة من صرفند ومن قرى أخرى. وفي ستينيات القرن المنصرم انتقل كثيرون من عرب النقب واستقروا في الرملة بحثا عن العمل. كذلك تم إسكان مئات المتعاونين مع الاحتلال في الرملة، وتم إحضار غالبيتهم من قطاع غزة.
وقال الناشط والطبيب الرملاوي الدكتور يوسف المغربي، لملحق «فلسطين» إن «المواطنين العرب في المدينة يعتمدون على الأعمال الشاقة في البناء والمصانع وما إلى ذلك. ونادرا ما ترى عربيا من الرملة يعمل في الصناعات التكنولوجية الدقيقة (هاي تك). مع أن هناك أطباء ومحامين ومهندسين عرباً. واليوم هناك توجه أوسع لدى العرب نحو التعليم الجامعي. ونرى بعض العائلات الفقيرة التي تحرم نفسها من الطعام من أجل تعليم أبنائها في الجامعات».
وأضاف المغربي أن «هناك أسباباً لهذا الوضع، إذ ليس لدينا أراض ولا مصانع... لا شيء يمكن أن نستند إليه في الحياة». وأشار إلى أن نسبة البطالة بين العرب في الرملة مرتفعة وتتجاوز العشرين في المئة. وأكد أن هناك موظفاً عربياً واحداً أو اثنين في بلدية الرملة من بين مئات الموظفين.
وتطرق إلى جهاز التعليم العربي في الرملة، وقال إنه ينقسم إلى قسمين: مدارس أهلية خاصة ومدارس حكومية. أما المدارس الأهلية في المدينة فعددها ثلاث، اثنتان تبشيريتان مسيحيتان، هما المدرسة الأرثوذكسية ومدرسة تيراسنطة، ومدرسة أهلية خاصة إسلامية بادرت إلى إقامتها الحركة الإسلامية قبل خمس سنوات. كما أن نسبة كبيرة من خريجي المدارس الأهلية يواصلون تعليمهم الجامعي. وهناك مدرسة ثانوية حكومية واحدة وثلاث مدارس ابتدائية حكومية. ووصف المغربي المدارس الحكومية بأنها «ضعيفة». ورأى أن ارتفاع نسبة البطالة وتدني مستوى التعليم الحكومي لدى العرب في الرملة أدى إلى آفات اجتماعية، من بينها ارتفاع نسبة الجريمة وتعاطي المخدرات. وأكد أن «هذا الوضع سببه إهمال السلطات للعرب في الرملة. ونحن، في الواقع، لا نشعر بوجود أي استثمارات أو رصد ميزانيات لمصلحة العرب هنا. بل نشعر بوجود إهمال وهو متعمد».
في الرملة أحياء للعرب وأخرى لليهود. والأحياء العربية هي البلدة القديمة وتسمى «الغيتو». وقال المغربي إن هذا الاسم له مدلول تاريخي، في إشارة إلى الغيتوات التي كان يعيش فيها اليهود في أوروبا الشرقية ويعزلون فيها عن باقي المجتمعات. وأضاف: «لكن الغيتو في الرملة هو للعرب». وإضافة إلى ذلك، هناك حي الجواريش العربي، ويبلغ عدد سكانه نحو خمسة آلاف نسمة. وهناك حي الرباط العربي الذي يسكنه نحو 2500 نسمة. ويسكن قسم من المواطنين العرب في أحياء جديدة ومشتركة. لكن المغربي أكد وجود أحياء في الرملة يُمنع العرب من السكن فيها، وأن شركات خاصة تبني هذه الأحياء وتضع شروطا أمام المواطنين بحيث يتم منع العرب من السكن فيها، مشيراً إلى أن شركة حكومية أقامت قبل سنوات حيا في الرملة وحاولت منع العرب من السكن فيه، لكن السكان التمسوا المحكمة العليا التي أصدرت قرارا بالسماح للعرب بالسكن في هذا الحي. وشدد المغربي على أنه لا يوجد في حي الجواريش، الذي يسكن فيه، بيت واحد تم بناؤه بترخيص. وأضاف: أن «السبب بسيط جدا، وهو أن السلطات معنية أن يبني العرب من دون ترخيص. فالسلطات لا تعترف بأن الأرض يملكها السكان. ولذلك فإن العربي لا يستطيع الحصول على ترخيص بناء. وقد حاول كثيرون استصدار تراخيص بناء لكن السلطات أدخلتهم في دوامة لا نهاية لها».
وهناك مشكلة أخرى في المجتمع العربي في الرملة هي جرائم القتل على خلفية ما يسمى «شرف العائلة». وقال المغربي إن هذه الظاهرة منتشرة بين المواطنين الذين قدموا من النقب للسكن في الرملة، وأن «أسباب هذه الظاهرة تعود إلى تقاليد بدوية. وهذه الجرائم تتم لأسباب تافهة، مثل أن ترفض فتاة الزواج من ابن عمها، فتقتل. لكن المصيبة الأخرى هي أنه لا يوجد رادع يحد من هذه الظاهرة، وغالبا ما لا تتم معاقبة القاتل بذريعة عدم كشفه، ولذلك فإنه لا يدخل السجن».
* باحث وصحافي فلسطيني يقيم في مدينة الناصرة.