| 

أحدثت الثورات العربية (أو ما اصطُلح على تسميته بــ«الربيع العربي») تحولات كثيرة في واقع البلاد العربية، وسرعان ما تحولت إلى مصدر سعادة في أوساط عدد من الشعوب العربية وأملاً بأن الخلاص من الاستبداد لا بد آتٍ. وبالنسبة إلى إسرائيل شكلت مصدر قلق شديدا لكون هذه الثورات والتحولات الحاصلة وتلك القادمة لا تصب في المشروع الصهيوني. في حين أن الدول الغربية وغيرها بدأت تتحرك لتستفيد من التغييرات الحاصلة حفاظا على مصالحها في المنطقة.
ولفهم طبيعة هذه المتغيرات وعمقها، علينا التعريج قليلاً على ما يجري في البلاد العربية. فلا شك في أن ما يجري في البلاد العربية التي تمكنت الثورات من تغيير أنظمة الحكم فيها، من السير نحو بناء دولة ديموقراطية متعددة، يسعى الإسلاميون فيها لأن تكون الشريعة الإسلامية حاضرة مقابل تيارات علمانية تعارض هذا السعي (كما هو في الحالة المصرية). ومن الملاحظ أيضًا، أن المشاركة الشعبية العامة في صنع القرار وتوجيهه باتت مسألة واقعية بارتفاع نسبة حضورها وتفاعلها. هذا يعني إعادة تأهيل البلاد العربية لتكون قوة مؤثرة وضاغطة وفاعلة في رسم سياسات جديدة، ونفض التبعية لأنظمة وكيلة في المنطقة للمشروع الصهيواميركي ـ والغربي.

الحركات الإسلامية والقضية الفلسطينية

التحدي الذي يقف أمام الإخوان المسلمين في مصر مثلاً، هو مسألة الموازنة بين الواقع السياسي الذي تسلموه وبين الثوابت العقدية الخاصة بها، ومن بينها رؤيتها لحل القضية الفلسطينية. وهذا ما نلاحظه في مصر فور فوز التيارات الإسلامية بالانتخابات البرلمانية ثم بالرئاسة، حيث تعاملوا مع الواقع كما هو (الإبقاء على كامب ديقيد مثلاً)، ورسائل الطمأنة لإسرائيل... معنى ذلك أن هناك هدنة طويلة ريثما تستقر الأحوال في الداخل المصري بهذه الحالة، عندها تعاد صياغة علاقة جديدة في المنطقة. وهذا معناه أن من يجلس على كرسي الحكم يختلف عن الحالة التي يكون فيها في المعارضة. هذا ما هو حاصل للإخوان في مصر.
وبناء على النموذج المصري، يمكننا قراءة الثورات بما له علاقة بالقضية الفلسطينية من منظورين: الأول وهو القريب، أي الواقع بموروثه التراكمي. والثاني البعيد، وهو تحليل هذا الواقع وبناء استراتيجية مستقبلية وإسقاطات المرحلة الراهنة عليها.
ومما لا شك فيه لدينا أن الثورات العربية بتراكم أسبابها ودوافعها تاريخيًا ناتجة في أساسها من الصراع مع المشروع الصهيوني. ولقد كوّن هذا المشروع أدوات له في المنطقة العربية سعت ولا تزال إلى قمع المشروع العربي الوحدوي المناهض للمشروع الصهيوني.
إننا نرى أن أولوية القضية الفلسطينية مسألة لا تتضارب بالمطلق مع مشاريع التنمية المنشودة في دول ما بعد الثورات، فالأمران يسيران معا؛ تنمية داخلية ومواجهة المشروع الصهيوني خارجيا. وهذا ما يصرح به قياديو الدول التي اجتازت مرحلة الثورة، وأيضا تلك القادمة أو في طريقها. إذاً، إحداث حراك سياسي وميداني نهضوي حقيقي للمقاومة المتجددة لتوفير الدعم للقضية الفلسطينية.
إن التيارات الثورية كلها، بما فيها الإسلامية، لم تدع القضية الفلسطينية جانبًا وتتنكر لها، لفهمها وقراءتها الخريطة السياسية جيدًا، إذ إنه لا يمكن التوصل إلى أي حالة مستقرة في المنطقة من دون حل للقضية الفلسطينية، أكان الحل مرحليًا أو غيره.

حالة الانقسام الفلسطيني وتعطيلها لعملية سياسية

أجمعت حكومات البلاد التي وقعت فيها ثورات على ضرورة إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي. حالة الانقسام هذه تعكس من دون أدنى شك حالة التشظي العربي، ولا بد من التخلص من الانقسام الفلسطيني لكونه نموذجا (في حال إنجازه) لإنهاء خلافات كثيرة عربية في أساسها، وبالتالي التفرغ للقضية الفلسطينية.
هنا، في هذه المسألة بالذات، فإن دور مصر في غاية الأهمية، علمًا أن مصر في عهد مبارك كانت تعمل من أجل حل الانقسام، على قاعدة إدارة هذا الانقسام من دون حله فعليا، في حين أن الحكومة المصرية الحالية تسعى إلى تطبيق اتفاق المصالحة بغية وضع حد لهذه الحالة، والخروج بالبيت الفلسطيني متماسكا بقوة بمكوناته الداخلية.
والسؤال هنا: لماذا التركيز على حالة الانقسام الفلسطيني؟ ترى الحركات الثورية في البلاد العربية أن هذه الحالة تُشكل عائقًا معرقلاً لكل خطوة داعمة للقضية الفلسطينية. وأجندة هذه الحركات: تحقيق المصالحة، ووضع حد للحصار على غزة، والتخلص لاحقًا من الاتفاقيات مع إسرائيل، وبالتالي دعم صمود الشعب الفلسطيني.
لهذا نلحظ أن الأولوية التي قدمتها الثورات العربية كانت للقضية الفلسطينية، بكونها «القضية الأم»، بالرغم من العواصف العاتية التي تضرب بعض البلاد العربية، وفي مقدمتها سوريا. بمعنى آخر، حتى الأزمة السورية التي تقلق الشعوب العربية وحكوماتها معاً، فإن في هذه الأزمة ما يرتبط عضويا بالقضية الفلسطينية. فحالة الاستنزاف التي تشهدها الساحة السورية منذ أكثر من سنتين على التوالي عبارة عن نقطة ضعف في مواجهة إسرائيل ومشروعها التوسعي الاستيطاني، فسوريا في الذهنية العربية دولة مقاومة وممانعة من الصف الأول وحاضنة على مدى عقود طويلة للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية. ومن هنا، ريثما تجد الأزمة السورية حلها يفترض أن تتم المصالحة الفلسطينية.

إعادة ترميم دول الطوق

إن إعادة ترميم دول الطوق وتشكيلها كقوة ممانعة ومقاومة في مواجهة المشروع الصهيوني والتعامل مع قوى عظمى إقليمية بهدف تحقيق هذه الغاية، وفي هذه الحالة إيران، من شأنه أن يعيد القضية الفلسطينية إلى الصدارة ويرفد الفلسطينيين قوة في التفاوض من أجل تحقيق مشروع إقامة دولة فلسطينية على أرض 1967. باتت الحاجة ملحة اليوم إلى تشكيل قيادة فلسطينية جديدة تضم الفصائل الفلسطينية، كلها أكانت تؤلف منظمة التحرير الفلسطينية أو تلك التي ليست عضوا فيها كحركة حماس.

إعادة تأليف المجلس الوطني والمنظمة

إن إعادة تأليف منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني في ظل الثورات العربية الداعمة من جهة، وفي ظل التعنت الإسرائيلي برفض أي شرط للعودة إلى طاولة المفاوضات، وفي المقدمة وقف الاستيطان، يمنح المفاوض الفلسطيني حيّزا أوسع للممارسة السياسية الضاغطة على إسرائيل، إذ ستتوفر لديه قوة مسانِدة وداعِمة في حال تحقيق ما ذكرناه أعلاه. وهذا حتمًا يُساعد الفلسطينيين في التصدي للحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو. ولن يكون هناك أي انطلاقة مثمرة ونافعة بالنسبة للفلسطينيين فيما إذا لم تتم إعادة هيكلة المنظمة بدخول «حماس» وتيارات إسلامية فلسطينية أخرى في عضويتها. الهيكلة الجديدة ستمنح الفلسطيني قوة في التفاوض وإدارة الصراع.

إنجازات الثورات العربية

إن الظروف السائدة في البلاد العربية والحالة الفلسطينية وفرت مساحة جيدة، بل ممتازة، لإسرائيل لتمضي قُدمًا في مشاريع تهويد القدس ومصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية وبناء آلاف الوحدات السكنية ضمن الهجمة الاستيطانية التي تقوم بها. لذلك، فإن الحضور الفلسطيني الموحد مدعومًا بقوة ونجاعة وفعالية من البلاد العربية، شعوبًا وحكومات، في أعقاب الثورات العربية، هو ضمانة قوية ومفيدة للغاية لتحريك عملية سياسية في القريب، وبالتالي مواجهة هذا المشروع الرهيب.
ويتزامن هذا الأمر مع متغيرات سياسية حصلت على الساحة الإسرائيلية، إذ أفرزت انتخابات الكنيست الأخيرة معطيات جديدة على الأرض، ومن بينها تقلُّص قدرة نتنياهو واليمين الإسرائيلي على فرض أجندته وحيدًا، فقد بات عليه التعاون مع أحزاب المركز. صحيح أن مسألة الصراع مع الفلسطينيين والعرب لم تكن حاضرة بقوة عشية الانتخابات، إلا أن نتائجها تحتم على حكومة إسرائيلية جديدة بقيادة نتنياهو فتح مسارات لإعادة تحريك العملية السياسية بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني.
من هذا المنطلق، فإن المتغيرات السياسية العربية بكل ما تحمله من مخزون إيجابي وسلبي إلى الآن تخلق منعطفًا قويًا في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، من حيث إعادتها إلى وجه الصراع العربي الإسرائيلي، وتضع القيادة الفلسطينية على المحك من حيث دفعها إلى المصالحة حالاً ودونما تأخير وتحقيق الوحدة وإعادة تأليف المجلس الوطني ومنظمة التحرير الفلسطينية، عندها تقف قيادة فلسطينية مدعومة أمام حكومة إسرائيلية متشكلة حديثًا لا يمكنها وضع الصراع جانبًا والتفرغ لأجندتها الداخلية فقط.

* باحث ومؤرخ من مدينة حيفا.