| 

من جديد، وفي سياق مختلف، يعود سؤال العلاقة بين الوطني الفلسطيني والقومي العربي، ليفرض على أهل الفكر والسياسة، ضرورة تقديم إجابات واقعية، تهبط عن مستوى الشعارات، وترتفع عن مستوى المفاهيم البراغماتيه الاستهلاكية. ويتطلب تقديم مثل هذه الإجابات، فهما أعمق للتطورات التي شهدتها مصر قبل الحراك الشعبي وإلى طبيعة المخططات الإمبريالية الصهيونية، وآليات تحقيقها في ضوء الحراك الشعبي العربي، الذي بدأ منذ نحو عامين، يتجه نحو تغيير واقع حال النظام العربي الرسمي، وتغيير محتوى وآليات علاقته مع المجتمعات العربية، ومع متطلبات التطوير والنهضة، والعصرية. في الواقع فإن الفلسطينيين لا يزالون غير قادرين على تقديم إجابات أولية عن هذا السؤال، وفيما يظهر من تعليقات وممارسات، فإنهم يختلفون في نظرتهم وتقييمهم للواقع العربي المتكون، وذلك امتدادا للانقسام الذي يعانون منه، بما أنه في الأصل انقسام حول الرؤى والمشاريع، إزاء كل ما يتعلق بمستقبل النضال الفلسطيني.
من الطبيعي أن تتعامل الحركات الإسلامية في فلسطين، خصوصا حركة حماس، مع مخرجات الحراك الشعبي العربي، بقدر عال من الثقة والتفاؤل، وباعتبار أن الربيع العربي ينتج شتاء إسلامياً واعدا بمرحلة طويلة مقبلة يتوافر فيها لحركة الإخوان المسلمين الوقت والظروف المناسبة، لخوض تجربتهم في الحكم بعد أكثر من ثمانين عاما على تأسيس الحركة.
تعكس هذه الرؤية، تأصيلا لسلوك عصبوي، تكفيري، يرى الآخر ولا يعترف به، ولا يؤمن بالتنوع والتعددية، ولا بآليات الديموقراطية في الحكم، ويقدم تجربه لا تختلف عن تجارب الأحزاب المتفردة بالحكم، وتتجاهل دور الفئات الشعبية والجماهير والقوى المعارضة ومصالحها. ضمن هذا المنظور، تكون القضية الفلسطينية قد حققت المنى، واستقرت في الموقع الأفضل بالنسبة للجماهير العربية، ويكون معيار الممارسة، في مدى وطبيعة الدعم الذي تبديه هذه الجماهير استجابة لمتطلبات وبرامج الحركة الإسلامية الفلسطينية.
إن التحالفات بين الحركات الإسلامية الفلسطينية مع الشعوب العربية، وتعبيراتها السياسية والاجتماعية ونخبها الثقافية والفكرية، محكومة للتوجه ذاته، ولذلك فإنها محصورة مع الحركات والقوى السياسية والاجتماعية والإسلامية، وتتركز في العلاقة بين حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين باعتبار الأولى هي الفرع الفلسطيني للجماعة، وهنا يطغى الحديث عن مفهوم الأمة الإسلامية والقفز عن مفهوم الأمة العربية، فتكون مصر قلب الأمة وقائدتها طالما كان عنوانها إسلاميا.
تواصلا مع هذه الرؤية، فإن الجماهير التي اختارت الإخوان المسلمين في مصر، هي الجماهير التي تعبر عن مواقف الشعب المصري تجاه قضايا الصراع العربي الفلسطيني الإسرائيلي، وهذه المواقف هي التي تمنح هذا الصراع مضامينه الأساسية. وفي المقابل، لا تتوافر لدى التيار الوطني الفلسطيني رؤية معينه لمجريات الحراك الشعبي العربي ومخرجاته، والأرجح أن هذا التيار ينظر بكثير من القلق والخوف، من أن تشكل تطورات الربيع العربي عاملا قويا مؤثرا على العلاقات والتوازنات الداخلية الفلسطينية لصالح التيار الإسلامي، الذي يخوض معركة السيطرة على المؤسسة والقرار والتمثيل الفلسطيني. ولا يبدي أصحاب هذا التيار أي اهتمام علني بمواقف واتجاهات تطور الجماهير المصرية والعربية عموما، ولا يرى نفسه مضطرا لإعادة صياغة علاقاته وتحالفاته مع القوى الشعبية الديموقراطية والقومية والليبرالية، التي أخذت تتجه نحو بلورة دورها وتصعيد نشاطاتها في مواجهة ما تعتبره الاستبداد الإخواني الجديد. لقد تكيفت أطراف هذا التيار في الساحة الفلسطينية مع متطلبات وقواعد العمل الرسمي، إلى أن أصبحت السلطة ومنظمة التحرير جزءا من النظام العربي الرسمي ولا ترغب في تجاوزه، أو في إغضابه. حتى حين يشعر أصحاب هذا التيار، بالخوف من مستقبل دور مصر الاخوانية إزاء كل ما يتصل بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما يتصل بالعلاقات والتوازنات الداخلية الفلسطينية، فإن هؤلاء، يفضلون الانتظار على أن يتواصلوا مع القوى والتيارات الشعبية والديموقراطية المناهضة لحكم الإخوان المسلمين. وبالرغم من ضعفها وعجزها ومحدودية تأثيرها، فإن القوى الديموقراطية الفلسطينية تمتلك رؤى واقعية لتطورات الحراك العربي، وهي لا تبدي ارتياحا لمخرجاته الإسلامية، ولا تبحث عن أي علاقة مع القوى والتيارات الإسلامية، لكنها أيضا لم تنجح حتى الآن في إعادة بناء تحالفاتها وعلاقاتها بالتيارات والقوى الديموقراطية والعلمانية عموما في مصر. ثمة رغبة ومحاولات قاصرة ومحدودة، لكنها في ما يبدو، فاقده الثقة بنفسها، خصوصا في ضوء تعثر محاولات توحيد نفسها، أو الارتقاء بالعلاقات في ما بينها إلى المستوى الذي تقدمه مثيلاتها في مصر، أو في تونس مثلا.
هذه القوى تعطي أهمية نظرية لمبدأ تحرر الشعوب العربية من قيود القمع والخوف، وترى في ذلك أساساً لتطور دور الجماهير مستقبلا، بما يؤدي إلى تصحيح حركة التاريخ ويكفل إعادة بناء مصر ودورها على أساس ديمقراطي تقدمي.

فلسطين ليست دافعاً

في الواقع، فإن دوافع الحراك الشعبي في مصر، كما في بقية الدول العربية، التي شهدت أو تشهد أو تنتظر مثل هذا الحراك التغيري؛ هذه الدوافع، لم يكن من بينها الموقف من القضية الفلسطينية أو من مواقف المجتمع الدولي إزاء الصراع العربي والفلسطيني الإسرائيلي، أو حتى من السياسات الإسرائيلية التي تنطوي على قدر متواصل من العدوانية والعنصرية.
الجماهير لم تخرج لمعاقبة الأنظمة الرسمية على مواقفها وسياساتها تجاه الحقوق العربية المسلوبة. وخلال مراحل الحراك، لم تظهر على نحو واضح، أي شعارات معادية لأميركا وإسرائيل، أو شعارات تنتصر لفلسطين وشعبها، أو للمشروع القومي العربي.
قليلة الفرص التي توافرت لاختبار مدى تأثير الجماهير المصرية بالعدوانات والسياسات الإسرائيلية، لكنها حين توفرت مثل هذه الفرص، لاحظنا أن ثمة عنفا متأصلا، تمثل بمظاهرات قوية ضد السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وطالبات بإلغاء اتفاقية كامب ديفيد، وبرحيل السفير الإسرائيلي في القاهرة، وسحب السفير المصري من إسرائيل.
هذا العنف ظهر على نحو أكثر قوة حين استشهد ستة عشر جنديا وضابطا مصريا على الحدود المصرية الإسرائيلية، مما يعني أن جماهير مصر عموما تتحلى بقدر عميق من الشعور بالكراهية والعداء إسرائيل والولايات المتحدة التي تساندها.
الفرص القليلة التي أتيحت لاختبار الموقف الشعبي المصري، أظهرت بوضوح أن ثمة انقساما حتى فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل، فالإخوان المسلمون بعد أن أصبحوا في الحكم لم يعودوا أصحاب مصلحة في تأجيج وتصعيد الموقف والنشاط الشعبي ضد إسرائيل ومعالم وجودها في مصر، ولم يعودوا يتحدثون عن الحاجة لإلغاء كامب ديفيد، وأقصى ما طالب به الناطق باسم الرئاسة المصرية ياسر علي هو تعديل الاتفاقية.
وبالمقارنة، فقد كانت ردة فعل التيارات الإسلامية في مصر أكثر عنفا واستمرارا في التعبير عن الغضب بسبب الفيلم الأميركي المسيء للرسول الكريم، لكن وأيضا بدون المساس بالعلاقات المصرية الأميركية، بل وقد جرى تبرئة الإدارة الأميركية من المسؤولية عن إنتاج الفيلم.
والمقصود أنه في ضوء الاستقطاب الحاد والانقسام الذي تتزايد مظاهره ومؤشراته وتداعياته، وفي ضوء حالة الاضطراب الشامل التي تشهدها مصر، وعلاقة هذا الاستقطاب بالعوامل الخارجية التي تتقدمها حالة التفاهم والتناغم بين الرئاسة الإخوانية والولايات المتحدة، فإن مثل هذا الاستقطاب يعبر عن نفسه بالتناقض بين المشروع الإسلامي، ومشروع في قيد التبلور، يشمل التيارات السياسية الأخرى، التي تتراوح تطلعاتها بين القومية، والوطنية، والليبرالية.

الهوية الجديدة

إن بلورة الهوية القومية والإسلامية، أو الوطنية القطرية لمصر، ودورها إزاء القضايا القومية، وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية، تظل مفتوحة على احتمالات تطور الأوضاع في مصر وفي فلسطين أيضا، غير أن مركز الاهتمام الأول للشعب المصري سيظل لفترة من الوقت نحو حسم التناقض الداخلي، وحول وحدة مصر ومستقبل نظامها السياسي، وذلك في ضوء السيناريوهات المظلمة التي تعمل عليها بعض القوى الخارجية، والتي تجد لها في الداخل رافعات قوية، ومن ذلك ما أشار إليه صراحة رئيس الحكومة الإسرائيلية بينامين نتنياهو مؤخرا حين قال إن مصر تتجه نحو الانهيار، وإن أوضاعها شبيهة بأوضاع الدولة العثمانية في آخر أيامها.
لقد تركت المرحلة التي سبقت ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2011، أثقالا هائلة على كاهل القوى القومية، فمنذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، انكفأت مصر على ذاتها، وتعرضت لعزلة عربية، مما أدى إلى انكفاء دورها الخارجي، سواء على الصعيد القومي أو الإقليمي أو القيادي، وبعد أن تسلم مبارك الحكم، لم يكتف بالالتزام بكامب ديفيد وإنما تجاوز ذلك، نحو لعب دور أساسي في حماية الأمن الإسرائيلي والمصالح الأميركية والإسرائيلية. صحيح أن الشعب المصري ظل على ثقافته المعادية لإسرائيل ورفض التطبيع، غير أن تلك التطورات أدت إلى تعزيز البعد القطري، وتزايد النزعات الفرعونية، وأرفق ذلك بضعف مقاومة القوى والأحزاب القومية واليسارية، التي عانت من الضعف والتشرذم، وغياب القدرة على التأثير في الاتجاه المضاد لما ذهب إليه النظام. وبالمقابل، فإن الأوضاع الفلسطينية عموما تتسم بالتردي، فهناك فشل المشروع السياسي القائم على المفاوضات، وثمة ضعف وتراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية، وانقسام حاد يبدو أن كل الحلول والاتفاقيات المتوفرة لن تكون قادرة على تجاوز آثاره نحو إعادة بناء المؤسسة الفلسطينية والقرار على أسس وطنية جامعة، وثمة ضعف في اعتماد أشكال نضالية فاعلة، تطرح القضية الفلسطينية بمختلف أبعادها على جدول أعمال المواطن العربي في مصر أو في غيرها.
وإذا كان هناك من يرى أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، أكانت مقاومة الحصار أو مقاومة العدوان المتكرر، تفعل الشيء المطلوب، فإن التجربة الماضية أكدت أن هذه المقاومة تأتي من موقع ردة الفعل، وأنها تؤدي إلى التركيز على عنوان قطاع غزة، بدلا من التركيز على الوطنية وعلى الملفات الأكثر خطورة التي يشهدها الصراع على الضفة والقدس، وأنها رغم كل ذلك تؤدي إلى ردود فعل شعبية محدودة، وظرفية، تؤكد المؤكد فيما يتصل بالعداء الشعبي لإسرائيل دون أن تتمتع بالمأسسة أو التواصل، أو أن تصل إلى إرغام النظام العربي الرسمي على اتخاذ سياسات فاعلة في ردع الاحتلال.
حتى يعاد بناء الوعي الشعبي المصري خصوصا والعربي، والوعي الشعبي الفلسطيني إزاء مكانة القضية الفلسطينية، وقضايا الصراع العربي الفلسطيني عموما، فإن الأمر مرهون بالطرفين، إذ يترتب على الفلسطينيين أن يتجاوزوا انقسامهم وضعفهم وترددهم، فيما يترتب على القوى الوطنية والقومية والديمقراطية المصرية، أن تضع على جدول اهتمامها القضية الفلسطينية والمشروع القومي العربي، ونحو تجديد دور مصر كقائدة لهذا المشروع باعتبار أنه المشروع الأكثر جدوى حتى إزاء حسم التناقض الداخلي فيما يتعلق بطبيعة وهوية النظام السياسي ومستقبله، وفيما يتعلق بوحدة مصر، فالوعي الشعبي لا يتشكل بعيدا عن تأثير القوى السياسية، والمؤسسات الشعبية والمجتمعية، وطبيعة النظام السياسي.
سأل أحد البسطاء عما تقوم به إيران، فقال حاولت أن تدخل بقوة إلى المنطقة من بوابة القضية الفلسطينية، ولكنها فوجئت بأن هذه القضية ما عادت تحظى بالحد الأدنى من اهتمام شعوبها.

* كاتب فلسطيني يقيم في غزة