| 

يستحضر كريم مروة في كتابه الجديد: «فلسطين وقضية الحرية، في سير وإبداعات المثقفين الفلسطينيين» (الدار العربية للعلوم ـ ناشرون) سير كوكبة من مثقفي فلسطين الذين نشأت له مع عدد منهم، ابتداء من مطالع الخمسينيات، صداقات عميقة وحميمة هي موضع فخر واعتزاز له، ومصدر غنى لثقافته، ويعترف بأنه إذ يكتب اليوم عن بعضهم فإنما يمارس قراءة شخصية يستند فيها إلى تجربة طويلة وغنية في الحياة وفي العمل الثقافي والسياسي. وها هو كريم مروة يعرّف القارئ بمدى عمق علاقته بفلسطين وبتاريخية هذه العلاقة، وهي علاقة تكوّنت عنده منذ طفولته وشبابه، فغنيّ عن القول ان المؤلف جنوبي الولادة والنشأة وفلسطيني الهوى، فهو من حاريص، وقد عرف فلسطين في البدء من خلال أسماء مدنها مثل حيفا ويافا وعكا وصفد التي كان أبناء بلدته يذهبون إليها لشراء حاجياتهم، أو للعمل في مؤسساتها الاقتصادية، فلا عجب إن كانت خرجيته اليومية والأسبوعية تقدّم له بالعملة الفلسطينية وبالعملة اللبنانية في آن، ثم كانت علاقته المتنامية بالقضية الفلسطينية قومية عربية بالمعنى الرومانسي حتى 1948 حين اتخذ قرارا واعيا بالانحياز إلى الفكر الاشتراكي، فكان أول من قرأ من الأدبيات الماركسية «البيان الشيوعي» لماركس وأنجلز.
لكن كريم مروة لا يطيل على قارئه بتفصيلات حياته وتحولاتها، فغرضه واضح ومباشر: رموز الثقافة الفلسطينية الكبيرة، وأولها بندلي الجوزي (1871 ـ 1942) المولود في القدس والذي أمضى الجزء الأكبر من حياته في روسيا القيصرية ثم السوفياتية، إذ درس في القدس وكفتين قرب طرابلس ثم حصل على الدكتوراه في 1899 من جامعة قازان، فمكّنته معرفته بالعربية والروسية من وضع قاموس عربي - روسي وتدريس الأدب العربي في جامعة قازان. وفي بيروت في 1909 تعرّف إلى المستشرق كراتشوفسكي وأصدر في القدس في 1928 أهم كتبه «تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام».
عن علاقته بأبي سلمى أو عبد الكريم الكرمي (1909 ـ 1980) يروي مروة أنه تعرف إليه في بيروت في إثر قدومه إليها بعد حرب 1967، فيرى فيه في قراءته له اليوم أكثر من شاعر وأقل من سياسي، فيلح على أنه زيتونة فلسطين حقا كما اتفق على وصفه مثقفو فلسطين. وعن صديقه إميل توما (1919 ـ 1985) يروي مروة أن آخر مرة التقاه فيها كانت في سنة 1985 في بودابست حيث كان في المستشفى. ويوجز الكاتب سيرة توما الفكرية وانتمائه إلى الشيوعية وتحوله تدريجا في اتجاه الكتابة التاريخية إلى أن دخل في عالم المؤرخين من الباب الواسع في كتابه «جذور القضية الفلسطينية» و«تاريخ مسيرة الشعوب العربية الحديث».
أما إميل حبيبي (1921 ـ 1996) فيحتل مكانة واسعة في قلب مروة لصلاتهما الوثيقة، فهو الذي شارك في أوائل الأربعينيات في تأسيس الحزب الشيوعي الفلسطيني، وبدأ حياته في صيغة وأنهاها في صيغة أخرى مختلفة ومتمايزة عن الصيغة الأولى، فهو سياسي وأديب امتزجت حياته بمأساة شعبه واختار طريقه إلى مستقبل بلده في الحرية والاستقلال بالانتماء إلى الاشتراكية.
توفيق زياد (1929 ـ 1994) النصراوي المناضل وصاحب قصيدة:
إنا هنا باقون
نحرس ظلّ التين والزيتون
ونزرع الأفكار
كالخمير في العجين
فيكتب عنه مروة قائلاً: مثال التمرد على الظلم أينما كان. فرئيس بلدية الناصرة هذا الذي التقاه مروة في براغ في نهاية الثمانينيات مجدد في قصيده، ومحافظ ببراعة على الموسيقى، وكاتب قصة، وله أيضا «نصراوي في الساحة الحمراء» مازجاً فيه بين الطابع الفكري والميل الوجداني والبعد الأسطوري للحدث. وهو يتحدث عن تجربته في أثناء إقامته في موسكو للدراسة في المدرسة الأممية لكوادر الأحزاب الشيوعية، وهو الذي خلّد موطنه «حفر وتنزيل»:
لكي أذكر
سأبقى دائماً أحفر
جميع فصول مأساتي
وكل مراحل النكبة
من الحبة إلى القبة
على زيتونة في ساحة الدار
إلى كمال ناصر (1924 ـ 1973) الوافد من بيرزيت في فلسطين إلى الجامعة الأميركية في بيروت، والناطق باسم منظمة التحرير الفلسطينية، والساكن في مقبرة الشهداء في الحرج تحت شاهد يعرّف به «كمال بطرس ناصر»، المنتمي إلى حزب البعث، والموفق بين فكره القومي وفهمه الماركسي... التقاه مروة طوال إقامته هنا.
عن إحسان عباس (1920 ـ 2003) الذي زار حبيبي في 19٣6 في منزل أهله الكائن على طريق الكرمل في حيفا قريبا من المدرسة الثانوية في حيفا وكان القطار يقل الاثنين من حيفا إلى عكا ذهابا وإيابا حيث كانا ملتحقين بمدرسة عكا الثانوية. إلى معين بسيسو (1926 ـ 1984) الغزاوي القاهري البيروتي المسكوبي صاحب:
الآن تعرف أن منشوراً بحجم الكف
مكتوباً برمش العين في نابلس
أبقى من جرائدهم مطرزة بأسلاك الذهب
عن غسان كنفاني المولود في عكا والمتوفى في الحازمية والراقد إلى جانب كمال ناصر في مقبرة الشهداء، وكان مروة التقاه أول مرة في 1966 قبل تحوله عن القومية العربية إلى الماركسية اللينينية، وعلى الرغم من رحيله المبكر يجد مروة أن كنفاني حي في أدبه وسياسته.
إلى فدوى طوقان (1917 ـ 2003) شقيقة إبراهيم الشاعرة الفلسطينية التي رافقت درويش والقاسم وحبيبي ففجعت بنكبتين: 1948 و1967 وروت سيرتها وعن لقائها عبد الناصر ودراستها في القدس ولندن ورسائلها إلى الصحافي المصري أنور المعداوي.
عن إدوار سعيد (1935 ـ 2003) الذي قرأ مروة معظم من حبّره وكان التقاه أولاً في أميركا في 1978، فرأى فيه المثقف الفلسطيني اللبناني المصري الأميركي الكبير في قراءته له وفي التراث الغني الذي خلّفه وراءه.
إلى محمود درويش (1941 ـ 2008) شاعر فلسطين الأول على مدى أربعة عقود، فيرى فيه مروة عبر لقاءات في بيروت التي أحبها، خالدا في عمارة شعرية باسقة ورمزا حقيقيا لقضية شعبه. ومسك الختام ناجي العلي (1937 ـ 1987) حنظلة فلسطين في الشتات الذي عرفه مروة عن كثب.
كريم مروة في جديده يعيد إلى فلسطين بهاءها، ويرد إلى مثقفيها الخالدين حقهم في الوطن، فبورك قلمه لخطه موسوعة مثقفيه.