| 

تشير أغلبية الوثائق التي كُشف النقاب عنها من الأرشيف الصهيوني في الأعوام الأخيرة إلى أن عملية طرد السكان الفلسطينيين من اللد والرملة تمّت في أواسط تموز/ يوليو 1948، في أوج الحرب التي دارت آنذاك بين جيش الإنقاذ وقوات الجيش الإسرائيلي، وإلى أنها كانت «أكبر عملية طرد» في أثناء تلك الحرب. ولعل الأهم من ذلك أنها كانت - حتى بموجب تلك الوثائق - عملية طرد منظمة، ونُفذت بأوامر مباشرة من دافيد بن غوريون، وقد شهد على إصدار هذه الأوامر إسحاق رابين، الذي كان في حينه مسؤولاً عن تنفيذها، وعمل تحت إمرة يغئيل ألون. وبحسب ما يؤكد المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، فإن رابين أملى على الصحافي الإسرائيلي دوف غولدشتاين، الذي ألف له مذكراته «سجل الخدمة» الصادر سنة 1979، قطعة تتعلق بالأمر البن غوريوني الخاص بطرد سكان اللد والرملة، غير أن «اللجنة المسؤولة عن الرقابة على كتب كبار المسؤولين» ارتأت شطبها من الكتاب. وقد وردت على لسان رابين في تلك القطعة الوقائع التالية:
«في غمرة المعارك التي كانت محتدمة اعترتنا الحيرة بشأن مشكلة مزعجة لم يكن في مقدورنا الاعتماد في حلها على أي تجربة سابقة، وهي: مصير السكان المدنيين، نحو خمسين ألف نسمة، في الرملة واللد. ولم يكن لدى بن غوريون أيضاً جواب، وخلال البحث في مقر قيادة العملية آثر أن يلتزم جانب الصمت، جرياً على عادته في مثل هذه الوضعيات. وكان واضحاً بالنسبة إلينا أنه لا يجوز أن نبقي وراء ظهورنا جماهير اللد المعادية والمسلحة، وبذلك نهدد بالخطر محور تزويد كتيبة يفتاح التي كانت تتقدّم نحو الشرق. وقد خرجنا من المقرّ مع بن غوريون، وكرّر يغئال ألون السؤال: ماذا نفعل بالسكان؟ وعندها أشار بن غوريون بحركة من يده كانت تعني الطرد».
رابين وطرد سكان اللد والرملة
في سنة 2009 أصدر الباحث الإسرائيلي شاؤول فيبر كتاباً بعنوان «رابين - صعود زعيم»، لمح فيه إلى أن إيماءة اليد التي بدرت عن بن غوريون لاءمت رغبة كل من رابين وألون في تطهير اللد والرملة من سكانها الفلسطينيين، وذلك لاعتقادهما بأن قوافل المطرودين من شأنها أن تعيق تقدّم الجيوش العربية نحو منطقة الوسط. وبناء على ذلك بادر رابين، في 12 تموز/ يوليو 1948، إلى إصدار أمر الطرد الذي ظل محفوظاً في الأرشيف الرسمي، وقد جاء فيه: «يجب طرد السكان من اللد على وجه السرعة، من دون الحرص على التمييز بين أعمارهم. كما ينبغي توجيههم نحو بيت نبالا (شمالي القدس)... نفذوا فوراً. إسحاق ر.». واقترن تنفيذ أمر الطرد هذا بمجزرة اقترفها الجنود اليهود وسقط ضحيتها، بحسب المصادر الإسرائيلية، 250 فلسطينياً، بينما أكد المؤرخ الفلسطيني عارف العارف سقوط 400 قتيل بينهم 176 لقوا مصرعهم في أحد المساجد. وما زالت الرواية الإسرائيلية بشأن هذه المجزرة تعيد إنتاج التبرير الرسمي المعتمد لها، وفحواه أن مقترفيها تعرضوا لإطلاق النيران من طرف السكان، ما جعل «حياتهم في خطر». نال هذا التبرير تصديقاً ضمنياً حتى من «مؤرخ جديد» مثل موريس في كتابه «نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين 1947 - 1949» الصادر سنة 1991، والذي أورد ضمنه في وصف تلك المجزرة ما يلي:
«تعكّر صفو الهدوء الذي كان سائداً في اللد في الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم 12 تموز/ يوليو 1948، عندما دخلت مدرعتان أو ثلاث مدرعات تابعة للجيش العربي إلى المدينة، إما بسبب فقدان الطريق وإما لأغراض القيام بأعمال الدورية. وخلال تبادل إطلاق النار، الذي اندلع واستمر نصف ساعة، قتل على ما يبدو اثنان من جنود الكتيبة (الإسرائيلية) الثالثة وأصيب اثنا عشر جندياً آخر بجروح. وانسحبت المدرعات، غير أن جلبة المعركة القصيرة حفّزت أفراداً من سكان اللّد على قنص الجنود الإسرائيليين في المدينة. ويظهر أنهم اعتقدوا بأن الجيش العربي يشن هجوماً مضاداً فهبوا لمساعدته. وكانت هذه بمثابة مفاجأة غير سارة للجنود الإسرائيليين الـ 500 الذين كانوا في المدينة وانتشروا في جيوب شبه معزولة وسط عشرات الآلاف من السكان المعادين، الذين كان بينهم مسلحون. وشعر هؤلاء الجنود بأنهم مهددون بالخطر وعرضة للمس. وأثار هذا الهجوم حنقهم أضعافاً مضاعفة كونهم اعتقدوا بأن المدينة استسلمت. وعلى الفور أمر قائد الكتيبة الثالثة، موشيه كالمان، جنوده بقمع عمليات القنص - التي وصفت، فيما بعد، من طرف المؤرخين وكتاب الوقائع الرسمية الإسرائيلية بأنها «تمرد»- بكل ما أوتوا من قوة. وتلقى الجنود أوامر بأن «يطلقوا النيران على كل هدف واضح» أو، في موازاة ذلك، بأن «يطلقوا النيران على كل من يُشاهد في الشوارع». وأصيب بعض سكان المدينة، الذين كانوا محصورين ومحاصرين في بيوتهم بسبب حظر التجوال، بالهلع ربما لاعتقادهم بأنه يجري ارتكاب مجزرة كبرى. ولذا اندفعوا إلى الشوارع، وهناك تم حصدهم بنيران الجنود. وكان هناك أيضاً جنود أطلقوا النيران وألقوا قنابل يدوية داخل بيوت اشتبهوا بأن القناصين عملوا منها. وفي خضم هذه الفوضى العارمة قتل وجرح عشرات الموقوفين في المعتقلات القائمة بجوار المسجد والكنيسة في وسط المدينة، والذين كانوا عزلاً. ويجوز أن جزءاً من هؤلاء الموقوفين حاول الهرب، خوفاً من المجزرة أيضاً».
في الوقت ذاته، أشار موريس إلى أنه بالتزامن مع طرد سكان اللد والرملة، لم تحدث «عملية طرد منظمة» في منطقة الناصرة التي شهدت هي أيضاً في تلك الفترة معارك بين جيش الإنقاذ والجيش الإسرائيلي.
وادعى موريس أنه في ذلك الوقت جرى شنّ عملية «ديكل» العسكرية في منطقة الناصرة، وكانت الأوامر العسكرية خلالها تقضي بعدم طرد السكان الفلسطينيين، وحظيت بدعم من بن غوريون. وقد استنتج من ذلك أنه كانت هناك أوامر طرد في الوسط، في مقابل معارضة الطرد في الشمال، الأمر الذي يثبت برأيه «انعدام وجود سياسة واضحة فيما يتعلق بالطرد بين صفوف القوات العسكرية الإسرائيلية».
غير أن شاؤول فيبر يؤكد أن حجة «تعرّض الجنود اليهود إلى إطلاق النار من جانب السكان» غير كافية لتسويغ ارتكاب المجزرة في اللد، وأن أياً من المؤرخين في إسرائيل لم يكلف نفسه حتى الآن عناء تقصي وقائعها، والأهداف التي وقفت من وراء اقترافها.
تطرّق رابين نفسه إلى تلك المجزرة في قطعة أخرى من كتاب مذكراته المذكور آنفاً ذكر فيها أن سكان اللد رفضوا أن يغادروا المدينة، وجرى شطبها هي أيضاً، لكن فيما بعد أعيد نشرها في كتاب «مهمة غير مكتملة» الذي ألفه المؤرخ دافيد هوروفيتس. وأضاف رابين أنه «لم يكن هناك مناص من اللجوء إلى السلاح وإطلاق أعيرة تحذيرية من أجل إجبار السكان على الابتعاد مسافة 15- 20 كيلومتراً، حتى نقطة الالتقاء مع الجيش العربي. وقد شاهد سكان الرملة ما حدث (لسكان اللد) واستخلصوا العبرة، ووافق زعماؤهم على إخلاء المدينة طوعاً». وفيما يتعلق بسكان الرملة، أشار فيبر إلى أنه عثر في أرشيف رابين على وثيقة تدلّ على أن الادعاء بشأن موافقة زعمائهم على إخلاء المدينة طوعاً، هو ادعاء إشكالي.
تتضمّن هذه الوثيقة تعليمات أصدرها رابين إلى الجيش على أعتاب زيارة كان من المقرّر أن يقوم بها مندوبو الصليب الأحمر الدولي لمدينة الرملة، وكتب فيها أنه يتعين على الجيش «إخلاء جميع اللاجئين قبل تلك الزيارة». وأعرب فيبر عن اعتقاده بأن الأساليب التي جرى اللجوء إليها لتطهير الرملة من سكانها الفلسطينيين كانت إلى حد كبير شبيهة بالأساليب التي تمّ انتهاجها إزاء سكان اللد.
على ذكر طرد سكان اللد والرملة، نشير إلى أن الشاعر الإسرائيلي نتان ألترمان كتب في زاويته «عمود أسبوعي» التي كان ينشرها في صحيفة «دافار» قصيدة بعنوان «عن هذه» تطرّق فيها إلى مجزرة اللد، وظهرت في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر 1948، وجاء في مطلعها:
عَبَر المدينة المحتلة، فوق سيارة جيب،
فتى شجاع ومسلح... فتى ضرغام.
وفي الشارع المقموع
شيخ وامرأة
انضغطا أمامه نحو الجدار.
ابتسم الفتى من خلال أسنان الحليب:
«أجرّب الرشّاش»... وجرّب.
ما إن غطى الشيخ وجهه بيديه...
حتى كسا دمه الحائط.
رأى الناقد إسحاق لاؤور أن قصيدة «عن هذه» هي قصيدة احتجاج على «أعمال انتقامية»، لكنها في العمق تعبر عن عدم رغبة الشاعر في كتابة قصيدة معارضة في حمأة المعارك التي دارت في ذلك الوقت. ولفت إلى أن الواقع الذي استوحيت هذه القصيدة منه لا يتعلق بفتى واحد ولا بشيخ واحد، ذلك بأنه في ذلك اليوم ذبح في اللّد عشرات بني البشر من الوريد إلى الوريد، كما أطلقت النيران أيضاً على الرجال الموقوفين في باحة المسجد، وبعد ذلك «عرضوا» على الآخرين أن يغادروا المدينة من دون رجعة.