| 

عاش الفلسطينيون في إسرائيل بُعيد النكبة في قطيعة مع المحيط العربي والشعب الفلسطيني. قطعت النكبة الصيرورة المدنية التي كانت في فلسطين في الحواضر الفلسطينية، وكان المجتمع الفلسطيني الذي بقي داخل الخط الأخضر هامش هذه الحواضر، مجتمعاً قروياً وريفياً يفتقر إلى نخب مدينية حقيقة، وبقيت بقايا نخب سياسية وثقافية مقطوعة عن محيطها الثقافي والسياسي داخل فلسطين من جهة، وعن محيطها العربي الواسع من جهة أخرى. فعلى سبيل المثال، كان التعليم العالي والأكاديمي الفلسطيني، تعليماً عربياً بامتياز، فالانتداب البريطاني على فلسطين لم يسمح بإقامة مؤسسات جامعية فلسطينية، واكتفى بتشييد وإقامة كليات دون أكاديمية لسد حاجات السلك التعليمي الفلسطيني، بينما كانت النخبة الأكاديمية الفلسطينية تكتسب ثقافتها وعلمها ومعرفتها في الجامعات العربية في القاهرة وبيروت. والتعليم العالي هو مثال حاد على الترابط الذي كان بين فلسطين وأهلها والمحيط العربي.
قطعت النكبة هذا التواصل مع العالم العربي، وبقي الفلسطينيون داخل الخط الأخضر وفرضت عليهم «المواطنة» الإسرائيلية، لم يُسأل الفلسطيني عن موقفه من هذه «المواطنة»، ولكن كانت هذه «المواطنة» ضماناً لبقاء الفلسطيني في أرضه، خصوصاً بعد سن قانون الجنسية الإسرائيلي الذي حاول أن يمنع حق العودة قانونياً، ومن ثم قامت القوات الإسرائيلية بمنعها عنوة عبر قتل آلاف الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى فلسطين بعد وقف إطلاق النار وقتلتهم القوات الإسرائيلية كعقاب رادع للآخرين.
فرضت إسرائيل حكماً عسكرياً على «مواطنيها» الفلسطينيين الـ 156 ألفاً الذين بقوا داخل الخط الأخضر، ربعهم من مهجري الداخل، ومعنى ذلك أن إسرائيل فرضت على مهجري الداخل قطيعة مزدوجة، مع المحيط الفلسطيني - العربي ومع قراهم التي هجّروا منها ومنعوا من العودة إليها رغم أنها كانت على مرمى منهم. فالحكم العسكري قيّد حركة الفلسطينيين وحرمهم الكثير من حقوقهم السياسية والمدنية. على كل حال، ساهم الحكم العسكري بتعزيز القطيعة مع المحيط الفلسطيني والعربي، إلا أن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر حافظوا على هويتهم بفعل عاملين مركزيين، الأول، الإقصاء الإسرائيلي - اليهودي لهم ومعارضة المشروع الصهيوني وشملهم في عملية بناء الأمة والدولة، وهذا جعل العرب يعيشون في انقطاع أيضا عن المجتمع اليهودي إلا في سوق العمل، فعامل الإقصاء الصهيوني جعل العرب يحافظون على درجة معينة من الانتماء العروبي، أما العامل الثاني فكان العامل العربي القومي الخارجي، فرغم القطيعة التي عاشها العرب فإنهم استطاعوا التواصل مع محيطهم العربي عبر أدوات اتصال مختلفة، وأهمها المذياع، حيث شدتهم خطب الرئيس جمال عبد الناصر. ونسمع من روايات شفوية عن حالة الاستنفار التي كانت تصيب القرى العربية عند علمهم أن الرئيس عبد الناصر ينوي إلقاء خطاب سياسي. والمفارقة أن هذا الشعور العروبي الداخلي، كان مقموعاً بصورة مزدوجة أيضا، مقموعا من السلطة الإسرائيلية وذراعيها الحكم العسكري وجهاز الأمن الداخلي، ولكنه كان مقموعا في الوعي الذاتي أيضا، وبقرار عقلاني، من الفلسطينيين أنفسهم، الذي رأوا في بقائهم في الوطن ماهية وجودهم في الدولة اليهودية، لهذا كانت تصوّت غالبيتهم لقوائم عربية مرتبطة بالأحزاب الصهيونية ليس تماهيا سياسيا وأيديولوجيا مع الدولة والمشروع الصهيوني، بل كجزء من القرار العقلاني بالبقاء.

التواصل الصعب

حاولت نخب فلسطينية التواصل مع المحيط العربي والفلسطيني، خصوصا النخب القومية والطلبة الجامعيين العرب، ونسمع الكثير من الروايات عن محاولات عبور عبر الحدود الجغرافية والذهنية للتواصل مع العالم العربي، ولكن كانت رؤية هذا المحيط متشككة في مجملها بالمجتمع الفلسطيني الباقي في وطنه وصاحب «المواطنة» الإسرائيلية. تمّ النظر إليهم على أنهم قبلوا البقاء في دولة العدو، وذلك في خضم الصراع بين الحركة القومية العربية والحركة الوطنية الفلسطينية وبين إسرائيل والصهيونية، وكانت ممارسات العرب السياسية تشجع هذه الرؤية عن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وفي الوقت نفسه لم يتمكن المحيط العربي والفلسطيني الولوج إلى هذا المجتمع بفعل الحدود السياسية والجغرافية وبفعل الحدود الأيديولوجية الرافضة وبحق للتطبيع مع الدولة اليهودية حتى لو كان الهدف هو الانكشاف ومعرفة أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل.
حاولت في المقابل بعض النخب الفلسطينية تحديداً، كشف المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر للمحيط العربي الفلسطيني، ونذكر في هذا السياق كتاب الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني «الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968»، الذي صدر العام 1968، وفيه تحدث غسان كنفاني عن الأدب الفلسطيني داخل الخط الأخضر، وكتب فيه أيضا عن جهاز التعليم العربي والحركة الطالبية العربية وواقع المثقفين والثقافة العربية تحت ظروف القمع والإقصاء والتشويه الثقافي. ونذكر أيضاً كتاب صبري جريس «العرب في إسرائيل» الصادر العام 1966، وصدر أيضاً عن جامعة الدول العربية، وكتب للكثير من المثقفين الفلسطينيين الذين تركوا البلاد مثل حبيب قهوجي ومحمود درويش، والدور الذي لعبه الأدباء العرب داخل الخط الأخضر.
على الرغم من هذا الجهد الذي بُذل داخل الخط الأخضر وخارجه، بقي الفلسطينيون في الداخل مجتمعاً مشكوكاً في هويته من جانب المحيط العربي، وحتى من جانب الحركة الوطنية الفلسطينية، والتي في خضم صراعها مع إسرائيل، اعتبرت أن الفلسطينيين في الداخل حتى منتصف السبعينيات طرفاً غير قائم في خطابها وأجندتها السياسية. ساهمت أحداث عدة في بداية تغيير نظرة المحيط الفلسطيني والعربي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، أولها وعلى رأسها، الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة في حزيران 1967، إذ أدى هذا الحدث إلى الكشف الجغرافي والمادي المركزي منذ نكبة فلسطين، وعزز هذا الانكشاف إلغاء الحكم العسكري العام 1966، لم يكن الانكشاف واللقاء في بداية الأمر سهلاً على المجموعتين الفلسطينيتين، بل ساده الكثير من الشكوك من الفلسطينيين الذين لم يستوعبوا الإطار المواطني الإسرائيلي الذي يعيش في ظله فلسطينيون هجرت قراهم وعائلاتهم إلى الشتات أو هجروا من قراهم وبقوا في الوطن تحت السيادة الإسرائيلية، كما أن «المواطنة» الإسرائيلية أثّرت على السلوك السياسي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، فقد رفضوا الكفاح المسلح والمقاومة العنيفة كأداة من أدوات نضالهم، والتي بقيت حتى منتصف السبعينيات أدوات مقاومة سياسية وأدبية هادئة نسبياً، مع الكثير من الخضوع لسياسات الدولة اليهودية، خصوصاً في قضايا مصادرة الأراضي، والإقصاء السياسي، والتهميش الثقافي.
ساهمت الحركة الطالبية العربية في الجامعات الإسرائيلية في تخفيف حدة التوتر بين المجموعتين. شكلت الحركة الطالبية العربية، حركة سياسية نضالية ارتقت بخطابها السياسي الوطني بمدى يتجاوز الخطاب السياسي السائد في المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، فقد سجلت هذه الحركة نضالات سياسية ووطنية كبيرة في عقر الحداثة الإسرائيلية، وهي الجامعة. وتواصلت مع جامعات الضفة الغربية وحركاتها الطالبية الفلسطينية، وبدأت غيوم الشك تنقشع لتشرق أنوار الثقة بين المجموعتين، وقد ولّدت هذه الثقة حركتين سياسيتين كانتا نتاج هذا اللقاء بين المجموعتين، حركة أبناء البلد والحركة الإسلامية. وبدأت الحركة الطالبية العربية في الجامعات الإسرائيلية تتواصل مع نظيراتها في الجامعات الفلسطينية وتشاركها نضالاتها وتتواصل مع هموم المجتمع الفلسطيني، خصوصاً المقدسي. صعدت الحركة الطالبية نشاطاتها خلال السبعينيات، والتي دفع فيها الطلبة العرب ثمنا باهظا من اعتقالات واقامات جبرية وطرد من الجامعة وتحقيقات متواصلة. وساهمت الحركة الطالبية في تعميق الثقة والتفهم والفهم للواقع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، ولفهم سياق «المواطنة» الإسرائيلية، ولكن بقي ذلك حكرا على الحركات الطالبية الفلسطينية.

الاهتمام الجديد

جاء يوم الأرض في آذار 1976، ليسجل تطورا جديدا في علاقة المحيط العربي والفلسطيني مع الفلسطينيين داخل إسرائيل. كان يوم الأرض يوما تاريخيا لسببين، في سياق الموضوع الحالي. الأول، انه يعتبر أول إضراب واحتجاج شعبي يجسد وعي الفلسطينيين في الداخل بهويتهم الوطنية الجماعية، فتصرفوا كشعب يخرج ضد سياسات الدولة في قضية تجمع المدني والقومي، وهي الأرض. أما السبب الثاني، فهو أن مناسبة يوم الأرض وما رافقها من احتجاجات عنيفة، وإضراب شامل عمّ كل القرى والمدن الفلسطينية في الداخل، والشهداء الذين سقطوا، شكّلت يوما فلسطينيا يحييه كل الفلسطينيين في الوطن والشتات، وهو يوم قدمه الفلسطينيون داخل الخط الأخضر للذاكرة التاريخية الفلسطينية. ولأول مرة يحيي الفلسطينيون في العالم والعالم العربي أيضاً، يوماً قدمه المجتمع الفلسطيني الذي يناضل في إطار «المواطنة» الإسرائيلية ومن خلالها.
بدأ هنالك اهتمام عربي فلسطيني بالمجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر بعد يوم الأرض، ولكن تم اختزال هذه النظرة عند بعض الرؤى، بالذهاب بعيدا في التعامل مع مواطنة الفلسطينيين الإسرائيلية، حيث اعتبرت هذه الرؤى أن الفلسطينيين داخل إسرائيل هم جزء من قوى اليسار الصهيوني، وأن مهمتهم السياسية هي دعم هذا اليسار أمام اليمين في الجولات الانتخابية! جاء هذا التصور في أعقاب صعود اليمين إلى الحكم بعد يوم الأرض، في العام 1977. ومنذ ذلك الحين نشهد «نداءات» و«توجيهات» للفلسطينيين داخل إسرائيل للتصويت لليسار الصهيوني، خصوصا في التسعينيات، وكان آخر نداء البيان الذي أصدرته جامعة الدول العربية مؤخراً ودعت فيه الفلسطينيين داخل إسرائيل إلى الخروج للتصويت، وذلك على الرغم من أن مسألة المشاركة والتصويت في انتخابات الكنيست هي محل نقاش وحتى خلاف داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. ونجد المفارقة أنه في الحركة الوطنية الفلسطينية والعالم العربي لم يُفهم السياق الإسرائيلي (المواطنة) التي فرضت على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر في بداية الأمر وتم التشكيك في هويتهم وانتمائهم، ونجد أن جامعة الدول العربية وبعض القيادات الفلسطينية تفهم المواطنة بصورة لا يريد الفلسطيني داخل إسرائيل أن يفهمها هكذا، فهو ليس مخزوناً للأصوات لليسار الإسرائيلي كما كان في الماضي، خصوصا أن حركات وطنية عربية تشارك في الانتخابات وتحصل على غالبية الأصوات العربية منذ منتصف التسعينيات. ونذكر في هذا الخصوص التجمع الوطني الديموقراطي الذي أسسه الدكتور عزمي بشارة، والذي ساهم كثيراً في كشف المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر للعالم العربي، من خلال إنتاجه الفكري وحضوره السياسي.
وهذا الأمر يقودنا إلى التحول السياسي الذي ظهر في المجتمع الفلسطيني منذ منتصف التسعينيات، وهي المحاولات للتواصل مع المحيط العربي والإسلامي بمبادرة ومثابرة من المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، وقد ساهمت عوامل كثيرة في ذلك، منها عوامل إقليمية ودولية، ولكن أيضا عبر تعزيز رؤية الانتماء إلى المحيط العربي والإسلامي من خلال ممارستها وليس وعيها فقط. فقد بدأت حركات سياسية مثل التجمع الوطني الديموقراطي والحركة الإسلامية بقيادة الشيخ رائد صلاح بتعزيز تواصلها مع المحيط العربي والإسلامي، وقد ساهمت الحركة الإسلامية من خلال رفعها لشعار «الأقصى في خطر» في كشف الفلسطينيين داخل الخط الأخضر للمحيط العربي. وأدّت الملاحقات التي تعرض لها الدكتور عزمي بشارة والشيخ صلاح إلى زيادة احترام النخب العربية والفلسطينية للمجتمع الفلسطيني وتعميق أواصر العلاقة معه بواسطة أطر كثيرة، أكاديمية، سياسية وأهلية وغيرها.
لا بد من القول إنه على الرغم من الانفراج في العلاقة بين الطرفين، لا تزال هنالك قواعد اجتماعية كبيرة وكثيرة في العالم العربي، ليس فقط لا تفهم واقع الفلسطينيين داخل الخط الأخضر فحسب، وإنما لا تعرف بوجودهم أصلاً، وإذا عرفت، فيصعب عليها فهم الواقع المركب الذين يعيشونه في إطار «المواطنة» الإسرائيلية، وهذا يحتاج إلى جهود كبيرة، خصوصاً من النخب العربية.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا، باحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ـ مدار.