| 

هل ما تزال فلسطين قضية مركزية في العالم العربي؟ سؤال طرح في مراحل مختلفة وبقي التناقض قائماً بين المعلن، وهو التزام النظام العربي مركزية القضية، وبين المسكوت عنه، وهو إدارة الظهر لمتطلبات الالتزام ومقوماته. ما حدث في أثناء طرح عضوية فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة وبعدها يلخص الموقف الرسمي. فقد انضم العديد من الدول العربية إلى حملة الضغط الأميركية لثني القيادة الفلسطينية عن طرح مشروع القرار على مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة. وبفعل الضغط الأميركي، تقاطع العديد من الدول العربية مع حملة العقوبات التي فرضت على السلطة الفلسطينية بعد حصول فلسطين على عضوية الدولة بصفة مراقب، كما لم تلتزم الدول العربية عموماً بقرار قمة بغداد الذي نص على تأمين شبكة مالية قيمتها 100 مليون دولار تدفع شهرياً لمواجهة القرصنة الإسرائيلية المترتبة على حجز أموال الضرائب العائدة للسلطة الفلسطينية.
الثورات والانتفاضات العربية لم تطرح في شعاراتها وأهدافها وتوجهاتها حلاً للمسألة الفلسطينية أو دعماً لنضال الشعب الفلسطيني يتجاوز عجز النظام العربي السابق. هذا الموقف أزال مخاوف دولة الاحتلال الإسرائيلي التي كانت تخشى إعادة ربط الاتفاقات المبرمة معها بإنهاء الاحتلال للأراضي الفلسطينية والالتزام بقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي. غير أن ما حدث هو العكس حين التزمت «دولة الإخوان المسلمين» في مصر باتفاقية كامب ديفيد وبالعلاقة التبعية مع الولايات المتحدة، خلافاً لمواقفها السابقة التي رفضت كامب ديفيد وحرمته على المستويين الشرعي والوطني، ووعدت بإسقاط الاتفاق، ثم تراجعت عن الإسقاط بإجراء استفتاء شعبي حوله، ولم يمض وقت طويل قبل أن تتراجع «دولة الإخوان» عن الاستفتاء وتجدد الالتزام بكامب ديفيد وبعلاقات التبعية.

صعود «المركزية» وهبوطها

مركزية القضية الفلسطينية تعود للناصرية والأنظمة القومية والأحزاب القومية التي ربطت معاركها ضد الاستعمار والامبريالية بالموقف الرافض لإسرائيل كحليف وأداة للاستعمار، حين ذاك جرى التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية مركزية. لم تكن فلسطين خياراً تضامنياً وأخلاقياً حدث بفعل الروابط القومية فقط، بل جاء جراء اصطدام مهمة التحرر الوطني العربي بالدور الإسرائيلي الاستعماري المعادي والمعرقل لهذه العملية. ذلك الدور الذي بلغ ذروته بعدوان 1967 وهزيمة الأنظمة القومية وإقرارها بوجود إسرائيل ضمن حدود آمنة ومعترف بها وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 242. الهزيمة العسكرية فرضت تراجعاً سياسياً بدلاً من مركزية فلسطين بإزالة آثار عدوان 1967، واستعاضت عن تحرير الجيوش العربية لفلسطين بدعم الثورة والمقاومة الفلسطينية.
جاءت اتفاقية كامب ديفيد المصرية الإسرائيلية عام 1978 لتخرج مصر من دائرة الصراع العربي - الإسرائيلي ولتشطب مركزية القضية الفلسطينية، بل وتطلق يد إسرائيل لتستبيح الأرض والحقوق الفلسطينية عبر موجات كبيرة من نهب الأرض واستيطانها وضمها. وقد انطلقت دولة الاحتلال من ادّعاء يقول: إن إسرائيل طبقت قرار مجلس الأمن 242 بالانسحاب من أراض احتلت عام 67، الأمر الذي يسمح لها بالسطو على ما تبقى من الأراضي، وهذا ما حدث بالفعل. ففي عام 1980، عززت إسرائيل قرار ضم القدس السابق الذي اتخذ عام 1967 من خلال إصدار ما سمي بـ«قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل»، والذي صادقت عليه «الكنيست». وفي عام 1981، اتخذت «الكنيست» قراراً بشأن «فرض القانون والقضاء والإدارة الإسرائيلية على هضبة الجولان»، أي ضم هضبة الجولان السورية المحتلة لإسرائيل.
تواصل انفكاك النظام العربي عن القضية المركزية، بإعلان العراق الحرب على إيران بعد نجاح الثورة الإسلامية في إسقاط نظام الشاه. تلك الحرب التي استمرت 8 سنوات شكلت استقطاباً للنظام العربي الرسمي وزجت بموارده وإمكاناته في صراع إقليمي خارج القضية المركزية وعلى حسابها. وبلغ انفضاض النظام العربي عن القضية الفلسطينية ذروته بعد غزو النظام العراقي للكويت في العام 90، وساهم الموقف الرسمي الفلسطيني «شبه المنحاز» للرئيس العراقي صدام حسين في وقف دعم الدول الخليجية لمنظمة التحرير. أما مشاركة الدول العربية في التحالف الدولي لتحرير الكويت، فقد بعثرت ما تبقى من تضامن عربي حول القضية المركزية. وبدأت الثمار المرة لتغليب المصالح الفئوية والقطرية على المصالح المشتركة تأتي أُكلها. فقد فرضت الولايات المتحدة وإسرائيل مؤتمر مدريد وصيغة المفاوضات الثنائية التي استفردت إسرائيل عبرها بكل طرف عربي على حدة بما ينسجم مع المصلحة الإسرائيلية والاختلال الفادح في موازين القوى. وكان هذا يعني ترسيم فصل القضية الفلسطينية عن القضايا العربية، والتعامل مع كل قضية عربية على انفراد وكأنه لا يربطها أي رابط مع قضايا عربية أخرى. ثم جاء ابرام اتفاق أوسلو ليُّرسم انفصال القضية الفلسطينية عن الوضع العربي الرسمي، وقيام حوالي 12 بلداً عربياً بإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية معلنة وغير معلنة مع إسرائيل.
هكذا، استفردت إسرائيل بالقضية الفلسطينية، واحتكرت الولايات المتحدة الوساطة، وروج الطرفان إدّعاء حل الصراع، ومضيا يقطفان ثمار ذلك الادّعاء، في الوقت الذي كان يتم فيه تعميق الاحتلال وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية على الأرض، عبر الاستيطان وإنشاء شبكة طرق التفافية وجدار فصل عنصري وخنق اقتصادي، ومن خلال استباحة الحقوق المعترف بها دولياً للشعب الفلسطيني. لقد كانت النتيجة مأساوية، ليس أقلها عزل الشعب الفلسطيني عربياً ودولياً وفقدانه شبكة التحالفات المهمة، وتفكيك وحدته بين داخل وخارج وضفة وقطاع ومناطق 48.

أسباب التراجع ومظاهره

أولا ـ غياب الديموقراطية: كان يفترض أن يكون من أهم مقومات صمود الأنظمة الوطنية العربية أمام الضغوط الاستعمارية واحتمالات العدوان الاسرائيلي، الاستقواء بشعوبها من خلال توسيع وتنظيم إشراكها في الإنتاج وفي مؤسسات الدولة وفي البناء والدفاع عن الوطن. والشراكة بالطبع غير ممكنة في غياب الديموقراطية. خلافاً لذلك، أغلقت الأنظمة الوطنية كل الأبواب أمام الديموقراطية. واستعاضت عن ذلك بتحالفات ذات طبيعة تكتيكية مع الاتحاد السوفياتي سابقاً، وروسيا لاحقاً. واستخدمت تأييدها للقضية الفلسطينية وللمقاومة والثورة كبديل للخيار الديموقراطي، وللتغطية على قمع الحريات. وبهذا المعنى عطلت الديموقراطية واستبعد كل التزام بها، وقوضت بذلك أهم مقومات الصمود والرد على العدوان.
ثانياً ـ تبديل التحالفات الداخلية والانفتاح على الغرب: فبعد هزيمة حزيران 1967 أعادت الأنظمة الوطنية الانفتاح على شرائح من التجار والمقاولين والكمبرادور (الوكلاء) وتراجعت عن الإجراءات ضد كبار الملاك والشركات التابعة للغرب. وخارجياً تصالحت مع الأنظمة العربية المتحالفة تاريخياً مع الغرب والتزمت بسياسة الانفتاح الاقتصادي، وكل ذلك أدى الى تحولات رجعية مهدت الطريق أمام إبرام صفقات مع الولايات المتحدة والغرب وصولا للاتفاق مع إسرائيل (النموذج المصري) والخضوع لعلاقات تبعية سياسية واقتصادية.
ثالثاً ـ حرص العديد من الأنظمة العربية على استخدام القضية الفلسطينية كورقة ضغط في الخلافات الداخلية العربية، وورقة ضغط ضد إسرائيل وأميركا لتحسين شروطها التفاوضية. وكان الاستخدام يرتبط بمستوى تدخلها في الشأن الفلسطيني وبمستوى نفوذها داخل الفصائل. كما بقي الاستخدام التكتيكي دون مستوى الالتزام المعلن بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية للأنظمة العربية مجتمعة ومنفردة.
رابعاً ـ وضع أولويات نابعة من مصالح خاصة بكل نظام عربي أو بمجموعة من الأنظمة العربية؛ أولويات غالباً ما تكون متنافرة مع مصالح الشعوب العربية بشكل عام، ومع القضية الفلسطينية بشكل خاص. ومن نماذج ذلك تقديم خطر الثورة الإيرانية بالنسبة لمجموعة دول الخليج، الحرب في أفغانستان ضد السوفيات، التدخل السوري في لبنان، غزو الكويت، احتلال العراق.. والآن تقديم خطر السلاح النووي الإيراني على الخطر الإسرائيلي.
خامساً ـ التفكك والانقسام الفلسطيني أدى ويؤدي إلى إضعاف الاستقطاب العربي، وإلى تبرير الموقف العربي اللا مبالي تجاه القضية الفلسطينية.
سادساً ـ عدم تنظيم ضغط وفرض عقوبات على إسرائيل كدولة محتلة، وعدم اللجوء الى سلاح الضغط على المصالح الأميركية والغربية من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية عموماً. خلافاً لذلك، تبقى أضخم ترسانة للامتيازات والمصالح الحيوية بلا ثمن، إلا من ثمن بقاء الأنظمة، إذ يبقى النفط ومستوى إنتاجه ورؤوس الأموال العربية الضخمة في البنوك والمصارف الأميركية والغربية، والقواعد العسكرية، والأسواق الحرة المفتوحة، ومشتريات السلاح؛ يبقى كل هذا بلا ثمن.

هل التصويب ممكن؟

إن جوهر الثورات العربية التي بدأت ولم تنته بعد هو: إنهاء علاقات التبعية السياسية والاقتصادية والأمنية للمركز الامبريالي، تلك التبعية التي شاركت في صنعتها الأنظمة العربية المستهدفة بالثورات. ولا يمكن أن يظفر أي شعب يحريته وكرامته بمعزل عن تفكيك تلك العلاقات المسؤولة عن الإفقار والتخلف والاستبداد والجوع. إن كل من يجدد علاقات التبعية ولا يعمل على هدمها يتحول إلى ثورة مضادة. ما يحدث في مصر وتونس واليمن وسوريا والبحرين ودول الربيع العربي هو صراع بين ثورة تسعى إلى الخلاص من علاقات التبعية وثورة مضادة تحاول سرقة الثورة وتعمل بكل ما أوتيت من قوة لتجديد علاقات التبعية.
عندما يتحرر الشعب المصري من قيود كامب ديفيد الثقيلة، ومن تبعية مصر الاقتصادية والأمنية، لن يبقى الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية على حاله، ولن تبقى إسرائيل حرة في تعميق الاحتلال وتهويد مدينة القدس ووضع الشعب الفلسطيني في «بانتوستونات» فصل عنصري. حرية مصر تستدعي أن لا يبقى كامب ديفيد على حاله، وحرية الشعوب العربية تستدعي الاعتراض على الاستباحة المجانية والنهب المجاني بلا حدود. فبقاء إسرائيل مطلقة السيطرة، وبقاء المصالح الأميركية مطلقة الوجود، يتناقضان مع حرية الشعوب العربية.
لقد بدأ الاشتباك بين المصالح المتنافرة، وهي معادلة صعبة، وتحققها بطيء وتدريجي، لكنها غير مستحيلة عندما يكون طرف المواجهة الشعوب التي حطمت جدار الخوف. ولا يغير من هذه الحقيقة دور الإسلام السياسي الذي يحاول قطع الطريق على صيرورة الثورة بدعم وتيسير أميركي. إن حل القضية الفلسطينية يرتبط بحرية الشعوب العربية وبقوى التحرر العالمي التي دمجت مهمة دعم نضال الشعب الفلسطيني والانتصار لقضيته بالنضال ضد العولمة المتوحشة ونهبها وحروبها التدميرية. ستعود القضية الفلسطينية قضية للشعوب العربية، وفي مركز اهتمامها، وقضية لشعوب العالم. وعند ذلك، سيجد الشعب الفلسطيني حريته الحقيقية.

* كاتب صحافي مقيم في رام الله.