| 

النساء في اللد والرملة هُنّ الأكثر عرضة في الداخل الفلسطيني للعُنف والقتل على أيدي أزواجهن أو أفراد أُسرهن أو أسر أزواجهن. وباتت هذه الظاهرة تُقلق مواطني المدينتين، وتشعر النساء أنّهن مستهدفات لا أمان على حياتهن، ولا تأبه الشُرطة الإسرائيلية للتهديدات التي يتعرضن لها، مع أنّ وظيفة الشرطة في البلدات العربية هي منع الجريمة، لكنّها في اللد والرملة ليست إلا مُتفرجا، ودورها ينحصر في المُتابعة مِن بعيد، والوصول إلى موقع الجريمة غالبًا بعد الحدث. وتتذرع الأجهزة الشُرطية أنّ ما من أدلة كافية لتقديم لوائح اتهام ضد مجرمين. وهكذا يبقى القاتل حُرًا طليقًا، باستطاعته أن يتابع مسلسل القتل كما يحلو له، دون رقيبٍ أو حسيب، واعترافُ أحد الشرطيين بالعجز، يُثير السخرية، إذ يقول: «فلان من مدينة اللد، يده ملطخة بقتل 7 نساء، لكننا لا نستطيع فِعل شيء». هذا التصريح أكدته العاملة الاجتماعية سماح سلايمة اغبارية، مديرة جمعية «نعم» في مدينة اللد، حيث خصّت «ملحق فلسطين»، بتفصيلات حول جرائم القتل ضد النساء، واستهتار الشرطة الإسرائيلية بأرواحِ الفلسطينيين.

جريمة في البيت على مسمعِ الأطفال!

كانت ياسمين أبو صعلوك حاملا في شهرها السادس عندما وضع زوجها حدا لحياتها. وهذه الضحية ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة في اللد.
وحين قرر زوجها حرمانها أبناءها الخمسة، فضلت العودة إلى بيت الزوجية، وكانت تنتظر ساعة الفرج عندما تحتضن طفلها السادس، لكن لا أحد كان يمكنه توقع ما سيجري لاحقًا، حين كان القاتل يتربصُ بها ويتحين الفرصة للتخلُص منها، ولأنها كانت تخافه كانت تملك مفتاحًا لمخرجٍ إضافي لغرفتها يُطل على أهلها، كي تتمكن من الفرار لحظة اقتراب الخطر.
عادت ياسمين إلى بيت زوجها، تتعكّز على رجلها التي سبق أن أصيبت برصاصةٍ مِن زوجها. «وحدهم الراحلون يملكون ردودًا لن نعرفها» ـ قالت مريم أبو صعلوك والدة ياسمين، لـ«ملحق فلسطين»، وأضافت: لقد اختارت العودة إلى بيتها مِن أجلِ أطفالها، لكنّ القاتل لم يأت من باب غرفتها، بل اختار أن يزج بها في مخزن المنزل حيث لا مخرج ولا مفتاح ولا حتى شباك. وتابعت والدة ياسمين: ساقها كالأغنام إلى مصيرها، من دون أن يراعي أنها حامل، ومن دون أن يلتفت إلى أطفاله الذين يسمعون صراخ والدتهم وهو يجرها بالقوة من ملابسها ومن شعرها في ذلك المخزن. قالت الوالدة بصوتٍ منخفض: ياسمين شهيدة عند الله، حسبي الله ونعم الوكيل.
والمغدورة ياسمين، هي واحدة من النساء الضحايا في منطقة اللد والرملة، حيثُ العُنف المُستشري في المدينة وصمتُ الشرطة الإسرائيلية عما يجري في المدينة من جرائم، علمًا أنّ القتل يقف وراءه مُجرم، لو أرادت الشرطة الإمساك بِه لاستطاعت.
تقول سماح اغبارية: عادةً ما يتم تصنيف جرائم قتل النساء تحت إطار «جرائم الشرف»، لكنني أؤكد أنّه لا يوجد ما يمتُ للشرف بصِلة، فالمعطيات الموثوقة أمامي تؤكِد أنّ خلفية القتل هي: جرائم عنف، خلافات عائلية أو زوجية، أو فشل العلاقة الزوجية والطلاق، أو الخلاف على الإرث. فإذا كانت هذه الجرائم التي يقترفها في العادة مُدمنٌ أو تاجر مخدرات أو تاجر أسلحة أو مجرم، تحدُث باسم الشرف، فأيُ شرفٍ يعرفه القاتل؟! ثم مَن هو الذي يُصنّف ويُقرّر إيذاء الضحية مرتين، مرة بمقتلها وأخرى بكيلِ الأكاذيب عن أسباب مقتلها؟! فما ذنبُ سيدة تبلغ 49 عاماً، تُقتل لأنها اعترضت على إخفاء المخدرات في بيتها؟ وما ذنب السيدة التي انتزعت حقها برعاية أطفالها الثلاثة وتخليصهم مِن والد يتعاطى المخدرّات؟! وما ذنبُ المغدورة نسرين مصراتي التي تعقبها القتلة الذين استأجرهم زوجها، بعد خروجها من المحكمة الشرعية؟! لقد بات من السهل أن نصنّف الجريمة في سلة المهملات التي تحمل اسم «شرف العائلة»، علمًا أنها جريمة تحدث في بيتٍ فقير، والقاتل عاطلٌ عن العمل أو يتاجر بالأسلحة غير القانونية أو بالمخدرات أو يتعاطاها.

الشرطة ضد القتل بين اليهود وحدهم!

تُفيد المعطيات عن جرائم القتل في الوسط اليهودي أنّ الشرطة تتمكن في أقل من 24 ساعة من كشف أي جريمة قتلٍ تعرضت لها امرأة يهودية، لكنها تُصبح «عاجزة» عن كشف الأدلة حين تقتل النساء العربيات. وتكشف المعطيات أيضًا أن الشرطة الإسرائيلية نجحت في سنة 2010 في إلقاء القبض على 10 يهود قتلوا نساءهم، وفي الوقت ذاته أفلحت الشرطة في القبض على متهمين فقط بالقتل، من بين حوادث قتل 10 نساء عربيات، على يد عشرة رجالٍ مِن العرب.
هذه الحقائق المؤلمة تجعل مِن السهل جدًا قتل المرأة العربية، فلا أحد يستطيعُ حمايتها، ولا يُلاحق أي مُجرم حتى يرتدِع. والمرحومة ياسمين أبو صعلوك من اللد خيرُ مثالٍ على تهاون الشرطة، فلو أنّ الشرطة تعقبت زوجها القاتل لكانت اعتقلته، وهو الذي حاول أيضا قتل شقيقته المقعدة، وهناك دلائل تشير إلى هذه المحاولة، لكن الشرطة لم تُحرك ساكنًا. وأمام المعطيات التي تتحدث عن أنّ نسبة الجريمة في مدينة اللد والرملة تصل إلى عشرة أضعاف الجريمة في أي مدينة أخرى في الداخل الفلسطيني، وأنّ كل شخصٍ ثانٍ يُقتل في الداخل هو عربي، رجلاً أكان أم امرأة، هُنا يحق لنا التساؤل عن دور الشرطة إذًا وسبب وجودها في البلدات العربية، وهل تحارب الجرائم أم تعزّز مكانة المجرمين مِن العرب؟!

عائلات تحررت مِن الخوف!

لعلّ التغيير الأبرز الذي حدث في المجتمع الفلسطيني، وخاصةً في اللد والرملة، بفضل وجود جمعية «نعم»، هو إقامة منتدى لأسر الضحايا، يشمل ثماني عائلات عربية أنكرت العلاقة بين القتل و«شرف العائلة»، وتمّ شرح أسباب الجريمة الحقيقية، الأمر الذي فرض على الشرطة التخلي عن مصطلحها «جريمة شرف»، كلما قُتلت امرأة من المدينتين المختلطتين. ويبقى القلق على النساء المُهددات بالقتل، فرغم أنّ ملف الشرطة لسنة 2012 خلا مِن أي جريمة قتل، فإنّ هناك 34 امرأة اضطررن إلى الخروج من بيوتهن، والإقامة في ملاجئ هربًا مِن تهديداتٍ بالقتل، ما يعني أنّ هناك نحو ثلاث نساء شهريًا، يتوجهن إلى مؤسساتٍ لحمايتهن من القتل.

إهمالٌ فاضح

كشف تقرير لمراقب الدولة عن مدينتي اللد والرملة، عن تقاعس فاضح في علاج النساء المعنفات في المدينتين، حيثُ اكتفى مركز الشؤون الاجتماعية بمعالجة 37 حالة لنساءٍ عربيات معنفات مِن أصل 337 امرأة كُنّ قد توجهن إلى مركز منع العنف في العائلة، وتبيّن خلال التحقيق أنّ المركز تلقى رسالة بهذا الخصوص عبر جهاز «الفاكس» مِن الشرطة في مدينة اللد، لكنه أنكر وصولها. التقصير مخز، ليس بخصوص المهمات الملقاة على العاملات الاجتماعيات فحسب، وإنما بضياع الميزانيات التي تصِل إلى بلديتي اللد والرملة (اليهوديتين)، مِن أجل دعم النساء العربيات، لكنّ البلديتين إما تقومان بإعادة الميزانية لعدم استخدامها، أو أنّ الميزانية تختفي بسبب تلاعب بعض المسؤولين. وبناءً على التقرير، اضطُر المدير العام لوزارة الشؤون الاجتماعية إلى اتخاذ القرارات بنفسه وإعداد ميزانية خاصة لدعم نساء الرملة واللد، وتوظيف ثلاث موظفات. ويجب الإشارة إلى أنّ جمعية «نعم» كان لها دورٌ بارز في تغيير هذا الواقع، وتقديم محاضراتٍ تربوية يتم من خلالها نشر التوعية في المدارس العربية في المنطقة، كما تؤهِل الجمعية طاقاتٍ قيادية ومجموعات شبابية للتطوع لمحاربة العنف.

صورة سيئة عن المرأة العربية

في كثيرٍ من الأحيان، تنقل وسائل الإعلام العبرية أخبارًا مشوّهة عن جرائم القتل التي تحدُث في المجتمع الفلسطيني في الداخل، لتُظهر أنّ المرأة ضحية ما يُسمى «شرف العائلة»، وهي تعتقد أنّ النساء العربيات ضعيفات أمام الرجل العربي، ولا يبدي كثير مِن اليهود، ومن الصحافيين، اهتماما بمعرفة أنّ هناك نسبة كبيرة من النساء الأكاديميات والمثقفات، وما ينقصهن هو فرص العمل التي لا يجدنها بسبب صعوبة التنقُل من خلال المواصلات، أو لأنّ بينهن نساء وأمهات لا يجدن في بلداتهن أطرا لرعاية الطفولة المبكرة.
تقول الناشطة مها النقيب إنّ هناك علاقة مباشرة بين السياسة المنهجية للسلطات المحلية والواقع في مدينتي اللد والرملة، وما بين الشرطة وازدياد جرائم القتل، وتسارع وتيرته. وترى أن من غير الممكن مواجهة جرائم القتل من دون إحداث تغيير في المجتمع العربي، ومن دون الحصول على خدماتٍ أساسية يستحقها الفلسطينيون أصحاب المكان الأصليين. كما لا يمكن الفصل بين جرائم القتل وبين الحالة السياسية والاجتماعية التي يعيشها اللــداويون مِن تمــييزٍ واضح وإهمال ونقص في الخدمات التي يحتاجها أبنـــاء اللد، ليعيشوا كسائر البشر، وليحصلوا على حقوقهم الأساسية، وعلى رأسها ميزانيات كافية لتحسين المستوى التعليمي.
أما الناشطة النسوية خلود الزيناتي فترى أنّ «المشكلة الأكبر المتعلقة بقتل النساء هي الثقافة السائدة في المجتمع الفلسطيني والمرتبطة بالاستهتار بحياة البشر، خاصة الضعفاء منهم، والمرأة في نظر المجتمع العربي، للأسف، تبدو ضعيفة». وتؤكدّ أنّ عدم ردع القاتلين هو «هدفٌ مقصود يُساهم في تشجيع ظاهرة القتل في مجتمعنا العربي لاستنزاف طاقاتنا في جرائم وتحويلنا إلى مجتمعٍ ضعيفٍ هزيلٍ نأكُل بعضنا بعضًا».
وتقول الزيناتي: إن التغيير ينبغي أن يتم من خلال رفع منسوب الثقافة والرعاية الاجتماعية والتربوية وبناء نوادٍ ومراكز جماهيرية وإقامة دورات تثقيفية وتوعوية تستند على ضرورة المحافظة على الهوية والثقافة والتراث. وثم ملاحقة مرتكبي الجرائم وممارسي العنف، لجعلهم عِبرة لغيرهم، وفضح إخفاق الشرطة وتقاعسها عن القيام بعملها.

عمل فني ينتقد جرائم القتل

أصدرت فرقة «الهيب هوب» الفلسطينية («دام») بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، فيديو موسيقياً بعنوان «لو أرجع بالزمن»، يندد بجرائم القتل ضد النساء على خلفية ما يسمى «شرف العائلة». وشاركت في العمل إلى جانب فرقة «دام» الفنانتان الفلسطينيتان أمل مرقس وسماح واكيم. ويتناول العمل الفني حكاية امرأة شابة قتلها والدها وشقيقها. ويعود الفيديو من خلال المشاهد المصورة بالزمن إلى الوراء في محاولة لفهم الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب جريمة القتل. ويأتي العمل ليؤكِد من جديد أنّ فرقة «دام» اللداوية تحمّل هموم أهل المدينة حيث يُسترخَص قتل النساء بصورةٍ شبه يومية، تحت مسمياتٍ شتى، ترتبط بالعادات والتقاليد، «لكنّ الواقع الحقيقي ليسَ كذلك»، بحسب أعضاء الفرقة؛ «فقتلُ النساء لا يأتي لأنهن تخطيْن حدود الشرف، كما تفرض العادات، بل لأنهن رفضن العنف ومظاهر الجريمة في بيوتهن ومجتمعهن، فكانت النتيجة تعرضهن للقتل». ويُشير أعضاء الفرقة إلى أنّ «السلطات الإسرائيلية تتباهى بقدراتها التكنولوجية المتقدمة، وبقدرتها على الوصول إلى أعمقِ نفقٍ وأبعدِ مدى، لكنّها تمنع الجريمة في البلدات اليهودية وتسمح بِها في البلدات العربية، خاصة عندما يتعلّق الأمر بقتل النساء». وقد كان أعضاء فرقة «دام» سعداء لنجاح الفيديو في الانتشار والحصول على 145 تحية إعجاب من متصفحي مواقع الانترنت. لكنهم يؤمنون أنّ «أغنية لا تزيد مدتها عن 3 دقائق لا يمكنها تغيير واقعٍ أبدي، لكنّها واحدة من الخيارات المُتاحة التي نُحارب بها العنف، عـلّنا نُصبح يومًا أكثر وعيًا وحضارة».

* صحافية فلسطينية تقيم في مدينة شفا عمرو.